التشكيلي هرير دياربركريان: الفنان الحقيقيّ تصنعه نظافة قلبه
حنين بوجوهه كافة: الشوق وتوقان النفس وشدة البكاء وصوت الطرب عن حزن أو فرح... يستقبلك كدفق شعري في غاليري Hamazkayin Tutunjian في بيروت (برج حمود – الدورة). في معرضه الأخير بعنوان Nostalgia (حنين) يمضي الفنان التشكيلي اللبناني - العالمي هرير دياربركريان في ممارسة طقوسه البيزنطية بلوحات متواكبة مع الزمن أو متجاوزة له بلعبة لا تلتزم إلا بقواعد الجمال ومداراته.
عن التنوّع اللافت في لوحاته القادمة من ذات زمن والمستغرقة في محيطها، وعن خصبها وهياجها وحنينها الى الجسد ولغته وسكوته وانكساره وشموخه، تحدّث هرير متنفساً شغف الحالة التشكيلية.في معرضك الأخير بعنوان «حنين» الذي يتضمّن لوحات من السبعينيات والثمانينيات، يمكن للجمهور بأنواعه كافة حتى العادي وليس المتعمّق في التشكيل فحسب، أن يلتقط الحالات التعبيرية المسيطرة على المكان، كيف تفسّر ذلك؟الوصول إلى تحقيق هذا الوقع في نفوس الجمهور لا يتأتى إلا عبر أسلوب مغاير تتلقّفه العيون مهما اختلفت نظراتها وتطلّعاتها إلى الجماليات والمشاعر والأزمنة. فعلاً، ألاحظ من خلال معارضي كافة أن ريشتي يستقبلها المتلقون بحب وشغف.«حنين» إلى ماذا؟حنين إلى الأصالة اللبنانية وإلى بيروت، في مواجهة رسومات لا ينفكّ البعض يتجرأ على تسميتها إبداعاً في محاولة فاشلة لإبهار الجمهور. حنين إلى الجسد - الموديل الذي هو في الأساس قطعة من الجمال وليس سلعة. حنين إلى العري البديهي الملوَّن... شوق إلى الزمن الجميل وإلى التصادم معه والتوافق.الجسد قطعة جمال وليس سلعة، هل تقصد المرأة؟طبعاً. المرأة منذ كنّا تلامذة ترافقنا في لوحاتنا وهي تحاول جاهدة أن تتّخذ ولساعات الوضع الأجمل فتخترقها عيوننا لتصنع منها فناً لا منتجاً «باربيّاً» همّه قبل كل شيء التربّح المادي. الأنثى هي أمي والحب واللانهاية والإثارة والانكسار ثم النهوض، إنها التناغم والتناقض. الأنثى هي الحقيقة البصريَّة الجماليَّة.ماذا عن الحصان الذي لا يغيب عن معارضك كافة، وعندما يرسمه أحد الفنانين يُقال إنه طيف حصان هرير؟بدأت برسم الحصان عام 1975، وهو موضوع بحدّ ذاته في عالم هرير التشكيلي. أحب هذا الحيوان وقرأت عنه كثيراً حتى حفظت كل عضلة في جسمه، فأرى أنه رمز الشرق والأصالة والجمال والقوة. وأتحدّث هنا عن الحصان العربي وليس الإنكليزي.أشير هنا إلى أنني لم أخترع هذا الموضوع بل أضفت إليه وأعطيته جديداً، فميكالانج وفيلاسكيز وغيرهما كثر من الفنانين التشكيليين العالميين رسموا هذا الحيوان.كذلك تولي اهتماماً واضحاً بالدائرة.نعم. الدائرة موجودة في لوحاتي كافة تقريباً لأنني أنشد فيها الوضع الأبهى والهندسة الشكليَّة الصارمة والجذابة، والحياة واللانهاية والشمس التي تخترق داخليتنا فيما عيوننا تحاول أن تخترقها بإصرار وتُخفق.الألوان الصارخة عموماً وبتحدٍّ فني تلازم لوحاتك عادة، متى تشعر أنك تودّ تغييبها، في أي لوحة؟أختار الألوان تبعاً لأحاسيسي لا موضوع اللوحة، فربما أرسم اللوحة ذاتها مرتين وبألوان مختلفة بحسب تغيّر مشاعري. بالنسبة إليَّ، اللون، حتى الأبيض والأسود، هو كل ما يخترق عري سطح اللوحة بشحنة شاعرية معبّرة وإن اختلفت المستويات والتقنيات.في معرضي الجديد الذي أحضره لدولة قطر في السنة المقبلة، تبدو الألوان أقل وطأة. هل تعتقد أن الفن التشكيلي فن رسالة، ولماذا يغلب على لوحاتك الطابع الفلسفي؟الطابع الفلسفي ربما يعزّزه تعمّقي في تاريخ المنمنمات الأرمنية والفن البيزنطي والزخارف والخط العربيين. أمّا بالنسبة إلى الرسم كرسالة، فأنا ضد أي لوحة تأتي من عبث ولا تقول شيئاً لأن الأفكار لا بد من أن تُترجم وفي حالتي أكتبها نصوصاً تشكيليَّة، ولو كنت أتمتعّ بملكة الشعر لكتبتها قصائد.ما رأيك في اللوحات التي تناقش الأمور السياسية وغيرها التي تتعاطى في شأنَي المقاومة والقضية الفلسطينية؟عندما تدخل السياسة في الفن تقتله لأنها في الأساس أمر قبيح كلّه كذب وادعاء، فالحقيقة موجودة وملموسة في القضايا كافة، أما الكذب فالإنسان يخترعه والبعض يجد في التشكيل ملاذاً لكذبه.كيف تنظر إلى فن التجهيز والتركيب الذي يسيطر على الساحة العربية راهناً ويحوذ على اهتمام كثر؟اللوحة في الأساس فكرة تكرِّس للأهم في حياتنا، ربما تكون لوناً أو غرضاً أو موديلاً. تنتهي اللوحة عندما تصل الفكرة إلى نهايتها مهما اختلف الأسلوب من تجريد أو تجهيز أو تركيب... أحب الجمال وأرفض اللوحة التي لا تتجرأ على كتابته كمحرك ثقافي عموماً وفني عموماً، ولا تهمني اللوحة التي تدّعي أنها تقول شيئاً ما فيما هي في الحقيقة وأفتخر بأنني ما زلت ضمن لعبة اللون والظل... ولا ننسى أن الغاليريات تحاول أن تسوّق لبعض الذين يدعون الفن وأن تتربح من ورائهم، لكن الفنان الحقيقي هو الذي يستمر ويفرض نفسه على المدى الطويل، والفنانون الكبار تصنعهم نظافة قلوبهم وبراءتهم.هل تشارك في المزادات؟أجد أنها «كومبينات» كاذبة وكلّها مدروسة والقيمون عليها يتفقون مع الفنان مسبقاً على بيع لوحته بمبلغ معين. كيف أبيع لوحة في المزاد بـ35 ألف دولار، ثم أبيع {أختها} في منزلي بثلاثة آلاف دولار؟! كذلك أحافظ على سعر لوحاتي فلا أميّز بين رئيس جمهورية وإنسان عادي، والأسعار في لبنان وسورية تتراوح بين الخمسة والستة آلاف دولار، وترتفع في البلدان الأخرى.هل كانت لك معارض في الكويت؟طبعاً، وهي أول بلد عربي أقمت فيه معرضاً. كان في عام 1971 عندما دعتني وزارة الإعلام إلى صالة عبد الله سالم الصباح، وتفاجأت بأن الحميع كان يعرفني.كيف رأى الجمهور الأوروبي لوحاتك؟أُعجب باللون والأسلوب جداً، ولفتته الروحانيات في اللوحات، لا سيما أنني أنهل من الفن البيزنطي، الفسيفساء والزخرفة الإسلامية.مشروعك المقبل، أين ومتى؟كتاب يتضمّن مراحل مسيرتي كافة وربما أصدره في أوائل السنة المقبلة.