سورية 2011: انتفاضة تكسر 40 عاماً من الصمت
كلّ الظروف الموضوعية التي كانت مطلوبة ليمّر "الربيع العربي" في سورية كانت حاضرة: أولاً طبيعة النظام الحاكم وعمره (أكثر من 48 عاماً)، ثانياً نية التوريث التي فعلت فعلها في مصر كانت واقعاً محققاً في سورية (الرئيس بشار الأسد الذي خلف والده في الحكم)، ثالثاً فساد العائلة الحاكمة الذي فعل فعله في تونس كان حاضراً أيضاً (خصوصاً رجل الأعمال رامي مخلوف ابن خال الرئيس الذي يسيطر على قطاعات واسعة من الاقتصاد).ولذلك، وبالرغم من الهدوء الذي شهدته سورية خلال ثورتي تونس ومصر، وبالرغم من الثقة التي ابداها الرئيس السوري بشار الأسد خلال هاتين الثورتين، وتأكيده أن "سورية مختلفة" وأن الاسباب الرئيسية التي ادت الى الاطاحة بحسني مبارك وزين العابدين بن علي "خارجية" وتُختصر بالتصاقهما بالولايات المتحدة وبإسرائيل، وصل "تسونامي الربيع العربي" الى سورية منذ تسعة أشهر وحط رحاله هناك ولا يزال.
المعتقلون وتظاهرة الحميديةالحراك الاولي الذي سبق اندلاع الانتفاضة الشعبية السورية، بدأ فعلياً لدى المعتقلين السياسيين. فقد اعلن المعتقلون السياسيون البارزون اضراباً عن الطعام، ووقعوا بياناً "عالي اللهجة" بالنسبة الى ذلك الوقت يطالب بالافراج عن كل المعتقلين وبوضع حدّ للاعتقال السياسي وكلّ اشكال الحدّ من التعبير عن الرأي.وكان الموعد في 15 مارس، حين قامت مجموعة من الناشطين السياسيين المعروفين بالتظاهر دعماً للمعتقلين السياسيين في سوق الحميدية وسط العاصمة مرددين هتافاً واحداً: "الله سورية حرية وبس"، تفرقت التظاهرة بسرعة وهاجمها موالون للنظام مرددين شعار"الله سورية بشار وبس". شارك في التظاهرة فقط عشرات من الناشطين، إلا أن القيمة المعنوية للتحرك كانت كافية لإطلاق شرارة.ساحة المرجةبعدها بيوم، أي في 16 مارس، قمعت قوات الأمن بقسوة تظاهرة لأهالي المعتقلين السياسيين وناشطين في ساحة المرجة أمام وزارة الداخلية في دمشق. اعتقل في هذه التظاهرة 36 شخصاً بينهم 11 امرأة وسبعة أشخاص من عائلة المعتقل الحقوقي كمال اللبواني إضافة الى عدد من النشطاء الكرد وكان من أبرز المعتقلين الناشطة سهير الأتاسي اضافة الى الناشطة دينا الجوابرة.فتيان درعابالتزامن مع هذا الحراك السياسي، كان هناك حراك من نوع آخر يجري في درعا في أقصى جنوب سورية، بضعة فتيان لا تتجاوز أعمارهم الرابعة عشرة كتبوا على أحد جدران مدرستهم، ربما تمثلاً بنظرائهم في دول الربيع العربي او انتقاما لاعتقال ابنة مدينتهم دينا الجوابرة كما تردد، عبارة "الشعب يريد اسقاط النظام".السلطات المحلية وجهاز الأمن السياسي في محافظة درعا تعاملا مع هذه الحادثة بغباء شديد، او بحساسية شديدة. اعتُقل الفتيان وزُجوا في السجن. تظاهر اولياء امورهم وعائلاتهم مطالبين بالافراج عنهم. قُمعت التظاهرة بالقوة. قتل ثلاثة أشخاص وزج آخرون في السجن. تطور الأمر بعد ذلك بسرعة فائقة وبطريقة دراماتيكية، صار لأهل المدينة مطالب واعتصموا في الجامع العمري وتتابعت الاحداث بعد ذلك وشهدت درعا مجازر دموية راح ضحيتها 200 قتيل على الأقل، وكانت الدعوة الى أول جمعة تظاهرات في جميع أنحاء البلاد في 25 مارس تحت اسم "جمعة الكرامة" ولبت معظم المدن النداء لنصرة درعا، ومن ثم تابعت الاحداث في السياق الذي بات معروفا لدى الجميع.عوامل تؤثر في الانتفاضةهذا العرض القصصي لبدايات "الثورة السورية" لا يغني عن ذكر بعض العوامل الداخلية والخارجية التي تحكم هذه الانتفاضة، وتؤثر فيها بما يساهم في فهم ما تمر به سورية الآن.1ـ طبيعة النظام الحاكم: أولاً، تحكمه الأمني في كل شيء لمدة تتجاوز الـ40 عاماً ما أكسبه خبرة في التعاطي مع أي طارئ. ثانياً، الطبيعة الفئوية للنظام التي تتخذ شكلاً طائفياً أقلياً، ثالثاً، الموقع الاستراتيجي للنظام في المشهد الإقليمي بما هو ضامن للأمن على الحدود السورية ـ الإسرائيلية وضابط ايقاع للأمن على الحدود اللبنانية ـ الإسرائيلية و"كفة القبان" في توازن المحاور والتحالفات والادوار في الإقليم.2ـ طبيعة المجتمع السوري المتنوع والمتعدد الطوائف والمذاهب والاثنيات والقوميات والحساس بشكل عام تجاه أي تشدد من أي نوع كان.3ـ تاريخ سورية القديم والحديث، إذ لم تعرف البلاد بسبب موقعها الاستراتيجي الاستقرار السياسي الا لفترات محدودة، وحيث يعتبر البعض ان فترة حكم آل الأسد هي الأكثر استقراراً منذ عقود.4ـ الصراع الفكري والسياسي الغني في سورية الذي لم يستكن منذ الاستقلال رغم وضع البلاد في "الثلاجة" لمدة 48 عاماً ومحاولات تسطيح الحياة السياسية والفكرية عبر الايديولوجيا البعثية، اضافة الى تنوع اطياف المعارضة مما يجعل امكانية توحدها في اطار واحد ضربا من المستحيل.سلوك السلطةومما لا شك فيه ان الحل الأمني الذي اعتمدته السلطات ولا تزال والذي حاز في بداية الأمر تغطية دولية قد دفع البلاد الى نقطة اللاعودة، والى خطر اندلاع حرب أهلية، فمن ناحية تمكنت الآلة العسكرية القمعية من حصر الاحتجاجات في بؤر محدودة ومن منع تمددها وتوسعها لتطيح بالنظام سليماً، ومن الناحية الاخرى ادى القتل الوحشي المستمر ببعض المنتفضين الى حمل السلاح خصوصا مع استحالة حدوث أي انقلاب ذات وزن داخل الجيش الذي تسيطر عليه الطغمة الحاكمة بقبضة من حديد. ومع وصول البلاد الى نقطة اللاعودة اصبحت المعركة مصيرية للطرفين على طريقة "اما نحن واما هم".وبموازاة الحلّ الأمني، فشلت السلطات في ايجاد صيغة سياسية تنقذ الوضع، وعلى وقع اعمال القتل اليومية لم تؤت حزمة الاصلاحات التي اعلن عنها الأسد ثمارها وتعامل معها المعارضون كما بعض الوسطيين كأنها لم تكن. واجهض سعي السلطة الى ضرب مصداقية وشرعية "المعارضة الخارجية" اضافة الى التعامل مع "المعارضة الداخلية" بانتقائية اي محاولة للحديث عن حوار وطني جدي، وفشل مؤتمر صحارى الذي عقد برئاسة نائب الرئيس فاروق الشرع في التوصل الى نتائج مقنعة. وساهم الخطاب التخويني الذي استخدمته السلطة، وتكرار نفس الاسلوب الذي اعتمد في تونس ومصر وليبيا في وصف الاحتجاجات والمحتجين، في القضاء على اي امل لاختراق الأزمة عبر تسوية سياسية.قاعدة الانتفاضةفي المقابل، ارتكزت الانتفاضة الى مطالب شرعية محقة منها ما هو سياسي واقتصادي ومنها ما هو مرتبط بسلوك النظام وضرورة محاسبته على الانتهكات التي قام بها. وحملت هذه المطالب احزاب سياسية متنوعة من اقصى اليسار الى الليبراللين والإسلاميين والمستقلين، اضافة الى شرائح متنوعة ومتعددة من الشعب ابرزها فئة الشباب التي شاركت في تشكيل ما بات يعرف بالتنسيقيات التي تتابع ميدانيا التظاهرات وتعد لها وتهتم بالتعبئة والتحريض.وتمكنت الحركة الاحتجاجية من الصمود مدة تسعة اشهر رغم التقاعس الدولي والعربي عن دعمها واستطاعت افشال كل محاولات السلطة للالتفاف على مطالبها. وابتدع السوريون الاساليب والطرق للاحتيال على القبضة الأمنية فكانت الاعتصامات الليلية ومن ثم "التظاهرات الطيارة" السريعة. وساهم سوريو الخارج في التعبئة وفي امداد الانتفاضة بالدعم المعنوي والمادي. أبرز قرارات الأسد خلال الأزمةفي ما يلي أبرز القررات التي اتخذها الرئيس السوري بشار الأسد في محاولة لاحتواء الأزمة:* الحزمة الإصلاحية: أعلن للمرة الأولى عن حزمة الاصلاحات التي يقترحها الرئيس بشار الأسد على لسان مستشارته الاعلامية والسياسية بثينة شعبان في تاريخ 24 مارس. وتنص هذه الحزمة على: محاربة الفساد, إنهاء حال الطوارئ, دراسة إصدار قانون ينظم عمل الأحزاب السياسية وقانون جديد للإعلام, وزيادة رواتب العاملين في الدولة، وإيجاد التمويل اللازم للضمان الصحي، وتمكين الموارد اللازمة لتوفير وظائف جديدة للعاطلين عن العمل.* في 29 مارس، قبل الأسد الاستقالة التي تقدمت بها حكومة رئيس الوزراء ناجي عطري وكلفها بتسيير الأعمال إلى حين تشكيل حكومة جديدة.* في 31 مارس، قرر الأسد تشكيل 3 لجان؛ الأولى لإعداد قانون لمكافحة الإرهاب يحل محل قانون الطوارئ، والثانية للتحقيق في مقتل المحتجين، والثالثة لحل مشكلة الجنسية للأكراد.* في 4 أبريل، عين الأسد رئيساً جديداً للوزراء هو وزير الزراعة في الحكومة المقالة عادل سفر.* في 6 أبريل، أمر الأسد برفع الحظر عن المدرسات اللواتي يرتدين النقاب، كما تم إغلاق نادي القمار الوحيد في البلاد.* في 7 أبريل، أصدر الأسد مرسوما يقضي بتجنيس الأكراد في شمال شرقي سورية ممن كانوا مسجلين كأجانب.* في 21 أبريل، أصدر الأسد مرسوما يقضي بإنهاء حال الطوارئ، ومرسوما يقضي بإلغاء محكمة أمن الدولة العليا, ومرسوما يقضي بتنظيم حق التظاهر السلمي للمواطنين.كما قام الأسد بإقالة محافظ حمص (7 أبريل) ومدير أمن بانياس (20 أبريل) ومحافظ حماة (2 يوليو)، اضافة الى تشكيله لجاناً للحوار الوطني ولوضع قانون الانتخاب وقانون الاحزاب.من رموز "الانتفاضة"* حمزة الخطيب: هو فتى سوري (13 عاماً) من بلدة الجيزة في محافظة درعا. اعتُقل عند حاجز للأمن السوري قرب مساكن صيدا في يوم 29 أبريل. بعد مدة تم تسليم جثمانه لأهله، وبدت على جسمه آثار تعذيب.* إبراهيم القاشوش: ناشط من مدينة حماة استخدم موهبته في كتابة الأغاني والهتافات المناوئة للنظام، ومن أشهرها أهزوجة "يلا إرحل يا بشار"، خُطف القاشوش وقتل واقتلعت حنجرته ووجدت جثته في نهر العاصي.* غياث مطر: ناشط سياسي (24 عاماً) من داريا. اعتقل في 6 سبتمبر على يد قوات الأمن. في يوم 10 سبتمبر سُلِّم جثمانه إلى ذويه وعليه آثار تعذيب. شارك في تشييعه سفراء كل من الولايات المتحدة وفرنسا واليابان وألمانيا والدنمارك.ثلاثة خطابات للأسد: مؤامرة وإصلاحات ولجانألقى الرئيس السوري بشار الأسد 3 خطابات فقط خلال الشهور التسعة للانتفاضة السورية، الأول كان في مجلس الشعب السوري في 30 مارس، أي بعد أسبوعين على انطلاق الاحتجاجات، واعتبرت كلمته للحكومة الجديدة في 16 ابريل الخطاب الثاني، اما الخطاب الثالث فقد القاه على مدرج جامعة دمشق في 20 يونيو.• أبرز ما جاء من نقاط في خطاب مجلس الشعب: سورية تتعرض لمؤامرة كبيرة من دول بعيدة وقريبة ولها بعض الخيوط الداخلية، لسنا نسخة عن دول أخرى ولدينا خصائصنا، المتآمرون خلطوا بين الفتنة والإصلاح والحاجات اليومية، لا مكان لمن يقف في الوسط واذا فرضت علينا المعركة اليوم فأهلا وسهلا بها، لن نعلن جدولا زمنيا كي لا يأتي ضغط الوقت على حساب نوعية الاصلاحات، نريد أن نسرع لا أن نتسرع في قراراتنا، هناك مندسون بين المتظاهرين.• أبرز ما جاء من نقاط في خطاب الحكومة: ـ سورية تمر بمرحلة دقيقة جداً وهناك مكونات لهذه المرحلة، هناك المؤامرة وهناك الإصلاحات وهناك الحاجات، الدماء التي هدرت في سورية آلمتنا جميعاً ولجنة التحقيق تستمر في عملها لمعرفة أسباب ما حصل وتحدد المسؤولين ولاحقاً تحاسبهم، شكلنا لجنة قانونية قامت برفع مقترح لحزمة متكاملة من القوانين التي تغطي رفع حالة الطوارئ، على الحكومة انجاز قانوني الاعلام والاحزاب.• أبرز ما جاء من نقاط في خطاب بجامعة دمشق: الحوار الوطني بات عنوان المرحلة الحالية وهيئة الحوار ستعقد اجتماعا تشارويا خلال ايام تدعو فيه 100 شخصية، ما يحصل في الشارع له 3 مكونات الأول صاحب حاجة او مطلب يريدها من الدولة والثاني عدد من الخارجين عن القانون والمطلوبين للعدالة (أكثر من 64 الف) والثالث فهو الأكثر خطورة وهم أصحاب الفكر المتطرف والتكفيري، الفكر المتطرف التكفيري يقتل باسم الدين ويخرب تحت عنوان الإصلاح وينشر الفوضى باسم الحرية، المؤامرات كالجراثيم التي تتكاثر في كل مكان ولا يمكن إبادتها وإنما يمكن العمل على تقوية المناعة في أجسادنا لصدها، شكلنا لجانا لمتابعة الاصلاح، قوات الشرطة غير كافية وغير معدة لمواجهة التظاهرات.المجلس الوطني السوريأكبر التشكيلات الائتلافية للمعارضة السورية. شُكل في مدينة اسطنبول التركية في 2 أكتوبر 2011. يرأسه المفكر السوري الذي كان يقيم في فرنسا برهان غليون. يتألف المجلس من ثلاثة هياكل رئيسة هي: الهيئة العامة والأمانة العامة والمكتب التنفيذي. تتكون الهيئة العامة من 230 عضواًً وتنقسم الى كتل هي: كتلة الإخوان المسلمين، كتلة إعلان دمشق للتغيير الديمقراطي، كتلة مجلس اسطنبول، كتلة المستقلين، والكتلة الكردية التي تضم أحزاباً وشخصيات مستقلة وتنسيقيات، وكتلة تنسيقيات الثورة وتضم لجان التنسيق المحلية والمجلس الأعلى لقيادة الثورة، وبعض التنسيقيات المحلية. أما الأمانة العامة فتتكون من 29 مقعداً موزعة بين مختلف التيارات والطوائف. وأخيراً المكتب التنفيذي ويتكون من ستة أعضاء.لم يحز المجلس على اعتراف دولي كما المجلس الانتقالي الليبي، ولكن معظم الدول تتعامل معه على انه ممثل شرعي للشعب السوري. اجرى المجلس زيارات الى مختلف عواصم العالم، وينظر إليه على نطاق واسع على أنه سيشكل سلطة انتقالية في حال سقط نظام الأسد.الجيش السوري الحرّفي أوائل شهر يونيو، وبعد تصاعد حالات الانشقاق الفردية في الجيش السوري على مدى ثلاثة أشهر، أُعلن تشكيل أول تنظيم عسكريٍّ يُوحد هؤلاء العسكريين، وهو "لواء الضباط الأحرار" تحت قيادة النقيب المنشق حسين هرموش، وتلاه بعد شهرين إعلان تشكيل "الجيش السوري الحر" بقيادة العقيد رياض الأسعد، وأعلن هذان التنظيمان عشرات العمليات لهما قبل أن يَتحدا تحت اسم "الجيش السوري الحر" في أواسط شهر سبتمبر. يذكر أن النقيب هرموش اعتقل على يد قوات الأمن بعملية غامضة لم تكشف تفاصيلها حتى الآن، وخرج بعد ذلك على التلفزيون الرسمي مطلقاً تصريحات مسيئة للانتفاضة اعتبر الناشطون أنها انتزعت منه تحت الضغط والتهذيب. أما "الجيش الحر" فقد نظم نفسه لاحقاً في كتائب وألوية، وأجرى اتصالات مع المجلس الوطني السوري، وقال قائده العقيد الأسعد أخيراً إن عدد أعضائه بلغ 40 ألف شخص.