إرث القذافي

نشر في 25-10-2011 | 00:01
آخر تحديث 25-10-2011 | 00:01
No Image Caption
لنأمل أن تكون الحكومة الليبية الجديدة قد تعلمت بعض الدروس المفيدة مما حصل، لأن أحداث المرحلة المقبلة، التي تشمل بناء دولة فعلية، قد تكون أصعب من إسقاط واحد من أشرس الحكام الدكتاتوريين في العالم.

قُتل معمر القذافي بعد أن سحبه الثوار من نفق المجاري كالجرذ بعد أن كان هو من وصف الثوار بالجرذان!

وهكذا طوى الليبيون أخيراً صفحة طويلة من تاريخهم الحديث الذي بدأ في 1 سبتمبر 1969، حين استلم الزعيم الراحل السلطة عبر انقلاب عسكري، فأعلن حينها قيام جمهورية مبنية على مبادئ "الحرية والاشتراكية والوحدة العربية".

على الرغم من ادعاءات القذافي المزيفة بإطلاق ثورة إيديولوجية وتعهده بحكم البلد باسم الشعب الذي يحبه، سرعان ما تحول نظامه إلى دكتاتورية عائلية تقليدية، حيث تُمنَح أبرز المناصب الأمنية إلى أبنائه وأقرب الموالين له، لكن بعد موته الآن، حصل الليبيون على فرصة شائكة لإنشاء نظام سياسي جديد من الصفر. على عكس الوضع في تونس ومصر، حيث تتابع بقايا النظام القديم التمسك بالسلطة، تدمرت قواعد السلطة العائدة إلى النظام الليبي السابق بشكل كامل، إذ يجب ألا ينخدع أحد بواقع أن عدداً من كبار المسؤولين في الحكومة الانتقالية كانوا قد شغلوا مناصب وزارية في عهد القذافي، لقد تدمرت القوى الاجتماعية القديمة التي كانوا يخدمونها بالكامل بعد ثمانية أشهر من الصراع.

ما يثير الاهتمام هو أن ليبيا تشهد هذا النوع من التحولات الجذرية للمرة الأولى تقريباً. صحيح أن "الثورة" الليبية التي قادها القذافي في عام 1969 كانت تنم في الأصل عن انقلاب عسكري نموذجي ولكنها كانت تمثل أيضاً انتفاضة اجتماعية على عكس حركة استقلال تونس عن فرنسا أو انقلاب جمال عبدالناصر في عام 1952 في مصر. في السنوات التي سبقت ذلك، كانت تجربة ليبيا مع الاستعمار الاستيطاني الإيطالي أكثر وحشية ودماراً من أي تجربة خاضتها الدول العربية الأخرى في القرن العشرين، وحتى الاستعمارات الاستيطانية في الجزائر وفلسطين تبدو ضئيلة وعابرة أمام السياسات الفاشية التي نجحت في استئصال المجتمع المدني الذي كان قائماً وتحريض الليبيين ضد بعضهم بعضا.

لجميع هذه الأسباب، لا وجود لأي مؤسسات بيروقراطية ومدنية وطنية فاعلة في ليبيا، إذ تضم تونس ومصر جيوشاً موحدة واتحادات عمالية وحساً قوياً بالهوية الوطنية التي تتفوق على الهويات المناطقية والمحلية، لكن في ليبيا، لم يسبق أن نشأت أي مؤسسات وطنية حقيقية ولم يسبق أن انتشر أي خطاب وطني صادق، إذ يعتبر الليبيون أنفسهم منتمين إلى مدن معينة مثل طرابلس ومصراتة وبنغازي وزنتان في المقام الأول قبل أن يكونوا ليبيين، لكن تكمن المفارقة في واقع أن الليبيين يتوقون فعلاً إلى إرساء حس بالوحدة الوطنية، وقد اتضح هذا الأمر من خلال العودة إلى اعتماد علم السنوسي الذي تم إقراره قبل عهد القذافي– حتى خارج موطنه الأصلي في البرقة (شرق ليبيا). لقد كانت الثورة الليبية حركة شعبية حقيقية على مستوى الوطن أجمع، باستثناء معاقل القبائل الموالية للنظام مثل بني وليد وسرت.

لا مفر من ملاحظة هذا الإرث المعقد والمختلط عند التجول في شوارع طرابلس اليوم. تقوم ميليشيات محلية من مدن مصراتة وزنتان وجادو- لكل منها بنيتها القيادية الخاصة- بحراسة الشوارع. صحيح أن كل ميليشيا أعلنت رسمياً ولاءها للمجلس الوطني الانتقالي، لكن يكن هؤلاء المقاتلون الولاء في المقام الأول إلى وحداتهم وقياداتهم المحلية التي نشأت عفوياً خلال الأشهر الستة الأخيرة وأظهرت درجة مفاجئة من التماسك والارتباط العاطفي. يدعي المجلس الوطني الانتقالي أنه دعم تشكيل ميليشيات لتتمركز في الأحياء لأن هذه الشبكات المحلية والقبلية الموثوقة لا يمكن أن يخرقها الموالون للقذافي، لكن عملياً، كانت الثورة الليبية عبارة عن سلسلة من الانتفاضات المحلية، ويزعم المجلس الانتقالي الوطني أنه ربط بين مختلف هذه الفئات ليحيك نسيجاً وطنياً موحداً.

لنأمل أن تكون الحكومة الليبية الجديدة قد تعلمت بعض الدروس المفيدة مما حصل، لأن أحداث المرحلة المقبلة، التي تشمل بناء دولة فعلية، قد تكون أصعب من إسقاط واحد من أشرس الحكّام الدكتاتوريين في العالم. لكل منطقة أخبارها وأوهامها الخاصة بشأن الدور الذي لعبته في الثورة، فيتباهى سكان بنغازي مثلاً بأن مدينتهم كانت أول مكان أبدى رفضه للقذافي، وفي المقابل، يتحدث سكان مصراتة عن قوة تحمّلهم للمشقات الكبرى وكيفية محاربتهم للنظام بفضل تماسكهم العسكري الكبير الذي يفوق تماسك الليبيين الآخرين، وهم يستطيعون الآن أن يدعوا تفوقهم بعد تصفية القذافي هناك.

على صعيد آخر، يشتكي البربر في جبل نفوسة من أن القذافي كان يقمع هويتهم الإثنية وهم يعتبرون أن روحهم القتالية في مناطقهم الجبلية الوعرة كانت عاملاً أساسياً لتحقيق انتصار الثوار.

تعمل كل جماعة من هذه الجماعات على إنشاء سجلات أسطورية لإثبات تاريخها القديم في مقاومة القذافي. في مدينة غريان، أوردت نسخة عن صحيفة تتألف من صفحة واحدة قصة مشبوهة مفادها أن هذه البلدة الواقعة على مفترق استراتيجي كانت قد شهدت أول احتجاجات شعبية شاملة ضد القذافي خلال الثمانينيات، وفي بنغازي، يتحدث السكان عن حدث أكثر واقعية مفاده أن السكان هناك شنوا حرب عصابات محدودة ضد النظام (بمساعدة الإسلاميين) في منتصف التسعينيات، أما في طرابلس، فيربط مجلس طرابلس العسكري الجديد نفسه بالعمليات الجهادية التي سعت إلى اغتيال العقيد الراحل.

كانت مشاعر الكره تجاه القذافي ومركزية حكمه هي التي وحّدت هذه الجماعات المحلية على اختلافها، وكانت صور القذافي منتشرة في جميع أنحاء البلد، ومع ذلك بقي معظم الليبيين بعيدين جداً عن المسؤولين الذين يستطيعون نقل الشكاوى إلى عائلة العقيد القذافي. لكنّ العكس صحيح الآن نظراً إلى التدابير التي اتخذتها السلطات المحلية. ضمن جماعات التجار في مصراتة مثلاً، أصبح المواطن العادي الآن أقرب إلى الشخصيات السياسة المحلية وعناصر الميليشيات، وينطبق الأمر نفسه على قبائل البربر في الجبال، فهم أصبحوا أقرب إلى قادتهم المحليين ويشعرون بثقة أكبر تجاههم، علماً أن هؤلاء القادة ينتمون إلى القبائل التقليدية المختلفة وإلى القيادة العسكرية الجديدة التي نشأت عفوياً خلال الثورة.

يعني هذا الواقع المستجد أن الليبيين سيبحرون في تجربة جديدة وجريئة على مستوى الحكم، وهي تجربة لن يختبرها على الأرجح إخوانهم في مصر وتونس. في ظل عهد القذافي، كان الحكم المركزي يحتكر جميع جوانب السلطة الاقتصادية والسياسية. يريد الثوار الليبيون اليوم سلطة تخضع للمحاسبة المحلية ومؤسسات تدير شؤونهم بموجب حكم القانون، لكن بعيداً عن النموذج الغربي، إذ يتمنى عدد كبير منهم إعادة إحياء رابط الأخوّة التقليدي وتأسيس الجمعيات المحلية لإنشاء شبكة اجتماعية تربط بين جميع الليبيين، وبين الشعب والدولة.

تكمن المفارقة الكبرى التي طبعت الثورة الليبية في عام 2011 في واقع أن هذا النشوء العفوي للجان المحلية، بناءً على روابط التضامن التقليدية، يمثل ما كان القذافي يدعو إليه في كتابه الأخضر ولكنه لم ينفذه قط. يمكن أن نشاهد حتى الآن عبارة "اللجان في كل مكان" على اللوحات الإعلانية في أنحاء البلد، لكن لم يدرك الزعيم الراحل يوماً أن الديمقراطية الشعبية الحقيقية ما كانت لتنجم عن عظاته المليئة بالنفاق بل عن معارضة قوية للنهج الذي اتبعه. وحده الوقت كفيل بإثبات مدى قدرة الليبيين على إرساء هذه الديمقراطية!

back to top