ماري منيب... أليس وماري من صدمة الريحاني إلى فرحة الكسار
لم تعد قاسمة قادرة على تحمّل أعباء الحياة، فالأسعار في ارتفاع مستمر في ظل أجواء تنذر بنشوب حرب عالمية بين الدول العظمى، والفتاتان تكبران، إذ بلغت أليس عامها الرابع عشر، وماري عامها الثاني عشر، والمدرسة تطلب المصاريف وإلا فسيكون الطرد مصير الفتاتين، وصاحبة المنزل تطلب إيجار الشقّة المتأخّر أربعة أشهر، فضلاً عن الأكل والاحتياجات اليومية، ولم يعد باستطاعة الأم بذل مزيد من الجهد لتوفير نفقات الحياة.نتيجة هذا الوضع المزري نصح بعض الجيران قاسمة بأنه طالما أصبحت الفتاتان تعرفان القراءة والكتابة بل وتتحدّثان بعض اللغة الفرنسية والإنكليزية، فما من داع لاستكمال الدراسة، إذ يجب البحث لهما عن عمل يسهم في توفير حياة أفضل للأسرة، غير أن قاسمة كانت تتمنى أن تواصل الفتاتان تعليمهما... لكن ما باليد حيلة، فالأجواء في مصر أصبحت أكثر تعقيداً والحياة أكثر صعوبة، خصوصاً أن ثمة بوادر اضطراب سياسي انعكس بشكل كبير على الوضع العام في البلاد.
كانت فكرة ضمّ مصر إلى الإمبراطورية البريطانية تتردّد بين الحين والآخر في دوائر السياسة البريطانية، وبدأت بريطانيا تفكّر جدياً في هذا الأمر منذ احتلال إيطاليا طرابلس الليبية في العام 1911، فسُرِّبت أنباء تفيد باحتمال أن تضمّ بريطانيا مصر إلى الإمبراطورية العظمى، لتختبر ردّ فعل حليفاتها، فاعترضت فرنسا على فكرة الضمّ التي أنكرتها الخارجية البريطانية معلّلة بأن ما نُشر في الصحف حول هذا الموضوع كان من قبيل الشائعات. لكن عندما توتّر الموقف الدولي في صيف عام 1914، فاتحت بريطانيا رسمياً حليفاتها في أمر ضمّ مصر فاعترضت فرنسا بشدّة على القرار، وطلبت ترك أمر مصر معلّقاً ليتم البت فيه على مائدة «مؤتمر الصلح» عندما يُعقد لواء النصر للحلفاء وبعدما تضع الحرب التي بدأت في يوليو من العام 1914 أوزارها. طرحت بريطانيا فكرة فرض الحماية على مصر في حال دخول الدولة العثمانية الحرب إلى جانب ألمانيا، فلقيت فكرتها قبولاً لدى حلفائها، لكن أرجئ تنفيذها الى حين إعلان تركيا الحرب على الحلفاء وإن كان قد بدأ اتخاذ الإجراءات الرامية إلى إعداد مصر للحماية.في 5 أغسطس من عام 1914، أصدر مجلس الوزراء المصري قراراً بمنع التعامل مع ألمانيا ورعاياها والأشخاص المقيمين فيها ومنع السفن المصرية من الاتصال بأي ثغر ألماني، بل وحظّر تصدير البضائع إلى ألمانيا، وتخويل القوات البريطانية حقوق الحرب في الأراضي والموانئ المصرية.انسحبت هذه القرارات في 13 أغسطس على إمبراطورية النمسا والمجر، كذلك فرضت الرقابة على البريد والتلغرافات المرسلة بين مصر والخارج وبينها وبين السودان. وفي 18 أكتوبر من العام نفسه، صدر قانون منع التجمهر:«يعتبر تجمهراً كل اجتماع من خمسة أشخاص أو أكثر في الطريق العام أو الأماكن العامة، وجريمة يعاقب عليها بالسجن أو بغرامة أقصاها عشرون جنيها».وبمجرّد إعلان تركيا الحرب على روسيا، أخطر الجنرال السير جون مكسويل قائد جيوش الاحتلال في مصر، الحكومة المصرية بوضع البلاد تحت الحكم العسكري البريطاني ووجّه إعلاناً إلى المصريين حذّرهم فيه من تكدير الأمن العام ومساعدة أعداء إنكلترا وحلفائها وحثّهم على إطاعة الأوامر التى تصدرها السلطة العسكرية البريطانية.كذلك، صدر إعلان آخر في 5 نوفمبر نُشر في جريدة «الوقائع المصرية» الصادرة في 7 نوفمبر عام 1914، وأعلن فيه دخول تركيا الحرب موضحًا وجه اعتدائها في ذلك، وذكر أن إنكلترا تحارب لغرضين: الدفاع عن حقوق مصر وحرّيتها التي كسبها محمد علي في ميدان القتال، واستمرار تمتّع مصر بالسلام والرخاء، وأن إنكلترا أخذت على عاتقها جميع أعباء الحرب وأنها لا تطلب من الشعب المصري سوى الامتناع عن أي أعمال عدائية ضدها.وفي 18 ديسمبر من العام 1914، أعلنت إنكلترا حمايتها على مصر ونشرت «الوقائع المصرية» في اليوم نفسه إعلان الحماية:رفض العودة«يعلن ناظر الخارجية لدى جلالة ملك بريطانيا العظمى أنه بالنظر إلى حالة الحرب التي سببها عمل تركيا، فقد وُضعت مصر تحت حماية جلالته، وأصبحت من الآن وصاعداً من البلاد المشمولة بالحماية البريطانية، وبذلك زالت سيادة تركيا عن مصر، وستتخذ حكومة جلالته كل التدابير اللازمة للدفاع عن مصر وحماية أهلها ومصالحها».في ظل هذا الاضطراب السياسي الذي انعكس بشكل كبير على الوضع الاقتصادي، قرّر نبيه بك، خال قاسمة، أن يصفّي أعماله وتجارته ويعود إلى لبنان، وفكّر قبل أن يغادر بأن يذهب إلى قاسمة ليعرض عليها أن تعود معه إلى بيروت:* اسمعي منيّ.. بريطانيا أعلنت الحماية ع مصر والوضع عم بيصير من سيئ إلى أسوأ.= خالو متل ما بيحكوا المصريين... و{إيش ياخد الريح من البلاط»... مافي شي ممكن نبكي عليه.* يا بنتي صارت الأجواء صعبة كتير... شو بيخليك تنطري هون... تعي معي ع بيروت.= وشو بتفرق القاهرة عن بيروت... الله القاهرة هو الله بيروت.* وكيف بتدبروا حالكن.= اللي دبرها في الأول خالو قادر يدبرها في الأخير.* متل ما بدكن خالو... بدك شي؟= مشكور خالو... الله معكن.أبت نفس قاسمة، على رغم حاجتها الشديدة، أن تطلب مساعدة من خالها، فربما لم تنعكس أجواء الحرب على حي شبرا في القاهرة، بشكل واضح، لكن ما يهمّ قاسمة هو تراكم الديون عليها، ما جعل الفتاتين تقرّران عدم الذهاب إلى المدرسة توفيراً للنفقات، غير أن قاسمة عارضت بشدّة هذا الأمر، لكنها اضطرت في النهاية الى الرضوخ للأمر الواقع في ظلّ عجزها حتى عن توفير المصروف اليومي لهما أثناء ذهابهما إلى المدرسة، وإلحاح صاحبة المنزل بطلب الأجور المتأخّرة أربعة أشهر، وما تقوم به من أعمال يدوية يكفي بالكاد لسدّ رمقهنّ من أكل وشرب.الحل في المسرحعاد جبران ناعوم إلى منزل قاسمة، فانفرجت أساريرها ظناً منها أنه جاء يطلب فستاناً جديداً، غير أنه أخبرها بأن ثمة إصلاحات بسيطة في فستان زوجته، ولم تمر لحظات حتى لاحظ جبران أن الأم والطفلتين تبدو عليهنّ حالة حزن واضحة، ووضعهنّ يختلف تماماً عن زيارته الأولى:* اسمحيلي ست قاسمة... أنا ملاحظ يعني إنك حزينة وكمان البنتين شكلهن مش مبسوطين.= الله بيعلم بعباده.* ونعم بالله... لكن لا تؤاخذيني إذا كنت بتدخل في شي لا يخصني.= لا أبدا ولا شي.* بدون حرج المسألة ضائقة مالية.= نحمد الله ع الستر.* الحمد لله... بس أنا يعلم ربنا من أول مرة شفتكم اعتبرتك زي أخت ليّ وأليس وماري زي ولادي.= الله بيديم المعروف.* طب إذا كان كده يا ريت تتكلمي وزي ما قولتلك اعتبريني أخ لك.= والله خجلتني يا أستاذ جبران... لكن إذا بتريد ممكن بتشوف شغل لأليس.* بس كده... وماري كمان لو حبيتِ.= عن جد؟* طبعا جد... ومن بكرة كمان بس بشرط.= شرط شو؟* تيجو كلكم معايا أنا عازمكم على الرواية الجديدة لأبو الكشاكش.. .= أبو الكشاكش... بس...* متخافيش الرواية ماتينيه... يعني قبل الساعة عشرة هتكونوا هنا... خليك تنبسطي والولاد يفرحوا بلا هم وحزن ربك بيعدلها.فضّلت أليس أن تجلس بجوار والدتها في «بنوار» اختاره لهما جبران ناعوم، بينما وافقت ماري على أن ترافقه إلى الكواليس لمشاهدة «المشخصاتيةّ وهم يستعدون في حجراتهم قبل الصعود إلى خشبة المسرح، وكيف يرتدون ملابسهم ويضعون الشعر المستعار ويتبرّجون، عالم آخر ساحر لم ترَه سابقاً.فجأة أعلن الجميع حالة طوارئ في المسرح، بالداخل والخارج، استعدادات غير عادية، لدرجة أن ماري لاحظت أن جبران يرتعد خوفاً وهو يحاول إخفاءها خلف ستارة موجودة فوق خشبة المسرح! فحسب لأن «عم مجانس» أطلّ برأسه من باب المسرح ليعلن من همّ بالداخل:* الأستاذ وصل.وصل أبو الكشاكش، أو الفنان نجيب الريحاني، الجميع في حالة انتباه وخوف ورعب من أن يلاحظ الريحاني وجود خطأ ما هنا أو هناك. بدأ عرض الرواية، وماري حبست أنفاسها وراء الستار الذي تختبئ خلفه، غير أنها استمتعت إلى حدّ كبير، وتاهت ضحكاتها وسط ضحكات الجمهور العالية، كذلك لم تنقطع أليس وقاسمة عن الضحك.الانبهار بالعالم الجديدكانت ماري تنظر إلى هذا العالم نظرة مختلفة، فهو عالم غريب، مدهش ساحر، كيف يقفون على هذا المستطيل الخشبي وهم يتلألؤون مثل الماس؟ كيف يستطيعون أن ينطقوا بكلمات بسيطة ويثيروا هذا الضحك كلّه لدى الناس؟ ولماذا كل هذا الخوف والرعب من «أبو الكشاكش» وهو مجرد مشخّصاتي؟!راحت ماري تفكّر في ما شاهدته في مسرح الريحاني، كانت تظنّ أن ما قام به جبران ناعوم من حركات تمثيلية أمامهنّ في البيت وأثار ضحكاتهنّ، هو أفضل ما رأت في حياتها، بل وكان في تقديرها أن جبران هو أهم مَن في فرقة الريحاني، غير أنها اكتشفت أنه مجرد مشخصاتي بسيط في الفرقة التي يجلس على عرشها ملك كبير متوّج اسمه «نجيب الريحاني».لم تكد قاسمة وأليس وماري يبدّلن ثيابهن بعد عودتهن من المسرح، حتى فوجئن بجبران يدق باب المنزل ويطلب الإذن بالدخول لأمر مهم:* خير يا جبران أفندي فيه شي صار؟= خير إن شاء الله... كله خير... شوفي ياستي أنا انتهزت فرصة أن أبو الكشاكش النهارده مزاجه رايق وكلمته على شغل أليس وماري... والحمد لله إنه وافق... بس بشرط إنه عاوز يشوفهن بكرة في المسرح.* شو بتقول جبران أفندي... أنا بناتي بيشتغلوا مشخصاتية يترقصوا هيك على شو اسمه هادا المسرح؟!= ياستي إنت فاهمة إن بناتك بديعة مصابني ومنيرة المهدية... دول مجرد هيبقوا مع الكورس يقفوا يتحركوا شمال ولا يمين... بس مش أكتر ويتعملهم مرتب كويس كل أول شهر.* لكن شو بتقول الناس والجيران عنا؟= ياستي ناس مين وجيران مين... محدش له دعوة بحد هنا... كل واحد في حاله. وبعدين مصلحتك أهم من كلام الناس وانتوا أولى بالقرشين اللي هيخدوهم البنات... مفيش كلام تاني خلاص. أنا ماشي دلوقتي وبكرة الصبح الساعة حداشر هكون قدام الباب والبنات يكونوا جاهزين... يلا تصبحوا على خير.اضطرت قاسمة الى الموافقة على مضض بسبب حاجة العائلة الى لقمة العيش، لكنها في الوقت نفسه راحت تفكّر في مستقبل هاتين الفتاتين، فهل ستجدان من يتزوّج بهما إذا عملا بالتشخيص؟ أم أنها ستجني على مستقبلهما بموافقتها هذه؟ ظلّت تفكّر في الأمر حتى خطف النوم عينيها، غير أن ماري وإن كانت أغمضت عينيها، إلا أنها لم تذق طعم النوم بسبب ما سمعته من جبران أفندي ناعوم... فهي ستقابل غداً هذا العملاق الذي يُدعى «أبو الكشاكش» وستقف بين يديه، ترى ماذا سيقول لها؟ وبماذا ستردّ عليه؟فهي ترى نفسها أنها مشهورة بين أقرانها سواء خلال فترة الدراسة، أو حتى بين بنات الجيران، بأنها «لبلب» في الكلام، لا تسمع سؤالاً إلا ولديها عنه إجابة سريعة، وأن «دمها خفيف» بشهادة الجميع، بل إنها تستطيع جعل الأصدقاء والجيران يضحكون طويلاً عندما يطلبون منها في جلساتهم الخاصة تقليد السيدة «أم دولت الدلالة» وهي تبيع القماش، أو الحاجة «فتحية» صاحبة المنزل، وهي تطالب والدتها بالمتأخّر من أجرة البيت، أو حتى «أم نونو» بائعة البن وهي تنادي على الجيران ليأخذوا منها البن، وكيف تجيد تقليد كل هؤلاء وتنتزع من الجيران الضحك حتى الصراخ؟!ربما يفيد ذلك في الامتحان أمام «أبو الكشاكش»، فإذا طلب منها أن تشخّص أمامه ستستحضر إحدى هذه الشخصيات وتقلّدها وكأنها تشخّص من ابتكارها، فالريحاني لم ير هذه الشخصيات ولا يعرفها، ومؤكّد سيُعجب بها ويطير فرحاً ويقبلها فوراً هي وأليس في الفرقة، والأهم من ذلك سيدفع لهما مبلغاً كبيراً يسدّدن به أجرة البيت، والمتأخّر عليهن لعم «فرج» البقال. في النهاية، غفلت عينا ماري وهي تتمنى أن ترى في منامها «أبو الكشاكش» وكيف سيكون اللقاء وكيف سيرحّب بها، وكيف سيوقّع معها عقد التحاقها بالفرقة.رفض الريحاني وقبول الكسارفي صباح اليوم التالي، ارتدت أليس وماري أجمل ما لديهما من ثياب، وفي الثانية عشرة ظهراً، وبعدما انتهت الفرقة من «البروفة اليومية» جاءت اللحظة الحاسمة، أليس وماري أمام نجيب الريحاني، فراحت الأماني تلعب برأس ماري حتى صُدمت برأي الأستاذ:* إيه ده يا سي جبران هما دول؟= بس هيعجبوك قوي يا أستاذ؟* يعجبوني إيه يا راجل دول أطفال... وكمان «مسلوعين» قوي... ده أنا يا دوب أعمل عليهم «ملوخية» وأتغدى بيهم.= يعني حضرتك شايف إنو...* أيوه حضرتي شايف... لكن يظهر إن حضرتك إنت اللي مش شايف... لا لا ما ينفعوش.في أقلّ من لمح البصر تبدّدت كل أمنيات ماري، إذ لن يكون هناك راتب، ولن يحدث تحسّن في الأوضاع المالية... غير أن هذا كلّه جعلها تستجمع قواها وقبل أن يأخذها جبران من أمام الأستاذ الذي استدار بوجهه ليتحدّث مع أعضاء الفرقة فاجأته بقولها:- لكن أنا عاوزة أشتغل معاك يا أبو الكشاكش.هنا صمت الجميع وانتبهوا إلى هذه الطفلة الجريئة التي نادت الأستاذ بلقب لا يجرؤ على أن يناديه به سوى المقرّبين جداً. نظر إليها الريحاني وأشار إليها بيده أن تأتي، فاقتربت:* خدي تعالي... إنت اسمك إيه.- اسمي ماري سليم حبيب نصر وأختي اسمها أليس سليم نصـ...* بس بس... كل ده؟! اسم ده ولا عنوان؟- لا العنوان في شبرا في شار...ضحك الريحاني وقال لها:* لا ده إنت لمضة ودمك خفيف بجد... بس أنا عاوز أقولك على حاجة... إنت تروحي تاكلي كويّس وتختخي شوية... ولما تكبري تيجي وأنا أشغلك على طول...أعاد جبران أليس وماري إلى البيت وهو يجرجر أذيال الخيبة، فماذا يفعل وقد ظهر أمام والدتيهما أن له الكلمة الأولى والأخيرة، وأن أبو الكشاكش لا يردّ له طلباً؟ فلا بد من البحث عن بديل... وبديل سريع وعاجل، ليس لإثبات أن له كلمة فحسب، ولكن لإنقاذ هذه الأسرة من الضياع أيضاً، فقد رقّ قلبه فعلاً لحالهنّ.ربما حزنت قاسمة على أن ابنتيها لم توفَّقا في هذه الفرصة، لكنها كانت تتمنّى في نفسها ألا توفَّقا، فقد خشيت عليهما من المضي في هذا الطريق، لذا لم تظهر أمامهما حزنها، بل على العكس راحت تداعبهما وتخفّف عنهما، وتؤكد لهما أنها ستعمل على تعليمهما الحياكة وستكونان أفضل منها في وقت قريب، بل وراحت تمنّيهما وتمنّي نفسها، بأنهن ربما يفتحن «مشغلاً» كبيرا ويكون لهنّ زبائن.في المساء وعلى ضوء «اللمبة الجاز»، راحت قاسمة تمسك بالمقص وتعلّم أليس وماري كيفية قصّ القماش وأخذ المقاس، غير أنها وقبل أن تفتح المقصّ، سمعت طرق جبران على الباب، فدخل وقبل أن يلتقط أنفاسه قال لها:= اسمعي يا ستي آخر الأخبار.* ارتاح جبران أفندي ارتاح... كوباية مي أليس لعمك جبران.= مفيش وقت للراحة أنا لسه جاي دلوقت من روض الفرج... خلاص يا ستي أليس وماري هاينزلوا من بكرة في جوق علي الكسار بروض الفرج.* بيكفي لهون جبران أفندى أنا حمدت الله إن الموضوع ما تم وعدى على خير... بيكفي.= شو هو اللي بيكفي... إنت هتخليني أتكلّم شامي زيك... أنا كلمت الراجل ووافق.قبل أن تنطق قاسمة بكلمة، سمعت طرقاً على باب الشقة، إنها السيدة فتحية صاحبة المنزل تطالبها بالإيجار المتأخّر... فأخرج جبران من جيبه أربعة جنيهات:* اتفضلي.= شو هادا... لا جبران أفندي لا... معي مصاري.* شو إيه ومعك إيه... الراجل صرف اتنين جنيه عربون لكل واحدة، ومرتب كل واحدة ستة جنيه في الشهر... يعنى الاتنين اتناشر جنيه.لم تصدّق قاسمة نفسها وما تراه وتسمعه... صمتت لحظة وهي تنظر الى جبران ثم الى النقود وإلى أليس وماري. لم تفق من صمتها إلا على صوت السيدة فتحية وهي تعيد الطرق والمطالبة، فمدّت قاسمة يدها فوراً وأخذت النقود من جبران، أخذت منهما جنيهين للإيجار المتأخّر عليها، وأعطتهما لصاحبة المنزل، فبادرها جبران:* أهو كده... مبروك عليكن فرقة الكسار... معادنا بكرة الساعة خمسة... أمرّ عليكم ونروح سوا.= أستاذ جبران ما بتركهن لحظة... إجري عا إجرهن.البقية في الحلقة المقبلة.