طائرة المستقبل... تعرّف إليها الآن!
في مساء 23 يوليو 1983، نفذ الوقود من طائرة الرحلة رقم 143 التابعة لخطوط الطيران الكندية من الوقود بسبب سلسلة أخطاء بشرية. فقد تحوّلت طائرة البوينغ 767 الجديدة، التي كانت تحمل على متنها 61 راكباً وطاقماً مؤلفاً من ثمانية أشخاص، إلى طائرة شراعية ترتفع عن الأرض 8686 متراً فقط وتحتاج الى اجتياز مسافة 120 كلم للوصول إلى أقرب مطار في مدينة وينيبيغ. وبعد مرور عشر دقائق، أصبح واضحاً أن الطائرة كانت تقترب من الأرض على نحو سريع وأنها ستتحطّم قبل أن تتمكّن من أن تحطّ على مدرج المطار.عمد الطيّارون إلى تغيير مسار الطائرة آملين بذلك في الوصول إلى قاعدة سلاح جوي سابقة تقع بالقرب من بلدة جيملي. إلا أنهم، بحسب الـ{إيكونومست»، لم يكونوا على دراية بأن مدرّجات القاعدة السابقة كانت قد حُوّلت إلى حلبة سباق مصلفة الحجارة. وحين رأت حشود الجماهير الطائرة تقترب على نحو صامت من بلدتهم ذُعروا وتفرّقوا خوفاً على حياتهم. وفيما كانت عجلات الطائرة تحطّ على حلبة السباق، تعطّل جهاز الهبوط الأمامي ما أسفر عن اصطدام مقدّمة الطائرة بالطريق الإسفلتية وتطاير شرارة النار منها. إلا أن احتكاكها بسياج كان يقسم الحلبة إلى قسمين، ساعد في تخفيف سرعتها ومن ثم توقّفها. ولحسن الحظ، لم تسفر الحادثة عن أيّة خسائر بشرية.
وفقاً لكارل هولدين، مدرّب قيادة الطائرات الشراعية الترفيهية ورئيس شركة Holden Dynamics الاستشارية التي تقع في سيدني والتي تقدّم استشارات لسلطة سلامة الطيران المدني الأسترالية، «لو كان الطيارون في العام 1983 يقودون طائرة ذات حركة هوائية أكبر، لاستطاعت طائرتهم الوصول بسهولة إلى مدرج مطار وينيبيغ}. ويضيف {أن الطائرات الحديثة تستطيع اليوم الطيران من دون محرّك لمسافة أكبر بـ25% وأن الأجيال المقبلة من الطائرات تَعدُ بتقديم ميزات إضافية}.ليست المسافة الانحدارية، أي المسافة التي تستطيع الطائرة اجتيازها من دون تشغيل محرّكاتها، مقياساً دقيقاً لتحديد كفاءة الطائرة الأيرودينامية، لأن الأخيرة لم تُصمَّم لمواجهة حالات الانحدار. إلا أن ما بات يُعرف اليوم بـ{حادثة جيملي الانحدارية»، يساعد في إظهار حجم التقدّم الذي شهدته تكنولوجيا الطيران. ذلك أن تحسين كفاءة الطائرات سمح لطائرة بوينغ 787 الجديدة بأن تستهلك وقوداً أقل بنحو 40% لكل راكب من طائرة البوينغ من طراز سبعينيات القرن الماضي. وقد حقّقت شركة «إيرباص» وغيرها من الشركات المصنّعة للطائرات نتائج مماثلة.في المقابل، لم تشكّل التحسينات كافة التي عرفتها تكنولوجيا الطيران إضافة حقيقية الى عالم الطائرات. فمع تطوّر عدد كبير من التقنيات التكنولوجية، أصبح العلماء قادرين على ابتكار أنواع جديدة من الطائرات من بينها طائرة من دون طيار تخطّت سرعتها سرعة الصوت بما يزيد على خمس مرّات. وفي العام الماضي، جرّب طيار سويسري طائرة خفيفة الوزن تُعرف بـ{طائرة الدفع الشمسي» (Solar Impulse) وتعمل على الطاقة الشمسية، أي أنها تجمع ما يكفي من هذه الطاقة خلال النهار لتطير أثناء الليل. وفي السياق عينه، يطوِّر العلماء طائرات من دون طيار صغيرة الحجم تتميّز بخلايا عالية الكفاءة موجودة في الأجنحة السفلى تلتقط الطاقة الشعاعية التي تعكسها الأرض. كذلك تعمل شركة بوينغ للصناعات الجوية على تطوير طائرة تجسّس من دون طيار قادرة على الطيران والتحليق في الجو باستخدام طاقة الهيدروجين لمدّة خمسة أعوام من دون أن تحتاج الى التزوّد مجدداً بالوقود. ويصف درو مالو، المشرف على هذا المشروع، «عين الشبح» وهي طائرة نموذج تصل المسافة الفاصلة بين جناحيها إلى 46 متراً، بأنها «قمر الرجل الفقير الاصطناعي». ومن المتوقع أن يشمل مستقبل الطيران تغيّرات تدريجية في المدى القريب، وتحوّلات جذرية خلال العقود المقبلة.في الآونة الأخيرة، بُذلت جهود كثيرة رامية إلى التوصّل إلى طرق لتخفيض استهلاك الطائرات للوقود. فبعدما تضاعفت أسعار الوقود مرّتين في العام الماضي، أصبحت كلفة الوقود تشكّل حوالى 50% من تكاليف شركات الطيران التشغيلية. ويقول إحسان منير، نائب مدير قسم المبيعات المخصّصة للصين في بوينغ، إن أصغر تحسين في كفاءة الطائرة سيثمر عن نتائج إيجابية، إذ أظهرت التجارب أن تحسين بنسبة 1% في كفاءة الطائرة يخفّض استهلاك الأخيرة لوقود تتخطّى قيمته المليون دولار خلال سنوات عملها التي تقارب العشرين. ويُبحث راهناً في سبل تخفيض استهلاك الطائرات للوقود التي سيكون تطبيقها على الطائرات العاملة على الوقود أكثر ربحية، ما سيجعل البنوك تموّل مشاريع تصنيع هذه الطائرات لقاء معدّلات فائدة أقل.تخفيض وزنبغية تحسين أداء الطائرات، تعمد شركات تصنيع الطائرات إلى تشغيل لوحات الأجنحة بواسطة أنظمة كهربائية خفيفة الوزن عوضاً عن أنظمة التشغيل الهيدرولية. واليوم، ثمّة على الأقل خطوط جوية واحدة هي خطوط Jetstar الأسترالية تستبدل عدّة الترفيه المقدّمة عادةً إلى الركاب أثناء الرحلة بأجهزة آي باد الأقل وزناً. وفي هذا الإطار، وجدت شركة Flight Sciences International الاستشارية، مقرّها في سانتا باربارا في كاليفورنيا، أن مادة العزل التي يُغلّف بها جسم الطائرة تكلِّف شركات الطيران مبالغ مالية لا داعي لها، فهي تمتصّ الرطوبة وتصبح أكثر ثقلاً على مرّ السنوات. وهذا مثال ممتاز عن الحماسة التي يُبحث بها عن طرق توفّر على شركات الطيران النفقات المالية الكبيرة. لكن يقول جون كورل الذي يعمل في Flight Sciences إنه حتى اليوم لا تزال ثمة مسألة وحيدة فشل علماء التكنولوجيا في معالجتها ألا وهي وزن الركاب. وقد قال كورل هذا الكلام على سبيل الدعابة.عمل مهندسو الطيران سنوات طويلة على استبدال المكوّنات المعدنية بأخرى بلاستيكية خفيفة الوزن ومعزّزة بألياف الكربون. ووفقاً لشركة ATK للطيران الجوي، مقرّها في أوتا ومتخصّصة في إعداد قطع الطائرات وبيعها إلى مصنّعي الطائرات، فإن مثل هذه المواد التي تًعرف باسم المركّبات أخف من المواد المعدنية بنسبة 40%. وتُستعمل المركّبات لتصنيع 15% من طائرات اليوم علماً أنه يتوقّع أن يكون بعض طائرات المستقبل مصنوعاً من المركبات أكثر منه من المعادن، بما فيها طائرة البوينع 787 ( التي ستكون أول رحلة لها هذا العام) وطائرة الإيرباص A350 (من المتوقّع أن يبدأ تشغليها في عام 2013).يقول جوي دي ليسر، نائب رئيس قسم هياكل الطائرات في شركة ATK وهو القسم المسؤول عن تطوير قطع الطائرات، إن استعمال السيراميك الجديد والخفيف الوزن سيخفّض الحاجة إلى استعمال المعادن في تصنيع الطائرات. وتفوق قدرة مركبات السيراميك على تحمّل درجات حرارة عالية قدرةَ السبائك المعدنية على فعل ذلك. هكذا، نجد اليوم أن مصنّعي الطائرات قد بدأوا باستبدال قطع معدنية مستعملة في محرّكات الطائرات بأخرى طوّرها صانع محرّكات الطائرات الفرنسي Snecma وصانع محرّكات الطائرات الأميركي General Electric. وتقول شركة «جنرال إلكتريك» إنها خفّضت 136 كلغ أي ما نسبته 3% من وزن محرّك يؤمن قوة الدفع لطائرة بوينغ 787 باستخدامها مركّبات السيراميك في تصنيع غطاء مروحة الطائرة وشفراتها، ما يُعتبر سابقة في عالم الطيران.كذلك توصّلت الشركة إلى طريقة لتخفيف وزن قطع الطائرات المعدنية بما فيها المحرّكات من خلال «طبعها» عوضاً عن صهرها. وتقوم عملية الصناعة هذه، التي تعرف بالطباعة الثلاثية الأبعاد أو بالصناعة المضافة، على تصنيع قطع الطائرة من خلال تمرير مجموعة من الطبقات الرقيقة من بودرة المعادن تحت أشعة الليزر أو أشعة الإلكترون لتذويب المادة وتحقيق تماسكها. ويُعتمد في هذه العملية الميكرون لقياس الدقة. ويعمد المصمّمون إلى ترك مساحات فارغة داخل بعض قطع الطائرة ما يسمح لهم بتخفيض وزنها بمقدار الخمس. وتقول لوانا أييوريو، رئيسة قسم التقنيات الصناعية في مختبر Global Reasearch التابع لـ{جنرال إلكتريك» والواقع في نسكايونا في نيويورك، إن هذه العملية أقل تكلفة من تقنية تجويف القطع مشيرة إلى أن القطع المطبوعة والمجوّفة التي تصنّعها الشركة ستُستعمل في الطائرات المدنيّة في غضون ثلاثة أعوام.في عام 2009، استأنفت «جنرال إلكتريك» مع وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» العملَ الذي كانت قد بدأته في ثمانينيات القرن الماضي والذي تركّز على تطوير محرّك مختلف اختلافاً جذرياً يُدعى «المروحة التوربينية». يجمع هذا المحرّك بين الكفاءة العالية في استهلاك الوقود التي يتميّز بها محرّك الدفع، والقوة والسرعة الكبيرتين اللتين تمتاز بهما طائرة نفّاثة، ذلك أنه يتضمّن حلقتين من دوّامات دفع قصيرة تدور في اتجاهات معاكسة في الهواء الطلق وتقع في الجهة الخلفية من الطائرة.تلفت «جنرال إلكتريك» الى أن هذا المحرّك يستهلك وقوداً أقل بمقدار الثلث من الوقود الذي تستهلكه المحرّكات الأخرى. إلا أنه يصدر ضجيجاً كبيراً وفي حال انكسرت أي شفرة من شفراته، قد ترتطم بجسم الطائرة وتلحق بها أضراراً.في الإطار عينه، توصّلت Prattand Whitney، شركة تصنيع محرّكات طائرات أميركية، إلى ابتكار تصميم آخر أقرب إلى تصميم المحرّكات الشائعة الاستعمال. يُدعى هذا المحرّك «المروحة التوربينية المعشّقة» ويقوم على استخدام علبة تروس السرعة بدلاً من عصا نقل السرعة لنقل الطاقة من التوربين (الذي يدور عندما تحترق الغازات الساخنة في مؤخرة الطائرة) إلى المروحة (التي تمتصّ الهواء الأمامي). ويسمح هذا التصميم للتوربين بالدوران بسرعة أكبر من سرعة المروحة، ما يزيد بالتالي كفاءة محرّك الطائرة. يقول بول فينكليشتاين من Prattand Whitney إن هذا المحرّك الذي تُطلق عليه تسمية PurePower PW1000G، يخفّض استهلاك الوقود (وقوة الضجيج) بحوالى 15%، موفّراً بذلك 400 دولار في ساعة طيران. وقد أوصت شركات الطيران على ما يزيد على 1200 محرّك تُقدّر قيمة الواحد منها بـ13 مليون دولار. وستبدأ عمليات تسليم هذه المحرّكات في العام 2013. وفي هذا الصدد، قال مديرPrattand Whitney، دايفيد هيس، إن المحرّك الجديد قد يضاعف مرّتين مبيعات الشركة التي بلغت قيمتها الإجمالية في العام الماضي حوالى 13 مليار دولار. في معظم الطائرات المدنية، تساعد الأجنحة في رفع الطائرة بحوالى 90% في حين يسهم جسمها في رفعها بنسبة 10%. وقد توصّل مهندسو الطيران المدني العاملون في معهد ماساشوتس للتكنولوجيا، بتمويل من وكالة الفضاء الأميركية الناسا، إلى تصميم طائرة تتمتّع بجسم كبير للغاية وبجناحين رفيعين جداً، ما يجعل جسم الطائرة يساهم في عملية رفعها بمقدار الخمس. يشبه تصميم هذه الطائرة الصلب تصميم فقاعتين موصولتين جزئياً. صحيح أن شكل هذه الطائرة التي تُطلق عليها تسمية «الفقاعة المزدوجة» غريب، إلا أن فريق المهندسين يتوقّع أن يساعد تصميمها الهندسي في تخفيض استهلاك الوقود بنسبة 70%. ويُعزى ذلك جزئياً إلى حقيقة أن الطائرة ستطير بسرعة أقل بنسبة 10% من طائرات اليوم.في الواقع، يدفع جناحا الذيل الطائرةَ نحو الأسفل فيزيدان بذلك قوة السحب بغية رفع مقدّمتها. وقد زُودت طائرة الفقاعة المزدوجة بمقدّمة عريضة مائلة ميولاً انحدارياً يرفعها دفق الهواء إلى الأعلى كي يكون جناحاها أصغر حجماً. وتتطلّب هياكل الطائرات التقليدية استعمال مواد بنيوية ثقيلة لنقل مركز ثقل جسم الطائرة في وقت لاحق من فترة التحليق إلى جهاز الهبوط وإلى العجلات الموجودة تحت الجناحين. وقد نجح فريق معهد ماساشوتس للتكنولوجيا في خفض حجم الطائرة بنسبة 1% من خلال زيادة حجم جسمها، أي «من خلال نقل مركز ثقل الطائرة من جسمها إلى جهاز الهبوط» على حدّ تعبير مارك دريلا الذي يترأس الفريق الذي يعمل على هذا التصميم. وقد وضع صانعو هذه الطائرة المحرّكات وراء جسم الطائرة بدلاً من وضعها تحت الجناحيْن لأن الهواء الموجود عليه ينزلق بسرعة أبطأ ما يجعل المحرّك يستهلك أوكسيجيناً أقل ويحرق وقوداً أقل.طائرات أكثر انزلاقاًيمكن لتغيير شكل الطائرة أن يتم على صعيدين: مجهري وعياني. يقول بول بوكر، مدير عام شركة triple O مقرّها في بول في بريطانيا، إن النظر إلى طلاء الطائرة بواسطة المجهر يبيّن أن شكل الطلاء أشبه «بجبال البيرينيه». وكانت triple O قد طوّرت طريقة لتخفيف قوّة السحب الممارسة على الطائرة من خلال تمليس الطبقات المطليّة باستخدام طبقة رقيقة جداً من مادة راتينج الأكريليك التي تعمل على ملء فراغات التشقّقات. كذلك طلت easyJet البريطانية، أول شركة طيران تجارية استخدمت المنتج، ثلاثاً من طائراتها بهذه المادة منذ حوالى 16 شهراً، وبعد هذه الفترة، طلت خمس طائرات إضافية. كذلك جرّبت اثنتان من شركات الطيران الأخرى هذه المادة على طائراتها. يقول بروكر إن زيادة انزلاق سطح الطائرة تخفّض استهلاك الوقود بنسبة 1% تقريباً، أي أن شركة الطيران تستطيع استرجاع المبلغ الذي أنفقته على عملية تغليف الطائرة بهذه المادة بصورة تلقائية في غضون أشهر قليلة.وقد ينجح العلماء في إيجاد طريقة للتخفيف من قوة السحب الممارسة على الطائرة من خلال جعل بعض أسطح الطائرة أقل انزلاقاً. كذلك توصّل أليساندرو بوتارو من جامعة جينوا الإيطالية، خلال بحث أجراه بتمويل من الاتحاد الأوروبي، إلى ابتكار شعيرات كيراتين صغيرة تشبه ريش العصافير الصغير الذي يُعرف بـ{الريش الخفيّ». صحيح أن هذه الشعيرات تولّد قوة سحب على أثر اهتزازها في الهواء، إلا أنها تسمح في المقابل بتقليل الهواء المُزاح (تيار المروحة الحلزوني) وهو منطقة اضطرابات هوائية ذات ضغط منخفض ممتدة على طول جناح الطائرة، ما يقّلل بالتالي من قوة السحب الممارسة عليها. يضيف بوتارو مفسّراً أن كرة المضرب المجعّدة تطير بصورة أسرع من كرة مضرب ملساء للسبب المذكور آنفاً نفسه.لكن مهما كانت الطائرة كاملة المواصفات ومصنوعة بعناية شديدة، لن نستطيع الاستفادة من قدرتها الكاملة من دون إخضاعها لمسار محتسب بدقة. في معظم مطارات العالم، يعطي مراقبو حركة المرور الجوية للطائرات القادمة أوامر الاقتراب والهبوط في نصف الساعة الأخيرة من رحلة الطيران. ونتيجة لهذا الإجراء، نجد أن الطيارين يهدرون وقود الطائرة لاضطرارهم الى تخفيض سرعة الطائرة وزيادتها أثناء عملية الهبوط. وقريباً، سيصبح بالإمكان معالجة هذا القصور وغيره- مثل التحليق في الهواء بانتظار إفساح مكان لهبوط الطائرة- بفضل نوع جديد من برامج الكمبيوتر المخصصة لإدارة رحلات الطيران الجوي.تعالج مثل هذه البرامج الإلكترونية عادةً البيانات الخاصة بأداء كل طائرة وتلك المرتبطة بحركة الطائرات في الجو أو في المطارات، بغية تحديد خطة الطيران الأمثل لكل طائرة. ويستطيع هذا البرنامج مثلاً احتساب معدّل الارتفاع الذي يجب أن تعتمده الطائرة الذي تكون فيه قوة السحب الممارسة عليها أقل وتكون فيه الطائرة أخف وزناً. كذلك يسمح هذا البرنامج للطائرات بتجميع المعطيات الجوية وتبادلها لمساعدة بعضها البعض على ضبط المسار وسرعة الطيران. والأهم من ذلك كله، تسمح هذه التكنولوجيا بالتحكّم بقدرة الطائرات على الطيران من دون تشغيل محرّكاتها. ففي ظل رياح مقبولة السرعة، تستطيع الطائرات الجديدة الإقلاع من أي مطار والطيران لمسافة تفوق الـ150 كلم من دون أن تضطرّ الى تشغيل محرّكاتها ثم الهبوط كطائرة شراعية على أحد المدرّجات.في هذا الصدد، يقول تورجورن هانريكسن، مدير قسم المفاوضات الجوية في شركة Avinor التي تدير مطارات النرويج التجارية البالغ عددها 19، إن برنامج الطيران المسمّى بـ{المقاربة الخضراء» كفيل لوحده بالتوفير على الطائرات 100 كلغ من الوقود. ويشبّه ستيف فولتون الذي يعمل في Naverus، شركة تابعة لـ{جنرال إلكتريك} متخصّصة في تصميم مثل هذه الأنظمة وتركيبها، هذه الأنظمة التكنولوجية بمسار سكة حديدية: بفضل هذا النظام، لا تستطيع الطائرة الانحراف عن المسار المرسوم لها إلا لمسافة توازي مسافة باع جناحيها كذلك تهبط في غضون العشر ثوانٍ التي تسبق موعد الهبوط المحدّد.يُعتبر مطار بريسباين الأسترالي الوحيد المجهّز بكامله بمثل هذا النظام. وقد ساعد الأخير في تقليل حالات تأخّر الطائرات وتخفيف الضجة التي كان يسبّبها المطار للأحياء المجاورة بمقدار الثلث تقريباً. وبحسب فولتون فإن اعتماد هذا النظام في مختلف مطارات أوروبا يسهم في تخفيض نفقات الوقود (وبالتالي تخفيض التلوّث) المستهلك في الرحلات الداخلية بنسبة تتخطى الـ8%. واليوم، ثمة عشرات المطارات التي تعتمد هذه التكنولوجيا، إلا أن عملية استعمالها ليست بالسهلة لأنها تتطلّب تركيبات وتدريبات كثيرة.صحيح أن التقليل من استهلاك الوقود أمر ممتاز، لكن كيف يمكن للتكنولوجيا أن تحسّن ظروف السفر وتجعله تجربة مريحة بالنسبة إلى الركاب؟ خلال تحضيرات معرض باريس للطيران الذي أقيم في شهر يونيو الفائت، أعلنت إيرباص عن مجموعة وسائل راحة ستتضمّنها طائرة العام 2050. وفي هذه الطائرة المستقبلية، سيُستبدل جدار مقصورة الطيار بهيكل رقيق وبغشاء شفّاف، كذلك ستزوَّد المقاعد بنظام «بث حيوية» يزيل منها العفونة وبنظام تدليك مخصّص لكلّ راكب يستخدم حرارة جسم الإنسان لتشغيل أجهزة الآي البود الصوتية وأجهزة الإضاءة التي تتغيّر بتغيُّر مزاج الراكب ووحدات الترفيه المجسّمة. يبدو هذا التصميم رائعاً على رغم ما قاله شارل شامبيون، نائب مدير قسم الهندسة في إيرباص، من أن التكنولوجيا الحالية لا تسمح ببناء كثير من الميزات المذكورة سابقاً. ويشير شامبيون إلى أن صناعة الطائرات كانت قد تركّزت خلال الأعوام الماضية على جعل الطائرات أكثر كفاءة وراحة أكثر منه على تحسين سرعتها وأدائها.على رغم سحب طائرات كونكورد فوق الصوتية من السوق في العام 2003، بقي حلم الطيران على متن هذا النوع من الطائرات حيّاً. وتُعتبرDassault Aviation الفرنسية، وAerion و Gulfstream Aerospace الأميركيّتان، من الشركات التي تعمل على تطوير تقنيات للطائرات فوق الصوتية الخاصة. وقد مُنع الطيران فوق الصوتي منعاً باتاً لأنه يخرق جدار الصوت مسبّباً بالتالي انفجاراً صوتياً. وقد أظهرت اختبارات أجرتها الناسا على طائرة مقاتلة معدّلة، أن أشكال هياكل الطائرات الجديدة تخفّف من قوة الانفجار الصوتي. بيد أن Aerion تجد أن المقاربة الأفضل تكمن في إيقاف الجهود الرامية إلى التخفيف من وقع الانفجار الصوتي وفي قيادة الطائرات فوق الصوتية فوق الأسطح المائية فحسب. وبحسب دوغلاس نيكولس الذي يعمل في Aerion، فإن الطائرة فوق الصوتية التجارية التي تسع 8 إلى 12 راكباً والتي صمّمتها الشركة من دون أن تنفّذها بعد، تتميّز بأجنحة «مسنّنة الحواف» رقيقة وعريضة وبخصائص أيرودينامية أخرى تصدر قوة سحب أقل من سائر التصاميم المنافسة. وثمة حوالى 50 زبوناً محتملاً كانوا قد دفعوا وديعة بقيمة 250000 دولار مقابل الحصول على هذه الطائرة النفاثة التي تبلغ قيمتها 80 مليون دولار والتي تطير بسرعة تتخطى سرعة الصوت بـ1,6 مرّة ( 1.6 ماخ). مع ذلك، لا تزال Aerion تعمل لوحدها وتفتقر إلى شريك.ترى القوات المسلّحة الأميركية فائدة في الطائرات فوق الصوتية التي تطير بسرعة 5 ماخ أو أكثر والتي تستخدم محرّكاً يُعرف بـ «محرّك سكرامجيت». وقد جرَّبت طائرات فوق صوتية كثيرة لم تعطِ النتائج المرجوة منها طائرة HTV-2 فوق الصوتية، التي تعمل من دون طيّار والتي صُمّمت لتطير بسرعة 20 ماخ والتي فشلت في اختبار طيران أجري لها في الشهر الماضي؛ وطائرة X-51A WaveRiders فوق الصوتية التي طوّرتها شركة بوينغ والتي لم يكن أداؤها أفضل حالاً من أداء الطائرة الأولى. ومن بين طائرتي الـWaveRiders المخّصصتين لقطع مسافات قصيرة فوق المحيط الأطلسي، فشلت طائرة واحدة في الاختبار في حين نجحت الثانية. لكن يقول جو فوغيل، مدير المشاريع في بوينغ، إن التكنولوجيا قد «اخترقت» عالم الطيران فوق الصوتي، مضيفاً أن محرّكات سكرامجيت قد تُستعمل يوماً ما في الطائرات المدنية.وكان بعض الطائرات الحربية التي صُنعت سابقاً قد أوحى بإمكان بناء حاملات جنود فوق صوتية. بيد أن روبرت ميرسييه، مسؤول قسم التكنولوجيا في قسم الدفع الفضائي التابع لمختبر أبحاث القوات الجوية، يشير إلى أن الهبوط بالمظلة في الدوامات الهوائية الناتجة من عمل مثل طائرات كهذه قد يكون صعباً بالنسبة إلى الجنود. ويلفت الى أنه من المحتمل أن تُستعمل الطائرة فوق الصوتية كمقذوف تطوافي عالي السرعة تكمن وظيفته في إحداث انفجار مطرقي خلف خطوط العدو. ذلك أن استعمال الصواريخ الباليستية البعيدة المدى للقيام بهذه المهمة قد يكون خطيراً لأنه قد يحصل لغط بينها وبين الصواريخ النووية.لكن هل تعود اليوم فكرة صناعة طائرات مدنية فوق صوتية والتي بقيت في أدراج النسيان لبضعة أعوام؟ خلال معرض باريس للطيران الذي أقيم هذا العام، كشفت EADS، الشركة الأم لإيرباص، عن تصميم جديد لطائرة تُدعى طائرة النقل فوق الصوتي السريعة وغير المصدّرة لانبعاثات مضرّة ZEHST ابتكرتها بالتعاون مع باحثين يابانيين. وتتميّز هذه الطائرة بثلاثة أنواع من المحرّكات: محرّكات نفاثة عادية (تعمل على وقود حيوي مصنوع من الأعشاب البحرية والطحالب) مسؤولة عن عملية الإقلاع، وأخرى صاروخية تزيد سرعة الطائرة إلى 2.5 ماخ، ومحرّكات نفاثة ضغطية توصل سرعة الطائرة إلى 4 ماخ. ومن المتوقّع أن تكون الطائرة مخصّصة لـ50 إلى 100 راكب وأن تقوم برحلة باريس-طوكيو في غضون ساعتين ونصف الساعة بدلاً من الساعات الإحدى عشرة التي تستغرقها هذه الرحلة راهناً.لكن يستبعد مصمّمو هذه الطائرة إمكان طرح طائرة ZEHST في الأسواق قبل العام 2040. وصرّح جان بوتّي، المدير العام لقسم التكنولوجيا والابتكار في EADS: «أشكال الطائرات المستقبلية ستشبه نوعاً ما تصميم طائرة ZEHST». يبدو هذا الأمر خيالياً في الوقت الراهن. إنما دعونا لا ننسى أن فكرة السفر من قارة إلى أخرى بشكل سريع كانت هي أيضاً في ما مضى فكرة خيالية يصعب تحقيقها. وها نحن اليوم نشهدها ونختبرها يومياً، ما يظهر أن ما يبدو غريباً اليوم في عالم الطيران الجوي قد يصبح شائعاً غداً.