أحمد بيضون... علم المعاني والمباني

نشر في 06-06-2011 | 00:02
آخر تحديث 06-06-2011 | 00:02
No Image Caption
صدر عن الجامعة الأنطونية في بيروت كتاب «أحمد بيضون علم المعاني والمباني»، ويتضمّن سيرة المفكر الأكاديمية والمهنية ومؤلفاته، بالإضافة إلى دراسات حول نتاجه وشهادات فيه.

يندرج الكتاب ضمن «اسم علم»، سلسلة تكريمية مخصّصة للإضاءة على كبار المفكرين اللبنانيين.

في التقديم، أشارت منسّقة سلسلة «اسم علم» باسكال لحود إلى أن «أحمد بيضون كثرة في رجل، وأعلام في إسم... كثرته ضاربة في تعدد المدارات التي أعمل فيها فكره وقلمه والتي تترامى من الشعر إلى علم الاجتماع مروراً بالسرد والتاريخ وفلسفته واللغة والسياسة والسيرة وغيرها. لكن كثرته مشدودة بعضها إلى بعض بلغته، لغة تحتفي بالمعاني بأن تكسوها بما يليق بها من المباني، وتحتفي بالمباني بألا تفرِّط بها إطناباً أو استسهالاً».

إشكاليّات التاريخ

يتضمّن الكتاب قسمين، الأول دراسات عن مؤلفات بيضون والثاني شهادات من الزملاء والأصدقاء.

في مقالة جوزف أبو نهرا «فكر طليعي وقلم حرّ»، مدخل إلى شخصية بيضون الفكرية في علاقتها بالتقليد والسياسة والعائلة، وفي انبنائها، في شقها الوطني، حول اتجاهين أساسيين هما نقد المنظومة الطائفية، وتحليل الخلفيات الإيديولوجية لأعمال المؤرخين اللبنانيين المعاصرين. ولهذين الاتجاهين موقع محوري في كتاب «علم المعاني والمباني»، فقد انكبّ كلّ من نادين معوشي وهنري لورنس على دراسة إشكاليات التاريخ في نتاج بيضون، في حين استأثر نقد بيضون للطائفية باهتمام كل من باسم الراعي وكانديس ريمون وفاديا كيوان.

تعتبر نادين معوشي أن بيضون يستنطق نصوص المؤرخين من خلال كتابه «الصراع على تاريخ لبنان» ويبيّن أن الصراع على التاريخ صورة عن الصراع على لبنان نفسه وعن تفاوت علاقات الجماعات اللبنانية بالدولة اللبنانية وموقعها فيها. ويخلص إلى أن بين لاعبي هذا الصراع، على اختلاف توجهاتهم وأهدافهم، مشتركاً أساسياً ذا دلالات هو تفريغهم التاريخ من تاريخيّته أو صيرورته، بتحويله حجّاً إلى الأصول لا مكان فيه لهويّات تنبني بالتفاعل والاكتساب والتبلور التاريخي، بل هو حيّز صراع بين صور نمطية أبديّة وهويات مغلقة.

أما دراسة هنري لورنس فتتناول توظيف المؤرخين اللبنانيين للإطار الفينيقي في بحثهم عن مسوّغات تاريخية للبنان الكبير تؤصل انفصاله عن الداخل السوري - العربي من جهة، وانتقال مركز الثقل الرمزي من جبل المتصرفية إلى الساحل، والى العاصمة بيروت بشكل أخصّ، من جهة ثانية.

مؤرّخو الفينيقيّة

 

ينكبّ بحث لورنس على مقالة بيضون حول الفينيقية وفيه يميّز ثلاثة أجيال من مؤرخي الفينيقية: أولها يعود إلى مطلع العشرينيات من القرن الماضي ويمثّله شارل قرم، وثانيها برز أواخر ثلاثينيات القرن نفسه لا سيما مع مجلة «فينيسيا»، وثالثها تمثّل بمؤرخي «الندوة اللبنانية» في مرحلة ما بعد الاستقلال اللبناني. يحاور لورنس أطروحة بيضون مستعيداً تطوّر صورة الفينيقي من رينان، مروراً ببيرار ولونورمان وكوفمان.

وتستعيد كانديس ريمون، في مقالتها، تحليل بيضون لما يسميه «انحلال لبنان»، ويعني به نجاح الطائفية في إحكام السيطرة على مفاصل الدولة، وتوصيفه لطبيعة المأزق التي أوصل إليه نجاحها هذا. ويحلل بيضون المأزق مبرئاً دستور 1926 وميثاق 1943، ووثيقة الوفاق الوطني مما ينسب إليها من شرعنة الطائفية، مشخصا العلّة، بعيداً عن النصوص، في نسيج معقّد من الممارسات والمصالح. أما باسم الراعي فيتناول الكتاب نفسه مركزًا اهتمامه على بنيته المفهومية، ولا سيما مفهوم المواطنية، مستعيناً بنصوص أخرى لبيضون كـ{الصيغة، الميثاق، الدستور(2003)» وسواها. والحال، فإن المواطنية، كما يراها بيضون، هي علاقة بين «فرد مجرّد وأمّة متمثلة بالدولة».

لا تنحصر فاديا كيوان في معالجتها مسألة الطائفية عند بيضون في مؤلف واحد، بل تبحث لديه عن إجابات عن الإشكاليات التي تطرحها الطائفية وإلغاؤها على السواء. فإذا كان بيضون يشكو من تراجع مطلب إصلاح النظام في كتابه «انحلال لبنان»، فإن عودة المطلب بصيغة إسقاط النظام الطائفي، لا تخلو هي الأخرى من إشكاليات، نظراً إلى عدد من الالتباسات تشوب الطرح، ولاستخدامه في اللعبة السياسية اللبنانية لا ممراً إلى التخلّص من منطق المحاصصة الطائفية، بل تسميناً لحصّة هذا أو ذاك من المستفيدين وتعزيزاً لمنطق الغلبة الطائفية.

بين اللغة والثقافة

في مسألة اللغة عند بيضون، مقالة لأنطوان أبو زيد حول كتاب «كَلَمُن»، تتراوح موضوعات الكتاب بين قضايا لغوية معجمية في علم الاشتقاق وعلم الدلالة وعلم المجاز الصوتي، وقضايا معجمية منها اقتراح شبكة معايير لتحليل نص معجمي عربي، وصولاً إلى قضية مصطلحات العلوم الإنسانية في اللغة العربية، وشواغل ثقافية وسياسية.

أما كتاب «معاني المباني» المقيم، كما «كلمن»، بين حدّي اللغة والثقافة، فيغدو، عند عبده وازن مناسبة للاحتفاء بلغّة بيضون وبمفهوم الكتابة لديه. يجمع بيضون في تعاطيه مع اللغة بين سمات النهضة والحداثة، فهو الحريص على نقاوة اللغة، متحرّر مع ذلك، ربما لذلك، من الاستلاب الأعمى للتقليد.

شهادات

في القسم الثاني من الكتاب شهادات بأقلام أصدقاء وزملاء لأحمد بيضون، يشترك حازم صاغية ودلال البزري في اعتماد التناقض والمفارقة مفاتيح لفهم شخصية بيضون. فاسترخاؤه الظاهري يخفي، بحسب صاغية، توتراً ذهنياً هو نقيض حركته البطيئة، وحديثه المتّزن غير الانفعالي يخفي تطرّفاً في الاعتدال. ويتعايش في بيضون أحمدان: أحدهما مواطن مديني يقيم في منطقة الحمرا (بيروت) وتقيم فيه، والثاني وجيه جنوبي له مشية «القبضاي» وحركاته.

وتبتعد رشا الأمير في شهادتها عن وصف سلوك بيضون وطباعه، فبالنسبة إليها كتبه هي أجمل أفعاله وأدلّها على شخصيته، وما كُتُبه تلك سوى محاولته غرس روح الشعر خارج تربته، أي في تربة البحث والتاريخ والسياسة والثقافة وسواها. فيما يستنطق حسن داوود، من جهته، صوراً لأحمد بيضون تكونت لديه من خلال ما يقوله عنه أصدقاء مشتركون، أما شهادة جهاد الزين فتتناول سمتين أساسيتين في شخصية بيضون: الأولى شخصية جداً، لكنها أكاديمية وسياسية بالدرجة عينها، وهي أنه شخص ومفكر نزيه، والثانية أنه مفكّر عربي ملمّ بتفاصيل الحراك السياسي والثقافي في العالم العربي. ويتناول ملحم شاوول حادثة اختطاف بيضون في زمن الحرب.

وعي سياسي

أما المكرم في الكتاب فيروي شذرات من تكوّن وعيه السياسي والتاريخي والشعري، إلى مجموعة اختبارات برت زوايا ثوريته وقادته إلى أن يكون لبنانياً بتواضع، ويائساً قدر المستطاع وثائراً من غير إفراط في الطموح. وحده عشقه اللغة بقي متطرفاً وبقي جديراً بأن يُطفر دمعة- ضحكة من عينيه «حين يوفّق إلى الألفة القصيّة ما بين فكرة المعيَّة وعبارة». وحده اللقاء بين المعاني والمباني التي تليق بها بقي يعزَف عل مقام الغلوّ وابتغاء الكمال، فيما انصاع كلّ ما عداه -الثورة والانتماء والأمل كما اليأس - لحمية الزهد اجتناباً للخيبة.

مقتطفات أوضح فيها بيضون طرفاً من سيرته ومزاجه الفكري والأدبي وتطور فكره السياسي ووقف طويلاً على الطائفية، كذلك أوضح أنه كان في ما سبق يعزل نفسه عنها ولا يكترث كثيراً ببقاء الوضع على حاله، أما الآن فهو ينتبه إلى أن الطائفية شرّ كلها وتضع لبنان بجملته أمام خطر حقيقي.

سيرة

أحمد بيضون، مؤرّخ ومفكّر وأديب لبناني، نشر الكثير من المؤلفات، من بينها: «مغامرات المغايرة، اللبنانيون طوائف وعرباً وفينيقيين» (2005)، «الجمهورية المتقطعة» (مصائر الصيغة اللبنانية بعد اتفاق الطائف، 1999)، «كلمن ـ من مفردات اللغة إلى مركبات الثقافة» (1997)، ديوان شعري بعنوان «ديوان الأخلاط والأمزجة»، و{رياض الصلح في زمانه».

back to top