قيادة العمليات الخاصة المشتركة ... جيش الولايات المتحدة السريِّ!

نشر في 30-09-2011 | 00:01
آخر تحديث 30-09-2011 | 00:01
قتلت الطائرات بلا طيار التابعة لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية والقوات شبه العسكرية عشرات من زعماء تنظيم القاعدة وآلاف من محاربيه. ولكن ثمة منظمة غامضة أخرى قتلت عدداً أكبر من أعداء الولايات المتحدة خلال العقد الذي تلى اعتداءات 11 سبتمبر.

سجن عملاء وكالة الاستخبارات المركزية واستجوبوا نحو 100 إرهابي مشتبه بهم في سجون الوكالة السرية السابقة الموزعة حول العالم. لكن جنوداً آخرين في منظمة سرية سجنوا واستجوبوا إرهابيين يفوق عددهم المئة بعشرة أضعاف. وقد أبقوهم في سجون تتحكم فيها هذه المنظمة وحدها في العراق وأفغانستان.

«واشنطن بوست» تحدثت عن هذه المنظمة.

منذ اعتداءات 11 سبتمبر، تضاعف عديد هذه المجموعة السرية من رجال وبضع نساء، محافظةً في الوقت عينه على مستوى من السرية تعجز عن تحقيقيه وكالة الاستخبارات المركزية بحد ذاتها. وصف أحد أعضاء فرق البحر والجو والبر التابعة للقوات البحرية الأميركية (Navy SEAL) طلب عدم ذكر اسمه ووحدته، قائلاً: «نعمل في الظل. نحن القوة التي تنظم الكون، لكن لا يمكن رؤيتنا».

تُعتبر فرق البحر والجو والبر جزءاً من قيادة العمليات الخاصة المشتركة في الجيش الأميركي (JSOC)، التي تحوّلت من فريق لإنقاذ الرهائن قلما يُستعان به إلى جيش الولايات المتحدة السري. وعندما قتل أعضاء قوة النخبة هذه أسامة بن لادن في باكستان في شهر مايو الماضي، لم يحتفل مسؤولو قيادة العمليات الخاصة المشتركة بنجاح هذه المهمة فحسب، بل سعدوا أيضاً بأن عدداً من الناس صار يعرف بوجود قيادتهم في مدينة فاييتفيل بكارولاينا الشمالية.

يحاول هذا المقال، المقتبس من أحد فصول كتابTop Secret America: The Rise of the New American Security State (الولايات المتحدة السرية: ظهور الدولة الأمنية الأميركية الجديدة) لمراسلَي «واشنطن بوست» دانا بريست ووليام م. أركن، سرد بروز قيادة العمليات الخاصة المشتركة وفق الترتيب الزمني، علماً أن معظم هذه التفاصيل لم يُكشف للعامة سابقاً.

طلب رئيسان وثلاثة وزراء دفاع من قيادة العمليات الخاصة المشتركة القيام بمهام استخباراتية وشن غارات مميتة، معظمها في العراق وأفغانستان، فضلاً عن بلدان لا تخوض الولايات المتحدة ضدها حرباً، مثل اليمن وباكستان والصومال والفلبين ونيجيريا وسورية. يقول أحد عملاء هذه القيادة: «لا تتمتع وكالة الاستخبارات المركزية بالإمكانات والسلطة الضروريتين للقيام بالمهام التي نؤديها». فقد منح الرئيس هذه القيادة صلاحية قلما تُعطى لجهاز آخر، إذ أتاح لها اختيار الأسماء المدرجة على لائحة أهدافها وقتلها بدل اعتقالها. لكن بعض النقاد يشير إلى أن هذه العمليات، التي تستهدف أفراداً، تُعتبر اغتيالاً، ممارسة يحظرها القانون الأميركي. ولا تضع هذه القيادة لائحتها بالتنسيق مع وكالة الاستخبارات المركزية، التي تملك لائحة مماثلة، إنما أقصر.

أُنشئت قيادة العمليات الخاصة المشتركة عام 1980، لكنها خضعت لإعادة هيكلة في السنوات الأخيرة. فعدد جنودها الذي كان 1800 قبل أحداث 11 سبتمبر أصبح ما يُقارب الخمسة والعشرين ألفاً، ويزداد أو يقل وفق المهمة الموكلة إليه. كذلك تحظى هذه القيادة بقسم استخبارات، طيارات استطلاع، طيارات بلا طيار، وأقمار اصطناعية، فضلاً عن محاربين عبر الإنترنت أقفلوا في 11 سبتمبر عام 2008 مواقع المجاهدين الإلكترونية كافة.

تمتاز هذه الوحدة بغموضها. فعندما يعمل المسؤولون فيها في وكالات حكومية مدنية أو في سفارات أميركية في الخارج (وهذا أمر معتاد)، يتخلون عن الزي الرسمي، بخلاف القادة العسكريين الآخرين. وفي القتال، لا يحملون ما قد يدل على رتبتهم أو اسمهم. ويختبئون غالباً وراء مجموعة من الألقاب، مثل جيش شمال فرجينيا السري، القوة الضاربة الخضراء، القوة الضاربة 11، القوة الضاربة 121. كذلك لا يدلون بتصريحات علنية، ولا يملكون موقعاً غير سري على  الإنترنت.  ورغم سريتها، لا يُسمح لقيادة العمليات الخاصة المشتركة بتنفيذ عمليات سرية، بخلاف وكالة الاستخبارات المركزية. فالعمليات السرية، التي يبقى فيها دور الولايات المتحدة مخفياً، تتطلب موافقة الرئيس وإخطار الكونغرس. لكن مسؤولين كثراً في مجال الأمن القومي يذكرون أن عمليات هذه القيادة شبيهة بما تقوم به وكالة الاستخبارات المركزية، ما يعني أنها عمليات سرية. تتلقى هذه الوحدة أوامرها من الرئيس أو وزير الدفاع مباشرة. كذلك، تتولى إدارتها والإشراف عليها سلسلة قيادة تقتصر على المسؤولين العسكريين.

نشاطات تقليدية

خلال عهد الرئيس جورج بوش الابن، قلما حصل الكونغرس مسبقاً (وأحياناً لاحقاً) على معلومات عن عمليات قيادة العمليات الخاصة المشتركة لأن محامو الحكومة اعتبروها «نشاطات عسكرية تقليدية: ولا تتطلب أي إخطار. وتبنى الرئيس باراك أوباما وجهة النظر القانونية ذاتها، غير أنه أصرّ على تقديم تقارير عن عمليات القيادة الحساسة إلى زعماء محددين في الكونغرس.

كان هدف عملية مخلب النسر، أول عملية نفذتها قيادة العمليات الخاصة المشتركة عام 1980، انقاذ دبلوماسيين احتجزهم طلاب إيرانيون في السفارة الأميركية في طهران. إلا أنها انتهت بتحطم طائرة مروحية في الصحراء ومقتل ثمانية من طاقمها. فضلاً عن ذلك، أثارت السرية التامة التي أحاطت بهذه الوحدة ريبة القادة العسكريين التقليديين. لذلك، قلما طُلب منها المشاركة في الصراعات.

انزعج دونالد رامسفيلد من تباطؤ الجيش وقدرة وكالة الاستخبارات المركزية على الدخول أولاً إلى أفغانستان. لذلك، بث روحاً جديدة في هذه المنظمة. يشمل محور قيادة العمليات الخاصة المشتركة وحدة دلتا التابعة للجيش، فريق البحر والجو والبر 6 التابع للقوات البحرية، سرية العمليات التكتيكية الخاصة الرابعة والعشرين التابعة لسلاح الجو، وفوج العمليات الخاصة الجوية الـ160 وفوج الجوالة الـ75 التابعين للجيش.

تجلت قدرات قيادة العمليات الخاصة المشتركة الفتاكة خلال المعركة الجبلية في تورا بورا في ديسمبر عام 2001. فصحيح أن بن لادن وكثيراً من أتباعه تمكنوا من الهرب في النهاية عبر الحدود مع باكستان، إلا أن كتاباً تاريخياً عن الجيش يشير إلى أن هذه القيادة تمكنت في ليلتي 13 و14 ديسمبر من قتل عدد لا يُحصى من الأعداد، حتى إن «جثث مقاتلي القاعدة نُقلت من أرض المعركة في اليوم التالي بالشاحنات. لكن هذه القيادة اقترفت الأخطاء أيضاً. ففي الأول من يوليو عام 2002، حدث ما وصفته شركة راند بـ{أخطر خطأ ارتُكب طوال الحرب». فقد تعرض فريق استطلاع تابع لقيادة العمليات الخاصة المشتركة كان يُلاحق أعضاء طالبان لهجوم. فقصفت سفينة حربية من طراز AC-130 ستة مواقع في قرية كاكاراك. وتراوحت حصيلة القتلى من المدنيين بين 48 شخصاً والمئات. وأقنعت «حادثة حفلة الزفاف هذه» (كما صارت تُعرف بما أن حفلة زفاف كانت بين الأهداف التي قُصفت خطأ) أفغاناً كثراً أن القوات الأميركية تستخف بحياة المدنيين.

رغم ذلك، وقّع رامسفيلد في 16 سبتمبر 2003 قراراً تنفيذياً تحوّلت بموجبه قيادة العمليات الخاصة المشتركة إلى محور عالم مكافحة الإرهاب. حددت هذه القيادة 15 بلداً والنشاطات المسموحة في ظل سيناريوهات مختلفة، ثم حصلت على الموافقة الضرورية لتنفيذها. فكان باستطاعة قيادة العمليات الخاصة الأميركية تنفيذ عمليات قتل ضد تنظيم القاعدة في العراق وأفغانستان من دون الحاجة إلى موافقة إضافية. ولكن في البلدان الأخرى، مثل الجزائر وإيران وماليزيا ومالي ونيجيريا وباكستان والفلبين والصومال وسورية، فقد احتاجت هذه القوات إلى موافقة ضمنية من البلد المعني أو إذن من قيادات عليا أميركية. في الفلبين مثلاً، سُمح للقيادة بتنفيذ عمليات نفسية بغية إرباك عملاء القاعدة أو إيقاعهم في الفخ، لكنها لم تستطع تنفيذ عمليات قتل قبل الحصول على موافقة البيت الأبيض. أما في الصومال، فاحتاجت إلى إذن وزير الدفاع بغية مهاجمة الأهداف، فيما اضطرت إلى الحصول على إذن رئاسي لعمليات مماثلة في باكستان وسورية.

في خريف عام 2003، حظيت قيادة العمليات الخاصة المشتركة بقائد جديد حوّل هذه المنظمة إلى أكثر الأسلحة فاعلية في ترسانة مكافحة الإرهاب الأميركية. فقد تبيّن للجنرال ستانلي ماكريستال، الذي احتل منصب نائب مدير العمليات في هيئة الأركان المشتركة، أن كبار المسؤولين في الحكومة يترددون  في اتخاذ القرارات. فلم يشأ أحد أن يتحمل مسؤولية الإخفاق. علاوة على ذلك، صارت الاجتماعات كبيرة وطويلة نتيجة التشديد الجديد على تعاون الوكالات في ما بينها. كذلك، كان بإمكان أي منها عرقلة اتخاذ الخطوات اللازمة.

بيروقراطية

أدرك ماكريستال ضرورة «التفلّت» من البيروقراطية الخانقة في واشنطن، حسبما أخبر أعوانه. لذلك، نقل مقره إلى قاعدة البلد الجوية في شمال شرق بغداد على بعد نحو 72 كيلومتراً. هناك، عمل داخل حظيرة طائرات اسمنتية، منظماً ثلاثة مراكز قيادة متصلة: الأول لمحاربة أتباع القاعدة في العراق، الثاني لمواجهة المتطرفين في البلد، والثالث لنفسه كي يتمكن من الإشراف على العمليات كافة. وأقنع ماكريستال أجهزة الاستخبارات الأخرى على التعاون معه، فارتفع عدد عملاء وكالة الاستخبارات المركزية إلى مئة، أما عملاء مكتب التحقيقات الفدرالي ووكالة الأمن القومي فإلى ثمانين. ونجح ماكريستال في كسب ولائهم بكشفه تفاصيل عمليته للمعنيين. فقد اعتاد القول: «كلما ازداد عدد من يطلعون على مشكلتك، حققت نجاحاً في حلها».

أنشأ ماكريستال قاعدة إلكترونية تتيح للجنود نشر الوثائق، الدردشة، والاطلاع على أي معلومات متوافرة بشأن هدف ما، ومتابعة رسائل يتبادلها القادة أثناء تنفيذ العمليات. بعد ذلك، سمح لمنافسي قيادة العمليات الخاصة المشتركة، مثل وكالة الاستخبارات المركزية ووكالة الأمن القومي ومكتب التحقيقات الفدرالي وغيرها، بالاطلاع على هذه القاعدة الإلكترونية. كذلك، بدأ يوزع أبرز جنوده على وكالات الأمن القومي في واشنطن. وهكذا، نشر 75 مسؤولاً في وكالات واشنطن ومئة آخرين حول العالم. وكان هؤلاء القادة يتبدّلون دورياً كل أربعة أشهر.

اعتقد البعض أن مسؤولي الارتباط هؤلاء جواسيس لمنظمة بالغة الأهمية. إلا أن هذه الشكوك لم تردع قيادة العمليات الخاصة المشتركة أو ماكريستال {الجبار}، ويخبر البعض أن الأخير يكتفي بوجبة ويركض نحو 16 كيلومتراً يومياً. وتبدو هذه الأخبار صحيحة نظراً إلى وجهه الصارم، عينيه الحادتين، وقامته النحيلة. وتلخّص لافتة داخل قاعدة البلد نمط الحياة فيها. فقد كُتب عليها: «17 5 2»، أي 17 ساعة عمل، خمس ساعات نوم، وساعتان للأكل وممارسة الرياضة.

تنسجم مبادئ ماكريستال الأسطورية في العمل مع تواضعه وحماسته الإسكتلندية- الأيرلندية. فيعتبر الخروج برفقة الجنود لتناول المشروبات خطوة مهمة لتوطيد العلاقة معهم. كذلك، طلب من الجميع مناداته باسم الأول. وبدا أنه يثق بالآخرين بسهولة. وقد أدت صفته الأخيرة هذه إلى خسارته منصبه عام 2010، بعدما عُيّن قائداً للقوات في أفغانستان. فقد أدلى هو وبعض المحيطين به بتعليقات غير ملائمة عن القادة المدنيين بحضور مراسل مجلة Rolling Stone. فقدّم ماكريستال استقالته، التي قبلها أوباما. خدم اعتماد عملية «زيادة عدد الجنود» في العراق على التكنولوجيا الحديثة قيادة العمليات الخاصة المشتركة وشركاءها البارعين في هذا المجال، خصوصاً وكالة الأمن القومي. فقد أتقنت  الأخيرة تحديد الإشارات الإلكترونية كافة في العراق. وعن العمليات السرية، يقول أحد المسؤولين في القيادة، طالباً عدم ذكر اسمه: «أمضينا يوماً ميدانياً».

دُعي أحد الابتكارات «عصا التحديد الإلكترونية» (Electronic Divining Rod)، وهي عبارة عن جهاز استشعار يرتديه الجند غايته تحديد مكان هاتف خلوي معين. فيرتفع صوته، فيما يقترب الجندي الحامل «العصا» من الشخص الذي يملك الهاتف المستهدف.

يؤكد مسؤولو قيادة العمليات الخاصة المشتركة أن قتل العدو مهمة سهلة، إلا أن العثور عليه يبقى الأصعب. لكن بفضل روي أبسيلوف، مدير المركز الوطني لاستغلال وسائل الإعلام، وكالة حكومية أميركية تعنى بتحليل مستندات يُصادرها الجيش والمجتمع الاستخباراتي، شهدت قدرة قيادة العمليات المركزية المشتركة تحسناً كبيراً. فقد عرض أبسيلوف على ماكريستال إعارته فريقه الصغير (مقره في فيرفاكس بفرجينيا) لتفحص الوثائق التي صادرها الجنود خلال الغارات. أنزل فريق أبسيلوف محتويات أجهزة اليو إس بي والهواتف الخلوية والكمبيوترات المقفلة أو المتضررة للحصول على الأسماء وأرقام الهاتف والرسائل والصور. ثم حلل الفريق هذه البيانات وخزنها، محدثاً روابط عدة بينها وبين معلومات أخرى قد تساعد المحللين في العثور على شبكة من المجرمين، لا مجرم واحد.

كان التحدي الأبرز العثور على «الدرر» وسط القمامة في الوقت المناسب لاستخدامها. وجاء الحل في زيادة عرض الحزمة، الخط الإلكتروني الذي ينقل معلومات، مثل البريد الإلكتروني والاتصالات الهاتفية، حول العالم. ومن حسن حظ الجيش وقيادة العمليات الخاصة المشتركة أن اعتداءات عام 2011 تزامنت مع حدث آخر، ألا وهو أزمة الإنترنت. لذلك، صار كم هائل من قدرات الأقمار الاصطناعية التجارية مطروحاً في الأسواق. فاشترى الجيش الجزء الأكبر منه.

بعد تولي ماكريستال القيادة بسنة، نجحت القيادة في ربط 65 محطة حول العالم كي تتيح للمشاهدين المشاركة مرتين يومياً في الاجتماع عن بعد الذي يعقده ماكريستال لمدة 45 دقيقة. وبحلول عام 2006، تمكنت هذه القيادة في زيادة قدرتها على نقل المعلومات بنحو 100 مرة خلال ثلاث سنوات، وفق عدد من كبار المسؤولين.

أما التحدي الآخر الذي واجهته قيادة العمليات الخاصة المشتركة فكان بشرياً. فلم يحظَ المحققون بالتدريب المناسب. وما كانوا يملكون معلومات كافية عن المعتقلين. لذلك، لم يعرفوا طريقة الاستجواب المناسبة أو الأسئلة التي يجب عليهم طرحها. والأسوأ من ذلك أن بعض أعضاء القوة الضاربة 121 التابعة لقيادة العمليات الخاصة المشتركة لجأ إلى ضرب السجناء.

وقبل بدء تداول صور سجن أبو غريب عام 2004، حذّر تقرير سري من أن بعض محققي هذه القيادة يعتدي على السجناء ويسجنهم في منشآت سرية. كذلك، عمدوا إلى اعتقال أمهات وزوجات وبنات، حين لم يعثروا على الرجال الذين يبحثون عنهم في المنزل. ونبّه هذا التقرير لأن عمليات الاعتقال هذه وغيرها من مداهمات شاملة تعرقل مساعي الأميركيين إلى الفوز بالدعم الأميركي. علاوة على ذلك، كشف تحقيق آخر شمل منشآت الاعتقال التابعة لقيادة العمليات الخاصة المشتركة في العراق خلال فترة أربعة أشهر عام 2004 أن المحققين لم يقدموا لبعض المساجين سوى الخبز والماء طوال فترات متفاوتة وصلت في إحدى الحالات إلى 17 يوماً. واحتُجز سجناء آخرون في زنزانات شديدة الاكتظاظ، حتى إنهم لم يتمكنوا من الوقوف أو التمدد، فيما راح محتجزوهم يشغلون موسيقى عالية لمنعهم من النوم. فضلاً عن ذلك، عُري البعض ورُشَّ بالماء البارد ثم استُجوب في غرف مكيفة أو خارجاً في البرد القارص. لذلك، تعرض 34 جندياً من القوة الضاربة للتأديب في خمس حالات خلال  سنة بدءاً من عام 2003.

أمر ماكريستال رئيس مخابراته مايكل فلين باتباع نظام استجواب محترف. وبحلول صيف عام 2005، أقيمت غرف الاستجواب التابعة لقيادة العمليات الخاصة المشتركة في قاعدة بلد بجوار جناح الغرف الكبير حيث كان الخبراء يحللون أجهزة «اليو إس بي» والكومبيوتر والهواتف الخلوية والوثائق لاستخدامها في التحقيقات. كذلك أزيلت أوراق الخرائط عن الجدران واستُبدلت بشاشات مسطحة وخرائط إلكترونية. وقد سُمح للمعتقلين الذين تعاونوا مع المحققين باستخدام فأرة للتحليق فوق أحيائهم على شاشة الكمبيوتر وتحديد الأهداف المحتملة.

استجوابات

اضطرت قيادة العمليات الخاصة المشتركة إلى تضمين كتيبة توجيهات الجيش عدداً من القواعد الخاصة باستجواب المعتقلين. ولكن سُمح لمحققيها (ما زال هذا الوضع قائماً) بإبقاء المعتقلين مفصولين عن غيرهم من السجناء في سجن خاص (بعد الحصول على موافقة ضرورية من مسؤوليهم وفي بعض الحالات من محامي وزارة الدفاع) طوال 90 يوماً قبل نقلهم إلى سجن عسكري عادي.

شمل نظام الاستجواب الجديد فريقاً مؤلفاً من عدد من القضاة وأعضاء مكتب التحقيقات الفدرالي، مهمته جمع أدلة  لمحاكمة السجناء في محكمة جنائية مركزية عراقية في بغداد. وبين مطلع عام 2005 ومطلع عام 2007، ساهم هذا الفريق في محاكمة أكثر من ألفي سجين، وفق مسؤولين عسكريين بارزين.

حاول تنظيم القاعدة تحويل غزو الولايات المتحدة العراق إلى دعوة للقتال وجهها إلى أنصاره والإرهابيين في مختلف أنحاء الشرق الأوسط. فتدفقوا إلى العراق من تونس وليبيا ومصر والسعودية، حتى إن عددهم بلغ المئتين في الشهر خلال مرحلة الذروة. وبحلول عام 2005 كثرت في العراق شبكات شبه مستقلة تابعة للقاعدة.

عمد تنظيم القاعدة إلى تقسيم العراق إلى مقاطعات ووضع قائداً محلياً على رأس كل منها. وقسّم هؤلاء القادة مقاطعاتهم إلى مناطق وعينوا مسؤولاً عن كل منها، حسبما ذكر المسؤولون العسكريون. كذلك، عُيّن قادة مسؤولون عن المقاتلين الأجانب، الشؤون المالية، والاتصالات أيضاً. وبحلول ربيع عام 2006، اعتمدت قيادة العمليات الخاصة المشتركة على زيادة معدل نقل المعلومات والمراقبة المستمرة التي نفذتها طائرات بلا طيار لشن سلسلة غارات عُرفت بـ{عملية أركاديا».

جمعت القيادة خلال هذه العملية وحللت 662 ساعة من تسجيلات التُقطت على مدى 17 يوماً. فحصلت على 92 قرصاً مدمجاً وأكوام من المعلومات، ما أدى إلى جولة أخرى من الغارات على 14 موقعاً. وبنتيجتها، صادر الجنود أقراصاً صلبة، أجهزة «يو إس بي»، وقبو يحتوي على 704 أقراص، يحمل عدد منها نسخاً عن حملة تسويق واسعة لتنظيم القاعدة. كذلك، أدت عملية أركاديا في 7 يونيو عام 2006 إلى مقتل زعيم القاعدة في العراق أبو مصعب الزرقاوي، حين أدارت القيادة  ضربة جوية أودت بحياته.

تجلت فاعلية هذه القيادة من خلال إنجازاتها. ففي عام 2008، وجهت في أفغانستان وحدها، وفق المسؤولين، ضربات إلى 550 هدفاً وقتلت نحو ألف شخص. وفي عام 2009، نفذت 464 عملية وقتلت 400 إلى 500 عنصر من قوات العدو. وفيما كان العراق يغرق في الفوضى في صيف عام 2005، شنت قيادة العمليات الخاصة المشتركة 300 غارة شهرياً. وقد قُلِّد فيها نحو 50% من وحدة دلتا التابعة للجيش وسام القلب الأرجواني.

حلقات الحزن

ذكّرت الغارات الأعنف ماكريستال بوصف لورانس العرب لحلقات الحزن، أي التأثير النفسي الذي تخلفه حصيلة الوفيات الكبرى في نفوس مجموعة صغيرة من المقاتلين. ونظراً إلى افتتانه بقصة حياة لورانس، اعتبر قيادة العمليات الخاصة المشتركة قواته القبلية العصرية. فكان من الضروري الاعتماد على آخرين لأجل الدعم والبقاء. ولو اقتصر الانتصار في الحرب على قتل أكبر عدد ممكن من الأعداء لصدرت الكتب عن قيادة العمليات الخاصة المشتركة. لكن القضاء على عدد كافٍ من الأعداء ما عاد اليوم كافياً للفوز في الحروب العصرية. ومع أن الأسلحة باتت موجهة اليوم إلى إصابة الهدف بدقة، تقع أحياناً حوادث تشكل عقبات سياسية كبيرة.

تحوّلت كل غارة نفذتها قيادة العمليات الخاصة المشتركة وقتلت مدنيين أو أصابتهم أو دمرت منزلاً  إلى مصدر للحزن كانت له تداعيات سلبية ما زالت بارزة حتى اليوم. ويذكر قائدان كبيران أن نجاح القيادة في استهدافاتها  لا يتعدى الخمسين في المئة، علماً أنهما اعتبرا هذا المعدل ممتاز. ذكر ماكريستال: «نقول: يجب أن نقتل هذا الرجل، لكن تترتب على خطوتنا الخطيرة هذه تداعيات سلبية. فيُضطرون (قوات الجيش النظامي التي تحتل القسم الأكبر من البلد) إلى التعامل مع الفوضى الناشئة».

في عام 2008، أرسل بوش هذه القوات إلى باكستان لفترة وجيزة. وبغية طمأنة السفيرة الأميركية آن باترسون بشأن تنامي حصيلة الوفيات الناجمة عن غارات قيادة العمليات الخاصة المشتركة في بلدان أخرى، أحضر لها الجنود شاشة خاصة بطائرة «بريداتور» لمشاهدة الغارة أثناء حدوثها. لكن نتيجة التنديد الشعبي بهذه العمليات، ألغى المسؤولون الأميركيون المهمة عقب ثلاث غارات فحسب، فيما واصلت وكالة الاستخبارات المركزية الغارات التي تشنها بواسطة طيارات بدون طيار.

بالإضافة إلى ذلك، منحت وزارة الدفاع الأميركية قيادة العمليات الخاصة المشتركة دوراً كبيراً في المهام غير العسكرية، مثل تتبع انتقال الأموال من المصارف الدولية إلى الشبكات المالية الإرهابية. كذلك، اضطلعت القيادة بدور فاعل في «العمليات النفسية»، التي بدّلت اسمها إلى «عمليات جمع المعلومات} لتخفيف من وطأة الاسم. كذلك، اعتادت أن ترسل دورياً فرقاً صغيرة بملابس مدنية إلى السفارات الأميركية لمساعدتها في ما تدعوه حملاتها الإعلامية والإعلانية.

عندما تبوأ أوباما سدة الرئاسة، حاول التقرب من هذه المنظمة. وليون بانيتا، مدير المخابرات آنذاك، له ابن يخدم معها بصفته أحد جنود الاحتياط التابعين للبحرية. وتبيّن في السنوات اللاحقة أن اعتماد أوباما على هذه القيادة فاق ما شهدناه خلال عهد سلفه. ففي عام 2010، نقل أوباما قوات قيادة العمليات الخاصة المشتركة إلى اليمن بهدف قتل زعماء القاعدة في شبه الجزيرة العربية.

الربيع العربي

أرغم الربيع العربي البيت الأبيض على تأخير بعض مهام قيادة العمليات الخاصة المشتركة. في هذه الأثناء، تصبَّ هذه المنظمة اهتمامها على مبنى المكاتب الجديد (مساحته 2788 متراً مربعاً تقريباً) الذي سيضم مركز قيادتها. وبخلاف المكاتب السابقة، لا يقع هذا المبنى في جزء غامض من العالم، بل في ضاحية هادئة مميزة على الجانب الآخر من الطريق السريع قبالة وزارة الدفاع الأميركية. ولا يبعد هذا المبنى سوى دقائق عن مكتب ماكريستال المدني وأفضل المطاعم التي يتردد عليها هذا الجنرال السابق.

وكما يوحي اسمها، قوات العمليات الخاصة المشتركة-منطقة العاصمة الوطنية، لن تصب هذه المنظمة اهتمامها على الشبكة الإرهابية التالية، بل على عدوها القديم: البيروقراطية في واشنطن. فيعمل في هذا المبنى نحو 50 محارباً تابعاً لقيادة العمليات الخاصة المشتركة قست المعارك قلوبهم، فضلاً عن مجموعة من عناصر أجهزة الاستخبارات الفدرالية ووكالات تطبيق القانون.

وتحتل المكسيك قمة لائحة البلدان التي تود هذه المنظمة تنفيذ عمليات فيها. لكن الحكومة المكسيكية، التي يحد دستورها من قدرتها على التعامل مع الجيش الأميركية، لا تزال تعتمد حتى اليوم على الوكالات الفدرالية الأخرى، مثل وكالة الاستخبارات المركزية ووزارة الأمن القومي ودائرة مكافحة المخدرات ودائرة الهجرة والجمارك، بغية جمع المعلومات وغيرها من مهام.

لكن هذه المنظمة لا تجلس مكتوفة اليدين، فيما تنتظر الفرصة لمساعدة جارتها الجنوبية. فهي تعمل على إعداد رزم أهداف للوكالات المحلية الأميركية التي طلبت الحكومة المكسيكية مساعدتها، بما فيها دائرة الهجرة والجمارك الأميركية، علماً أن الأخيرة تُعتبر ثاني أكبر وكالة فدرالية لتطبيق القانون. وقد ساهمت أخيراً في حرب الولايات المتحدة ضد الإرهاب.

back to top