العميد الأسبق لكلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر د. محمد زناتي: الغالبية الصامتة صاحبة فكر وسطي وآن لها التعبير عن نفسها لإنقاذ الأمة
الصحوة الإسلامية الموجودة اليوم عشوائية وفقه الواقع مغيب بفعل فاعليرى أن أمة الإسلام اليوم مريضة بسبب البعد عن المنهج القرآني والنبوي وتعاليم الإسلام، رغم أن مقومات رقي الأمة موجودة وتحتاج إلى من يصحح لها الطريق فقط، ويطالب بضرورة التفريق بين الإسلام والأمة، مؤكداً أن الصحوة الإسلامية التي يشهدها العالم العربي والإسلامي راهناً عشوائية وأن فقه الواقع مغيب بفعل فاعل، ما أوجد أزمة حقيقية داخل الأمة. إنه د.محمد زناتي، العميد الأسبق لكلية الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر، الذي طالب في حواره مع «الجريدة» الغالبية الصامتة الممثلة للفكر الوسطي بضرورة الإعلان عن نفسها بقوة والخروج عن صمتها لإنقاذ الأمة من براثن التطرف والانحلال وغير ذلك من الآراء التي نرصدها في سياق الحوار.
• كيف تنظر إلى واقع الأمة الإسلامية اليوم، وما يحيط بها من تحديات وكيفية الخروج من الأزمة الراهنة؟ثمة فارق بين الأمة والإسلام، فالأمة يعتريها ما يعتري المخلوقات من الضعف والوهن والغنى والفقر... إلخ، لكن الإسلام هو العروى الوثقى التي إن تمسكنا بها نجونا وقدنا العالم كما كنا من قبل في عهود الحضارة الإسلامية، فالأمة الإسلامية معها مقومات ثباتها ورقيها، ولكنها اليوم لما تخلت عن المنهج القرآني والنبوي أصبحت في مؤخرة الأمم، فأمة الإسلام اليوم مريضة رغم أن مقومات رقيها موجودة وتحتاج إلى من يصحح لها الطريق فقط، ومن يقودها قيادة رشيدة وما يستجد في دنيا الناس من قضايا لم تكن موجودة في وقت نزول القرآن الكريم ثم يلتمس لها الحل من القرآن الكريم الذي قال فيه المولى عز وجل «ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء».• هل ثمة خمول تعيشه الأمة اليوم أم صحوة إسلامية؟مرحلة الخمول موجودة بالفعل وأيضاً عندنا صحوة إسلامية، ولكنها محفوفة بالفهم الخاطئ، فالصحوة الإسلامية الموجودة الآن عشوائية ولا تستند الى التعامل مع معطيات فهم الواقع وفقه الأولويات الذي هو مهم جداً للأمة في هذا العصر، ولابد من وجود عقلاء في هذه المرحلة، لا يكونون متشددين ولا يكونون ممن يسعون إلى إقحام آراء فردية وفقهية يفرضونها على الناس، قد يكون لها زمن معين، ولكن استدعاءها في هذا الزمان بهذه الطريقة دون النظر إلى الواقع جريمة في حق الأمة، وفي حق وسطية الإسلام، فليس من الحكمة أن تعمم مثل هذه الآراء لأن الفتاوى والأحكام الشرعية الفرعية تتغير بتغير الزمان، وهذا لابد له من رجال كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم «يحمل هذا العلم من كل خلف عدول، ينفون عنه انتحال المبطلين وتأويل الجاهلين وتحريف الباطلين» وهذا هو ما نشاهده هذه الأيام من تغييب للتيار الوسطي، وعلو صوت هذه الفئات المتشددة التي يمكن أن تغرق الأمة في دوامة والجهل والتطرف.• تحدثت عن فقه الواقع ومدى الحاجة إليه في هذا العصر. هل تعتقد أن فقه الواقع مغيب عن الأمة اليوم؟ ونحن في زماننا لا نجيد إلا فقه العبادات، وهذا شيء لابد منه ولا يمكن التنازل عنه حتى نعبد الله على بينة وعلى علم، ولكن هناك فقه الواقع المغيب عن الأمة بقوة خلال هذا العصر بسبب التطرف والتشدد من ناحية والتقصير في تعلم فنون الشريعة وإسقاطها على واقع حياة الناس من ناحية أخرى، ونحن في حاجة ماسة اليوم إلى العلماء الربانيين الذين يجيدون فهم الواقع ومعطيات الحياة وأولوياتها حتى لا نقدم ونؤخر دون ترتيب لاحتياجات الأمة في كل شيء في المعاملات والفقه إلى آخره، ففقه الواقع مغيب إلا عن فئة قليلة من العلماء، والأمة في حاجة ماسة اليوم إلى جهد هذه الفئة لإنقاذ الأمة من محنتها الحالية، ولنعلم جميعاً أن فقه العبادات قتل بحثاً، أما فقه المعاملات فما زال في حاجة ماسة إلى إضافات جديدة ونظرة للواقع واستنتاج من أحكام الواقع وقضاياه ما نلتمس لها حكماً شرعياً في ضوء قاعدة «لا ضرر ولا ضرار»، وفي ضوء المصلحة العامة والمصالح المرسلة والقضايا الفقهية المعروفة حتى يجد الناس حكماً شرعياً في كل ما يقابلهم من شؤون الحياة المعاصرة.• في هذه المرحلة العصيبة التي تعيشها الأمة الإسلامية يعلو الصوت المتطرف ويخفت الصوت الوسطي رغم أنه الأوسع انتشاراً، فلماذا وإلى متى؟أصحاب الفكر الوسطي يمثلون الغالبية الصامتة داخل الأمة، وآن لهم التعبير عن أنفسهم بقوة لإنقاذ الأمة من تيارين متضادين، أحدهما متشدد ومتطرف، ويلبس عباءة الإسلام، والثاني منحرف ومنفلت، فالغالبية الصامتة وأصحاب الفكر الوسطي موجودون في كل مكان، خاصة في الأزهر الشريف القائم على الوسطية وهذه رسالته، وإذا غيب أهل الحق وتم تهميشهم فهذا مدعاة لظهور التيارات الأخرى، سواء العلمانية التي فتحت لهم الأبواب على مصراعيها في الإعلام والفضائيات، وأيضاً التيارات المتشددة التي تتمسك بالحرفية دون إنزال الأحكام على واقع المسلمين، ولذلك فإنه لابد من مواجهة كل ذلك بخروج الأغلبية التي تمثل الفكر الوسطي من عباءة الصمت لتسيير عجلة الوسطية وبث روح التسامح بين الناس وبناء جيل من العلماء المتوشحين بالوسطية الإسلامية الصحيحة لإعادة الأمة إلى مسارها الصحيح.• يخرج علينا في هذا العصر من يدعي الاجتهاد، وهو ليس كذلك ويدخل إلى الإسلام ما ليس فيه، ويحاول هدم ثوابته، فما تعليقك؟يجب أولاً أن نقر أن باب الاجتهاد مفتوح إلى يوم القيامة، ولكن ليس كل من يدعي الاجتهاد مجتهداً، فالله عز وجل ذكر في آيتين من آيات القرآن الكريم ما يدل على احترام التخصص، قال تعالى: «فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر»، وهذا فيما يتعلق بالأمور الدينية، وقال عز وجل: «فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون» على إطلاقها فيجب سؤال أهل كل تخصص ولا يتم خلط الأوراق بعضها ببعض بسؤال غير المتخصصين فعملية احترام التخصص من ثوابت وأصول الإسلام فيجب مراعاتها في معاملاتنا وعبادتنا، ويجب التفريق بين المجتهدين في العلم خاصة العلوم الشرعية الذين يملكون بحق أدوات الاجتهاد، وبين الدعاة، ومن نراهم اليوم في الفضائيات العربية والإسلامية هؤلاء ليسوا علماء ولا مجتهدين أو فقهاء، ولكنهم وعاظ يجيدون الوعظ، فلابد أن نفرق بين خطيب الرقائق والعالم والفقيه، وهناك فرق جوهري بين فتوى الواعظ وفتوى العالم، فالعالم هو الذي يجيد فقه الواقع ويفهم مجريات الأمور، وفي الوقت نفسه معتدل ومقبول من العامة والخاصة.• هذا ينقلنا مباشرة الى الحديث عن الفضائيات الدينية، هل تؤدي دوراً تنويرياً وسطياً أم تساعد على زيادة وتيرة التطرف بين الناس؟كثير من الفضائيات الدينية المنتشرة حالياً في العالم العربي والإسلامي يزيف وعي عوام المسلمين، ولذا أنا أهيب بإخواننا ممن يرتقون هذه المنابر الفضائية أن يتقوا الله عزوجل في عوام المسلمين البسطاء فلا يقنطوا الناس ولا ييئسوهم، فالإسلام عندما يتحدث دائماً يتحدث عن الترغيب والترهيب معاً، والجنة والنار في القرآن الكريم متتابعتان، ولكن كثيراً من هؤلاء يميلون إلى التشدد والترهيب أكثر، وكأنهم أخذوا نصف الحقيقة وتركوا النصف الآخر، ونخشى أن تكون هذه القنوات موجهة لنشر فكر وقضايا معينة، ونتمنى مواجهة ذلك كله بنشر الوسطية الصحية والبعد عن الغلو والتطرف خاصة في هذه المرحلة الحساسة جداً من حياة الأمة الإسلامية.