Ides of March... مرآة جورج كلوني المهنيَّة والسياسيَّة

نشر في 28-10-2011 | 00:01
آخر تحديث 28-10-2011 | 00:01
بينما كان سهم «داو جونز التجاري» في الولايات المتّحدة يهبط، ظهر الرئيس الأميركي باراك أوباما على الهواء لتهدئة البلاد والأسواق. في داخل مكاتب شركة Smoke House الإنتاجية التي يملكها جورج كلوني والتي تقع في حي استوديو سيتي، كان هذا النجم متسمّراً أمام شاشة التلفزيون لمشاهدة السيناتور الكاريزماتي الذي كان قد أيّده في انتخابات عام 2008. لكن في صباح ذلك اليوم من شهر أغسطس (آب)، بدا أوباما دفاعياً ومخنوقاً بعض الشيء.

يبدو أن الحياة في البيت الأبيض بدأت ترخي بثقلها على جورج كلوني الذي قال وكأنه يشجّع ولداً يشارك في دوري أبطال الصغار ويعاني الأمرّين على أرض الملعب ويوشك على الخسارة: «أعتقد أن الضربات لا تنفكّ تُوجَّه إليه. عليه أن يلاحق شركة ستاندرز أند بورز ويطلب منها تخفيض الائتمان».

كثيرون هم الممثّلون الذين سجّلوا مواقف سياسية وأبدوا آراء في قضايا معيّنة، بغض النظر عما إذا كانت إيجابية أو سلبيّة، إنما قليلون هم الذين أبدوا اهتماماً والتزاماً مستمرّاً وملمّاً – أمام الشاشة وخلفها- كما كان يفعل كلوني.

في فيلمه الجديد المعنون The Ides Of March، يؤدي كلوني دور مرشّح رئاسي ليبرالي التوجّه. وكانت لكلوني مشاركات متنوّعة في صناعة الأفلام. فقد تولّى مهمة إخراج فيلم Good Night, and Good Luckالذي يتناول قصة صحافي قويّ يخوض حرباً شعواء ضد المكارثية، كذلك تولّى مهمّة مخرج منفّذ لمسلسل K Street من إنتاج شركة HBO الذي يلقي الضوء على نفوذ مجموعات الضغط. كانت لكلوني أيضاً مشاركات من نوع آخر سياسية الطابع، إذ إنه ساهم في الحملة النيابيّة التي قادها والده في عام 2004 في ولاية كينتاكي والتي انتهى بها الأمر بخسارة والده في الانتخابات.

سافر الممثّل البالغ 50 عاماً إلى هونغ كونغ للترويج لمشروعه «مشروع القمر الصناعي الحارس» الرامي إلى الدفاع عن حقوق الإنسان في السودان، خلال مؤتمر استثماري عالمي. وقد تحدّث كلوني عن دارفور أمام الأمم المتحدة وشارك في تأسيس منظّمة تعنى بتقديم المساعدات أُطلق عليها اسم Not on Our Watch.

وكان قد طُلب من كلوني مرّات عدة الترشّح للانتخابات الرئاسية. لكن على رغم فهمه العميق للخطاب السياسي ولتكتيكات اللعبة السياسية (وربما بسبب هذه المعرفة)، يقول كلوني إنه يفضّل أن يؤدي دور مرشّح للانتخابات الرئاسية على أن يكون مرشّحاً حقيقياً. في هذا الإطار، قال كلوني: «لا أستيقظ كل صباح وأقول في قرارة نفسي يا ليتني كنت مكان الرئيس أوباما».

وأضاف: «كلّ عامين، يحاول أحدهم أن يشجّعني على خوض غمار الحياة السياسية وأن يحثّني على الترشّح لمنصب حاكم ولاية. لكني لا أريد الانخراط في الشأن السياسي. فأنا لا أهتمّ بالسياسة لأنها تتطلّب من المرء القيام بتنازلات كثيرة. أما في حياتي الطبيعيّة، فلا أجدني مضطراً الى القيام بهذا النوع من التنازلات عندما أذهب إلى السودان أو إلى دارفور. فأنا أستطيع العودة من رحلتي والجلوس أمام مجلس الأمن في الأمم المتحدة والقول: لا أعرف كيف ستتعاملون مع حقائق الأمور، إلا أنّ ما أعرفه أن هذا الأمر صحيح في حين ذاك خاطئ».

مع ذلك، يقدِّم فيلم The Ides Of Marchالمقتبس من مسرحية Farragut North التي كتبها بو ويليمون والتي عُرضت على مسرح برودواي، فرصة مؤاتية لكلوني خصوصاً لإبراز قدراته المهنيّة والتعبير عن آرائه السياسية.

فمن جهة، هذا الفيلم السياسي المشوّق بمثابة وسيلة لكلوني (الذي أخرج الفيلم وشارك في كتابته) ولشريكه القديم في الكتابة والإنتاج غرانت هيسلوف للتعبير عن رؤيتهما للطريقة التي يمشي ويتحدّث فيها المرشّح الديمقراطي. من جهة أخرى، يسلِّط الفيلم الضوء على التضحيات التي تفرضها السياسة على المرء وعلى الخيانة التي تعرفها الدوائر السياسية والتنازلات التي يضطر السياسيون الى القيام بها. وقد يفاجئ منحى الفيلم التشاؤمي البعض لأنه من صناعة كلوني المشهور بميوله الليبرالية المتفائلة.

الحاكم

يؤدي كلوني في الفيلم شخصيّة الحاكم ماك موريس، مرشَّح الحزب الديمقراطي الذي يقدِّم برنامجاً ميالاً إلى اليسار على نحو لا يقبل المساومة لدرجة أنه يتصدّر عناوين نشرات أخبار قناة «فوكس نيوز». في هذا البرنامج، يعرب موريس عن رفضه تنفيذ حكم الإعدام، والتدخّل العسكري الأجنبي، واستعمال محرّكات الاحتراق في داخل الولايات المتحدة. ويعلن فيه في المقابل عن تأييده زواج المثليين، وجعل الخدمة العسكرية الطوعية إلزامية، ورفع الضرائب المفروضة على الطبقة الغنيّة.

وفي خضمّ الانتخابات التمهيديّة الحرجة في ولاية أوهيو، سعى فريق العمل المنظّم لحملة الحاكم موريس الذي ترأسّه بول زارا ( فيليب سيمور هوفمان) وزميله ستيفن مييرز (رايان غوسلينغ) إلى التصدّي للتكتيكات الشرسة التي تبنّاها توم دافي (بول جياماتي) الذي تولّى مهمّة تنظيم حملة الخصم الشرس السيناتور بولمان.

لكن، يتورّط ستيفن في علاقة غرامية مع المتدرّبة المثيرة والمتنفّذة مولي ستيزنز (إيفان رايتشيل وود) ويكتشف سرّاً خبأه الحاكم موريس. والحالة هذه، يجد ستيفن نفسه مجبراً على اتخاذ قرار حاسم بشأن ولائه وطموحه والأهم من ذلك كلّه بشأن مبادئه.

في الواقع، لا يدلّ عنوان الفيلم The Ides Of March (الخامس عشر من مارس بحسب التقويم الروماني) على التاريخ الذي جرت فيه انتخابات أوهايو التمهيدية فحسب، إنما يستحضر إلى الذاكرة أيضاً مسرحية «يوليوس قيصر» لشكسبير وتحديداً التاريخ الذي انضمّ فيه ماركوس بروتوس، صديق قيصر ومستشاره، إلى مجموعة متآمرين كانوا يخطّطون لاغتيال الزعيم الروماني.

في هذا السياق، قال هيسلوف: «يتحدَّث الفيلم عن شخصية كانت تتمسّك بقناعاتها بقوة، إلا أنه سرعان ما انتهى الأمر بها ببيعها ضميرها». أما كلوني فأضاف: «أجل، لقد سرقنا الفكرة من شكسبير. يعرض الفيلم مفاهيم تقليديّة للخيانة، خيانة الصديق، خيانة العدو...».

كان كلوني وهيسلوف ينويان إصدار الفيلم خلال فترة الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة، إلا أنّهما أجّلا المشروع لأنه كان «ساخراً» للغاية ومتعارضاً مع جوّ الحماسة الذي كان سائداً آنذاك في الشارع الأميركي.

لكن مع طرح موضوع الرعاية الصحّية على طاولة البحث ومع تزايد اهتمام وسائل الإعلام بهذا الموضوع الذي وحّد صفوف الأميركيين وأزال الانقسام الثنائي القطب في المجتمع الأميركي بين الجمهوريين من جهة والديمقراطيين من جهة أخرى، وجد كلوني وهيسلوف أن توقيت إصدر The Ides Of March مناسب بعض الشيء.

يسرد الفيلم روايات ومعلومات تشفي غليل كلّ محبّي السياسة استُقي معظمها من مسابقات رئاسية حديثة العهد.

في مرحلة من مراحل الفيلم، يعمد الخبراء بالسياسة الأميركية اليمينية الى تشجيع الجمهوريين على دعم بولمان، خصم المرشّح الديمقراطي موريس في الانتخابات التمهيديّة، لأنه خصم يسهل هزمه في الانتخابات العامّة. (كان روش ليمبوغ قد دعا إلى القيام بالأمر عينه خلال الانتخابات التمهيدية في عام 2008، وقد شجّع مستمعيه على دعم السيناتور هيلاري رودهام كلينتون في إطار عملية سمّاها بـ{فوضى العملية»).

يعتقد كلوني وهيسلوف بأن الديمقراطيين سيقدّرون النصف الأول من The Ides Of March الذي يصوّر مرشّحاً يستطيع الناس الوثوق به، في حين يعتقدان بأن النصف الثاني من الفيلم سيروق للجمهوريين لأنه يبيِّن أن هذا المرشّح الذي وثق فيه الديمقراطيون ليس سوى نصّاب مثله مثل أي يساريّ آخر.

لو أن الديمقراطيين الحقيقيين تأثّروا بشخصية مايك موريس وبخطاباته السياسية، لما كان كلوني مستاءً من واقع الحال. وبما يتعلّق بالتغيّر المناخي والنفط، يقترح السيناتور، على سبيل المثال، حظر استعمال محرّكات الاحتراق داخل الولايات المتحدة.

ولفت كلوني: «في حال نفدنا من النفط، سنجد طريقة لتزويد سياراتنا بالطاقة. اقترح هذه الفكرة وأعمل على تطبيقها فهي ليست فكرة سخيفة وتحقيقها ممكن. هذا هو نوع الأمور القيادية التي أحبّ رؤيتها تطبَّق على أرض الواقع وتناقش في المجتمع. قد يقول الناس إن ما يُعرض في الفيلم ما هو إلا كلام أفلام، لكني أؤمن من كل قلبي بكل كلمة واردة فيه».

وحين سئل كلوني عن موقف الشخصيّة التي يجسّدها من النظام الضريبي، زاد حماسة وحيوية. وأجاب وهو يعدّل وضعية جلوسه على الكرسي: «أعتقد بأنه على الديمقراطيين أن يستفيدوا من هذه النقطة. في كل مرّة يقول فيها الناس إن أغنياء الولايات المتحدة يدفعون ضرائب رمزية، كن أكيداً من أنهم يقولون الحقيقة. ومع ذلك، عندما تطلب منهم أن يدفعوا الضرائب بمساواة مع الآخرين، تجدهم يقولون لك إنك تتحدّث عن «الاشتراكية» أو عن «إعادة توزيع الثروة». وهذا الكلام يتكرّر مراراً. وعندما تسأل الديمقراطيين: هل أنتم مع إعادة توزيع الثروة؟، يجيبونك بالنفي لأنهم يعرفون أن إعادة توزيع الثروة أحد رموز الاشتراكية.

أعتبر أن هذا التفكير يجعل أداء الديمقراطيين سيّئاً. فهم دوماً في حالة من الدفاع والاستنفار والتأهّب. في الفيلم، تعارض حملة موريس وإدارته بشدّة توزيع الحكومة الثروة على الأميركيين الأثرياء. في الواقع، يرفض موريس لعب اللعبة التي طالما لعبها الديمقراطيون والتي تقوم على المماطلة والمراوغة وتدوير الزوايا. كم أودّ أن أذهب إلى الديمقراطيين وأسألهم بكل وضوح ما إذا كانوا مع توزيع الحكومة الثروة على الأميركيين الأثرياء؟ طالما فشل الديمقراطيون في أداء العمل السياسي بصورة شفافة ومباشرة. وأقول لهم: إنهضوا وتحرّكوا».

وأشار كلوني: «هذا هو نوع البراهين التي يستعرضها The Ides Of March. ونحاول تحقيق توازن في الفيلم بقولنا إن هذا الأمر لا يعني أن الرجل ضمن فوزه في الانتخابات».

أضاف كلوني أن بعض مواقف الشخصية التي يؤدّيها في الفيلم مستوحى من مواقف والده الصحافي نيك كلوني الذي اشتهر بأعماله الصحافية وبرز في عام 2004 عندما ترشّح للانتخابات النيابية عن ولاية كنتاكي وخسر في هذه المعركة السياسية المليئة بالإعلانات السلبية أمام المرشّح الجمهوري جيوف دايفيس. لم تستند عمليات الغشّ والصفقات السرّية المصوّرة في The Ides Of March إلى ما اختبره نيك كلوني خلال حملته الانتخابية فحسب، إنما استندت أيضاً إلى ما لاحظه جورج كلوني وهيسلوف خلال إنتاجهما مسلسل K Streetفي عام 2003 الصادر عن شركة HBO، وهو دراما واقعية تبيّن تدخّل مجموعات الضغط بواشنطن في حياة رجال السياسة.

وقال هيسلوف وكلوني إنه إذا أثار The Ides Of March استياء بعض رواد السينما، سيشعر كلاهما بالرضى والسعادة.

وختم كلوني: «لم نرد أن يكون فيلمنا هذا درساً في التربية المدنيّة إنما صنع فيلم يخيف الناس. فيلم لا يخيفهم سياسياً إنما يزيد وعيهم ويجعلهم يتساءلون عن مصيرهم في هذا البلد».

back to top