رئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بجزر المالديف د. محمد رشيد: المالديف دولة إسلامية كاملة وشعبها مسلم حتى النخاع
«دخلنا القومي قائم على السياحة لكننا نطبقها بمنظورنا الإسلامي الخالص»كثير من المسلمين في العالم العربي والإسلامي لا يعرف شيئاً عن جزر المالديف سوى أنها مكان سياحي جميل، لكن في الحقيقة هذه الدولة الصغيرة التي هي عبارة عن 1200 جزيرة تعد من الدول الإسلامية الخالصة فسكانها يزيدون على 300 ألف نسمة كلهم من المسلمين.
وفي حوار «الجريدة» مع رئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بجزر المالديف د.محمد رشيد أثناء زيارته الأخيرة الى القاهرة، حاولنا التعرف أكثر الى سكان المالديف المسلمين، وكيف يعيشون ويطبقون دينهم الإسلامي في حياتهم، وكيف يتعاملون إسلامياً مع السياحة في بلادهم التي تمثل أحد مصادر الدخل القومي الأساسية، وبما استطاعوا مواجهة الأمية، وكيف استطاعوا تعريب اللسان المالديفي وغير ذلك من القضايا المتعلقة بأحوال المسلمين في جزر المالديف التي نرصدها في تفاصيل هذا الحوار. • في البداية نريد أن نتعرف منكم الى أحوال المسلمين في جمهورية المالديف؟- جزر المالديف مكونة من 1200 جزيرة، وسكانها يقطنون أكثر من 200 جزيرة، وهم حوالي 300 ألف نسمة، والمورد الاقتصادي لجمهورية المالديف هو الثروة السمكية، والسياحة فهناك 87 جزيرة مالديفية مخصصة للسياحة. وقد دخل الإسلام المالديف في عام 548 هجرية، على يد أحد الدعاة المغاربة، وهو الشيخ الحافظ يوسف أبو البركات البربري، ومن يومها وهي مسلمة 100 في المئة، والحمد لله، وكانت المالديف سلطنة طوال 800 عام، ثم تحولت إلى جمهورية في عام 1968، ومن يومها وهي جمهورية برلمانية، والمذهب السائد في المالديف هو المذهب الشافعي، ولم تكن هناك أحزاب في السابق، وسمح بالقيام بالأحزاب منذ سنوات قليلة، ويوجد الآن لدينا أربعة أحزاب رئيسية.• قلت إن السياحة أحد الموارد الاقتصادية الأساسية فهل يلتزم السياح بمراعاة مشاعر المسلمين؟- المعروف أن المالديف كما قلت تضم 1200 جزيرة صغيرة تقع جميعها في المحيط الهندي في غرب سريلانكا، وقد خصصنا 87 جزيرة منها للسياحة فقط فهذه الجزر خالية من السكان وتضم فنادق لتقديم خدماتها للسياح وبالرغم من ذلك فنحن نلزم السائح باحترام قوانين البلاد الإسلامية، فلا عُري ولا خروج على الآداب العامة وهناك فتوى رسمية يتم العمل بها في المالديف أيضاً فيما يخص السياح وبخاصة في شهر رمضان المبارك بعدم إباحة الفطر علناً في ساعات الصيام. دخلنا القومي قائم على السياحة، لكننا نطبقها بمنظورنا الإسلامي الخالص.• معنى ذلك أنكم تقومون بتطبيق الشريعة الإسلامية على مصادر دخلكم الاقتصادية؟- هذا ما يحدث بالفعل على أرض الواقع، فالشريعة الإسلامية مطبّقة في المالديف في جميع المجالات، خاصة في الأحوال الشخصية من زواج وطلاق ومواريث، وجميع الحدود مطبقة فيما عدا الرجم وقطع يد السارق، وجميع المحاكم في المالديف تُصدر أحكامها وفقًا للشريعة الإسلامية، كما تقوم المحكمة العليا في المالديف بدور إيجابي في مراقبة التطبيق الصحيح لأحكام الشرع الإسلامي في جميع المحاكم، وقد أُنشئت المحكمة العليا بالمالديف منذ الخامس من أكتوبر عام 1980، وتتولى مراجعة كل القوانين التي تصدر عن البرلمان المالديفي للتأكد من مطابقة هذه القوانين لأحكام الشريعة الإسلامية.• وماذا عن وزارة الأوقاف، وما يندرج تحتها خاصة المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالمالديف؟- وزارة الأوقاف في دولة المالديف هي بالأساس تمثل في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، وتقوم على شؤون الأئمة والخطباء وبناء المساجد، وتوعية وإعداد برامج مستمرة في الإذاعة والتلفزيون، ويعمل المجلس على تقديم الخدمات الثقافية والمعرفية عن الإسلام والمسلمين، ويلتزم في سبيل ذلك خطابا تنويريا معتدلا، كما نهدف إلى تحقيق التكامل المنشود مع رسالة المسجد، والتعريف بالإسلام لزوار المالديف من سائحين ومصطافين وأكاديميين، فواجبنا التعريف بحقائق الإسلام السمحة وليس تشويه محاسنه، إضافة الى إقامة دورات تنويرية للتعريف بالإسلام لغير المسلمين، وربط المسلمين في المالديف بدينهم وقرآنهم وتاريخهم. • كيف تعلمون أبناءكم معالم الدين الإسلامي، وبخاصة في الوسائل التعليمية المختلفة والمدارس؟- أسسنا تعليماً دينياً مميزاً في المالديف، ويقوم على نظامين أساسيين، هما النظام الإنكليزي، والنظام العربي الذي تقوم به بعثة أزهرية لتدريس اللغة العربية والعلوم الشرعية للطلاب، وفي جميع الجزر المكتظة بالسكان مدارس، وفي كل فصل دراسي مواد دراسية متخصصة في الصلاة والأحكام الدينية والشرعية، وتشرف عليها وزارة التربية والتعليم والمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية ليفهم الطلاب الدين الإسلامي، وعندما يتخرج الطالب من أحد النظامين يكون متفقها في الدين وفي الأحكام الضرورية، والاستفاضة في الأحكام التي تنظم من خلال المسابقات التعليمية والدينية، كما يوجد في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية مكاتب لتحفيظ وتعليم القرآن وجمعيات خيرية تقوم بهذه المهمة، فالتعليم الديني في المالديف على خير حال ونسعى لتطويره من وقت الى آخر قدر المستطاع.• ماذا عن نشر اللغة العربية، وتعريب اللسان المسلم في المالديف؟- لقد عرفت المالديف الإسلام منذ القرن الخامس الهجري، وتجاوب الشعب المالديفي مع دعوة الإسلام، حيث اعتنق الملك «ماهاكا لامنجا» الإسلام وأطلق على نفسه اسم» محمد بن عبدالله» وطلب من الدول الإسلامية قوافل لنشر الوعي الديني واللغة العربية بين سكان الجزر، واختلط الشعب المالديفي بالعرب والأفارقة، وقد انتشرت في المالديف لغات متعددة مثل لغة «الايلو» واللغة «السنهالية» واللغة «السنسكريتية» وقد تأثرت هذه اللغات باللغة العربية باعتبارها لغة القرآن الكريم، فنشأت لغة جديدة هي اللغة الديفيهية، وهي لغة التدريس في جميع المدارس، وتضم هذه اللغة مفردات عربية وفارسية وبعض كلمات من اللغات المتداولة في قارة آسيا، وقد سادت الكلمات العربية في اللغة الديفيهية حتى استخدمت الأبجدية العربية في تدوين هذه اللغة منذ عام 548 هجرية. وقد بدأت المالديف مسيرتها نحو التعريب منذ استقلالها في عام 1965، ودعمت الدول العربية مسيرة التعريب في المالديف، وذلك عن طريق تخصيص المنح الدراسية لأبناء المالديف لدراسة علوم الإسلام واللغة العربية بالجامعات الإسلامية، وأصبحت اللغة العربية لغة تخاطب يومي في المالديف بسبب التوسع في إنشاء المدارس الإسلامية والعربية في جميع الجزر وقبل ذلك كله الإقبال على حفظ وتلاوة القرآن الكريم حيث يدرّس القرآن الكريم وعلومه في جميع المدارس.• هل تقومون بترجمة الكتب الإسلامية والعربية إلى اللغة الديفيهية أم أنكم تكتفون بتعليم أبنائكم اللغة العربية وتركهم ليتعرفوا الى الثقافة الإسلامية بأنفسهم؟- منذ دخل الإسلام إلى المالديف وعدد المسلمين في تزايد مستمر، الأمر الذي دفعنا إلى ترجمة العديد من الكتب العربية والإسلامية التي تحتوي على مبادئ الدين الإسلامي الصحيح، والأفكار الإسلامية المستنيرة لأشهر العلماء والمفكرين المسلمين، ولدينا حركة ترجمة لا تتوقف، والمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالمالديف ينظم مسابقات سنوية لترجمة كتب الثقافة الإسلامية والعربية، وكذلك وزارة التربية والتعليم وكلية الدراسات الإسلامية لترجمة الكتب الحديثة، وخاصة كتب الأحكام الضرورية والكتب الفكرية والثقافية الحديثة، ونكافئ المترجمين بجوار معلمي اللغة العربية، ومن أشهر الكتب التي تمت ترجمتها بالفعل «رياض الصالحين» وجميع مؤلفات الشيخ محمد الغزالي.• وهل قمتم بإعداد ترجمة لمعاني القرآن الكريم باللغة الديفيهية؟- نعم وذلك لأن الشعب المالديفي من الشعوب المسلمة الخالصة في قارة آسيا، ويتحدث فعلاً باللغة العربية إلا أن نشر هذه اللغة ما زال في المهد، والشعب المالديفي في حاجة إلى أن يتفهم كل ما جاء في القرآن الكريم والسنّة النبوية الشريفة وكلها باللغة العربية، لذا فإن رئيس جمهورية المالديف السابق د. مأمون عبد القيوم كان قد شكّل لجنة تضم كبار علماء الإسلام الذين يجيدون التحدث باللغة العربية ويحفظون القرآن الكريم عن ظهر قلب، لإعداد أول ترجمة لمعاني القرآن الكريم باللغة الديفيهية لمساعدة المسلمين على فهم تعاليم وهدى الدين الإسلامي الحنيف، وقد تمت مراجعة هذه الترجمة، وطبعها وتوزيعها على المسلمين في كل أنحاء جزر المالديف، بحيث يتوافر لكل مسلم نسخة من المصحف الشريف ونسخة من الترجمة الصحيحة لمعاني القرآن الكريم باللغة الديفيهية.• هل توجد في المالديف جامعة إسلامية؟- لقد تأسس في المالديف منذ عام 1980 ميلادية معهد الدراسات الإسلامية لتخريج الدعاة والمعلمين للعمل بالمساجد والمدارس، وتدريس علوم الإسلام واللغة العربية وتحفيظ القرآن الكريم وتفسيره، وتيسير فهم الفقه الإسلامي والشريعة الإسلامية، ونحن نسعى الى تحويل هذا المعهد إلى جامعة إسلامية في منطقة المحيط الهندي وندعو الدول العربية والإسلامية الى ضرورة المساهمة في دعم هذا المشروع وإيفاد الأساتذة للعمل بهذه الجامعة الإسلامية.• رغم أن الشعب المالديفي مسلم بالكامل، فإننا سمعنا أنه يعاني الأمية، فهل هذا صحيح وما الجهود المبذولة للقضاء على هذه المشكلة؟- كان هذا الأمر موجوداً بالفعل في الماضي القريب، وقد تغلبنا بفضل الله تعالى على آفة الأمية، حيث أسست حكومة المالديف مدارس في كل الجزر، وكل جزيرة الآن فيها أكثر من مدرسة، وقد تمت محاصرة الأمية بحفظ القرآن الكريم ونشر التعليم، وأؤكد لكم أن نسبة 2.5 في المئة فقط من إجمالي السكان، وعددهم 300 ألف نسمة هم الذين يعانون الأمية، وقد نجحنا بتوفيق من الله تعالى في محو أمية أكثر من 97 في المئة من إجمالي عدد سكان المالديف وخلال السنوات القليلة المقبلة سوف نقضي على الأمية نهائيًا في جميع جزر المالديف.