غرام براغماتي

نشر في 04-06-2011 | 01:02
آخر تحديث 04-06-2011 | 01:02
No Image Caption
- اسمعي، هذه الآلة التي تسجّل صوتي، لا تدعني أشبع من صوتك كما ينبغي. تصعب عليَّ نفسي حين أتصوّر أنك تختفين وراءها، تنظرين إلى أعلى وتمدّين لي لسانك فأنزعج وأقلق. لماذا أتخيّلك موجودة لكنك لا تجيبين، لا توافقين على الردّ لسبب إلهي، وها أنا أتحدّث كالأبله ولا أجيد قول ما أريد قوله. أي، تمامًا، مُغْرم يضيق ذرعًا بك وبهذا الجهاز. إلى أين تذهبين في هذه الساعة؟ فأنا لم أحسب عدد المرّات التي اتصلت بها لكني لم أترك أثرًا يدلّ عليّ. ستنتهي الدقائق الثلاث ولم أخبرك بأنني سأذهب إلى باريس في...

انقطع الصوت وبدأ الصفير الرفيع حتى توقّف تمامًا: كل من يهاتف يترك لي رسالة صوتية... أفكّر: إن كان عليّ أن ألتزم معك، فبمَ سأجيبك؟ الصوت البشري قلما تكبح طبيعته فيظهر البني آدم في أثناء الكلام بكامل عدّته، التنفّس البطيء، الصمت المتقطّع، شيء من اللامعنى لبعض المفردات غير الضرورية تُقال، وبسبب هذا وأنا أسمع الأصوات، تكون الإثارة في الأوج. هذه الآلة تواسي (المغرمين) الوحيدين الهشّين. فحين نترك الصوت على حاله الهاذية وهو يستطرد بإشاراته، فتقدّم لي بيانك الغرامي، لا أريد أن يقاسمني أحد الدقائق الثلاث، ولا أنا نفسي. رجاءً تابع، فالحبكة تُدار فعليًا بيننا على هذا النحو من المودّة والاتّصالات. وإذا ما التزمتها فسأعمل منها أرشيفًا طريفًا. وها أنا أعيد استنساخه ثانيةً وأتململ من الضيق. فصوتك وطريقتك في التدخين وصفير الجهاز، وأدهى من هذا وذاك، انتقالاتك بين مواضيع شتى، جعلتني ألمّ شتاتك نفسًا بعد نفس، كما هي أنفاس أمّي حين تحضر للتوّ، وهي توقفني أمامها في بغداد، والدخان يخرج من فتحتَي أنفها صاعدًا إلى أعلى السقف:

- والله حلم عندي لو أقدر أن أقلبك على البطانة وأشوف عدد الغرزات والدرزات التي خيطت جسمك ورأسك من يا طينة... و.

أرفع صوت التسجيل إلى مداه الأخير. أقف في الممرّ الضيّق وأضيء المطبخ والحمّام والغرفتين. كدت أخرج وأفتح باب الشقّة وأبدأ بإنارة الممرّ ما بين شقق العمارة التي أسكنها. أتتبع صوتك بالتدريج، تمامًا، كما كانت الوالدة تفعل حين تلاحقني وتتبعني من الطابق السفلي إلى الطابق العلوي، ومنه إلى السطح العالي. لا يحدث أن أشعر بأنني موجودة وأنتظر أوخم العواقب إلا حين تقترح الوالدة هذا النوع من الفرجة في ما بيننا، فأتوقف وأنظر إليها بإعجاب لا نظير له. الشمس في كمال توهّجها والنظرات تبدأ من جلدي. كل يوم تتأكّد من أحوالي؛ إنني وجميع ما أملك من ملكات لا أعرفها بعد لكنني كنت ألمح بعضها في عينَي أمي، كلها ملك لها وحدها. أغلب الظن هذا خطأ، وذاك صحيح، أعني هذه الروح التي ما زالت تركض ولم ينفد صبرها مني، وتلك التي تواصل النظر إلى سطح جلدي:

- كل ما أشوفك أتصوّر لونك الأبيض فضلة من ذاك الذي لا تجوز عليه إلاّ الرحمة. لون راح يخلص بعد شويّة، ولا يبقى منه غير اللحم الحي. أي أنت بيضاء مثل أبو بريص.

صوتكَ يشبه صوتها شبهًا نادرًا، يتفرّع ويتبرعم، يصير حادًّا ورقيقًا، يتقوّى ويضعف معًا. وها أنا أكتب هذه الكلمات كما أشاء، أضع للوالدة هيكلاً رائعًا، وأدعها تتحرّك بضراوة، فتمدّ لي يدها ذات الأصابع الوارمة والأظافر المقصّفة نهاياتُها. ترقب إحدانا الأخرى؛ حرامي وكنز. نقترب كثيرًا، أنظر في وجهها الساخر، ترقب زندي النحيف العاري الشديد البياض. كان حفل تعارف جديد يجري في ما بيننا تحت شعاع شمس عراقية مثالية في واقعيتها. وبدون أي سبب ظاهر للعيان، اللّهم إلاّ هذا البياض الشاحب وسمرتها الغامقة المحبّبة جدًا، نقف وجهًا لوجه، هي بقامتها اللطيفة وأنا بكامل تبرّجي وزينتي قبل كل مشاجرة بيننا وبعدها. في تلك اللحظة بالذات، تفيض نظراتها بالإعجاب بي، وبسرعة، وبدون تمهيد تقرصني من فخذي قرصةً كان متوقّعًا أن تكون في زندي، غيّرت خططها من دون علمي. قرصة، من الناحية النظرية لا تتبدّل على مرّ العصور، ومن الناحية العملية كانت تذود عن العناصر الوراثية، وتجديد هندسة الزمان وحمى ذاك المكان. بقيتْ ممسكة بثوبي واللحم تحته فتعاود بحيويّة وخفّة روح. لا أعرف قوة تلك القرصات ولا اتّساع انبساطها على طول الفخذ وعرضه إلاّ بعد سنين من مغادرتها. أمّي لديها قوّة أرواح عدّة، أحاول سحب تلك اليد والتفرّج على الأصابع، فكل شيء فيها يتوفّر على صحّة جيّدة وقوّة طبيعية. كل عضو عندها كان يشتغل بدينامية في أوقات العطل الرسمية، وأثناء العودة من الثانوية. صحيح هي ألعاب بهلوانية لكنها تدعنا في حالة ارتباط لا فكاك منه. هكذا مزاحنا، وحين أراها قبالتي تمامًا، أبدأ باحتضانها ولثمها، فأشهق بالانتحاب الكتوم ووجهي في عبّها، أرقب حالي وأنا أسطّر لك هذه المخطوطة. إن جميع ما ذكرته للتوّ يبعث فيّ لذة بركانية، وأنا أزيح سروال الرياضة الآن أنظر إلى فخذي، في المكان نفسه، عدّة شغلها؛ القبضة، الشبهة، التحريض والقصاص المفضّل لي، ربما أكثر منها، كيف نقول، هذه صناعة عراقية دهرية، فأبدل المواقع والاختصاصات ما بين العائلة والمحبوب. وما إن ألمح أمّي تحثّ الخطى إلى هذه الصفحات حتى أشعر بأنني على وشك انتزاع حظوة قرصات العالم، وأنا أرتقي سلالم الطائرات والقطارات والباصات في هذه المدينة أو تلك فأمشي، والوالدة أضعها في الصدارة في لوحة التعذيب، وصوتها:

- أيّ أنت حامضة أكثر من هذي الثمار النازلة من الأشجار المغبرة، ها، تسمعين زين، حامضة ومُرّة... والله، أعوذ منك يا لساني، أنت مثله، تشبهينه، أنت بنته مو بنتي...

هذا هو الجانب المتنافر من الأصوات، صوت الوالد العربي المكروب والمغبون، باع شخصه ولم يتسلّم الثمن. صوت القطط المهتاجة التي كنت أتفرّج عليها وأنا أسمعها تئن، يتغيّر ويتعذّب الصوت فأضعها كطعْم لي شخصيًا، وعليّ واجب السهر على سلامتها من أجل تدفّق شهواتي، وذلك صوت الأمّ، مُسلّم به هنا، لكن لا طائل منه، وذكره يردّ بجوارك ومعك، ربما، فقط في الصفحات الأولى، فيدي تأكلني لكي ألمسك. فمن ناحيتي، اللمس ليس كلّه شهوانيًا، في لحظة أو لحظات منه يدخل فيه الغيظ والاحتجاج، فأدير الشريط مرّة ورابعة وعاشرة، وفي كل مرّة تتضاغف إحساسي بأن صوتك يملك ضميرًا مرتاحًا، فأمتصّه وأنظر إلى لعابي، وأنا أسمح لك بالتجوال ما بين فكَيّ الأعلى والأسفل، فلا أستطيع اختزال طبقاته. الكلمة الأولى كم تبعد عن الكلمة الثانية، كما نحن الاثنين في الاقتراب والابتعاد، وهذه الآلة، وأنت تطعمني صوتك باليد قطرة وراء قطرة. جنّية الأذن البشرية التي تجعلني أصغي جيدًا، فأعتدل في جلستي لكي يسهل مرور الصوت لمجرى الدم، فأتصوّر صوتك وصفة شعبيّة شهيرة تقول محتوياتها: كيف نتوغّل في الآخر عن طريق عضلة اللسان، وصيوان الأذن فأعرف أنني مرغوبة عبر الإشارات التي يبثّها الصوت، فأستخرج نفسي وأتجنّب نزع جسمي من حضنك، وأنت تمسك صوتي القديم المختلط المترنّح، والمحجوز لأمّي وتأثيراتها عليّ حين كانت تتعوّذ من الشيطان فتحملني الوساوس الصحيحة والمنشّطة، فتقترح عليّ كما تقترح جنان وآنيتا وليل بين حين وآخر: غنِّ فصوتك حسّاس، لا، يمكن أحسن من هذه الكلمة،

صوتك محمّص يسمع هو وقشرته. يا للوالدة الحرّيفة التي كانت تقضي النهارات البغدادية الطويلة وهي تغنّي، ويوم أخاطبها، وأنا في الخارج كانت تجيبني بالغناء، تطلق آهة طويلة لا تتعثّر إلاّ بالموت الذي نقعته منذ اليوم السابق، والعام السابق، والعمر السابق، فتغيّر طعمه، وطبقته، ورنينه. كانت تنظّف بلعومها وحبالها الصوتية أمامي بالسعال الخفيف، كأنها مطربة محترفة، ثم يعلو قادمًا من القعر، وها أنا أغنّي لك يا بحر، أُطلق صوتي فوق صوتك، وأنا أصغي إليه، فنضع الصوتين جانبًا، ونغادر الآلات. قهقه على مهلك كما كانت الوالدة صاحبتك تفعل هكذا بالضبط، فأقود خطوتيكما معًا ما بين الكلمات، وآخذكما في نزهة، ولا أحد منكما يعترض عليها. الأمّ وضعتني كهدف، كرة من المطّاط تضرب بها هذا الحائط فيعيدها وارمة مرضوضة وذات شقوق من الجانب الآخر. لا تتلهّى بأي شيء عني، تدخّن وتغنّي ويصدر من عينيها شعاع قادر على إنارة وجهي، وما حولي، فأغمض جفوني حالاً، وهي تنفخ فيه:

- نيال اللي يفكك هذا الكسم والرسم. زين ليش ما تردّين عليّ. عيطي، اصرخي، ألطمي. زين ليش ما تبكين، مشتهية أشوف دموعك.

فأبدو خرقاء وشيء فوق الغضب والحنق والألم أحضّره ويسبقني إلى وجهي لكني أخلّفه كميثاق شرف، لا أدع أحدًا ينتهكه، ولا أمسك السلاح وأبقر به بطني. أمّ مدخّنة يشتعل دماغها بهلوسات وظنون من طراز متقدّم على زمانها ومكانها، تتحرّك أملاكها الخاصة، حضرتي، لا هي تعود إلى وراء ولا أنا أتراجع عن أمام.

لا تبدأ الكلام معي، تتحدّث ولا تنظر إليّ قط، تواصل قبل أن يغلبها النعاس. ألا ترى أنني أحاول إيصالها إلى برّ السلامة بدافع نظام الجور ذاك، وأنت ملتاع ومضطرّ إلى أن ترانا في تلك الوضعيات التي تزدهر على مرّ العصور فتجاملني كما يبدو، تنهض من سريرك الدافئ ونومك المتأخّر جدًا كما هي، تدخّن حال الاستيقاظ ثم تشرب الشاي وتفكّر قليلاً:

- عال، سأتصل بها، ها، لا بأس بالأمر، أليس كذلك؟

- تركب درّاجتك الهوائية ولا تلتفت إلى أيّة جهة. نظراتك ذات الاكتئاب النموذجي، والريح البحرية في مدينة برايتون هادئة في هذه الظهيرة، وأنت عاشق معتبر، لست من هواة المناظر الطبيعية ولم تتوقّف أمام التصاوير السياحية، لكن دفتر الملاحظات لا يترك جيبك الخلفي من سروالك الرمادي الغامق، والكاميرا، أظن أنها ماركة NIKON تتدلّى من صدرك. ألا ترى هذه الدعابة، وتلك البديهية الملطّفة؛ أنت صاحب القلب الخافق، النبض العالي، الكتف الهادلة من الرشاقة التي لا تختزل، بطعامك القليل والاحتراق الذي يفيض عن الحاجة، ثم التواري عن الأنظار في هذه المدينة التي لا يرقى إليها الشكّ. إنها موجودة كما أنا في شقّتي وأصغي إليك، ولا أجيبك فتذهب إلى الجانب المرح من شخصيّتي، فكرة جيّدة يكاد جميع العشّاق يقومون بها في ازدهار العلاقة، على الخصوص لو كانت لكلينا تجارب شتّى. حسنًا لمَ لا تجرّب أحد بارات برايتون وهوف، أو دخول أحد نواديها؟ فالأسطورة تقول: عندك لكل يوم من السنة نادٍ. لكنك تفاضل ما بين هوف بارك الشاسعة والرحبة والجلوس على أحد مقاعدها التي طُليت حديثًا بالأخضر الزيتوني، أو تقضي فترة الصباح في ميناء برايتون، تمشي على رصيف الميناء تغمغم، وسعالك الناشف يبدأ. وفجأة، العاطفة النادرة، عاطفتك لا تطاق، فيتمّ الاتصال الهاتفي. حتمًا مطلب اللقاء غير عاجل وأنت تقود الدرّاجة فيفيض شيء منك فتسلّمه إليّ، فهذه هي الموضة، الأوّل يختفي والآخر يحاول البرهان على وجوده باللغة، بالاستدراج، بالمكابرة، بالتجاعيد التي تبدأ بالظهور. وبعد اللقاء الثاني، الموضة الرائجة أن أكون مخاتلة معك لكني أصطفيك بالسرّ والكتمان مثل المجرمين، ولا أراهن على أحد الوالدين أو على الاثنين معًا، اليوم، ما العمل بهما، هما الاثنين، معًا أو كلّ على انفراد.

back to top