اليابان...هدوء الطبيعة وسحرها!

نشر في 24-12-2011 | 00:01
آخر تحديث 24-12-2011 | 00:01
أقف الآن على شرفة واسعة تعود إلى مطعم يقع في الطابق السابع من أحد مباني مدينة كيوتو، وأشاهد الشمس وهي تغيب ببطء عن المدينة اليابانية القديمة. في أسفل المبنى حيث المطعم، تظهر مطاعم مطلة على ضفتي النهر، ولافتات النيون المضاءة في سماء داكنة. من هنا، أرى طيور البلشون الأبيض والمالك الحزين وهي تنقض على الماء، وأسمع ضجيج زحمة السير في المدينة وهو أقل وطأة من ذلك الذي قد تسمعه في مدينة طوكيو التي تعجّ بالسيارات والدراجات والباصات.

رافقت صديقي دان إلى اليابان، بقربه كانت تجلس عروسه يوكيكو مرتدية فستان زفاف أبيض غربيّ الطراز. خلفنا، تجمّع حشد مؤلف من 50 شخصاً بمن فيهم عائلة العريسين والأصدقاء للاحتفال بزواجهما.

الطقس هنا رائع، فهو بارد ومشرق في آن. كذلك تظهر في السماء مجموعة سحب تخيّم فوق سطح أكثر من 2000 معبد ومزار منتشرة في مختلف أنحاء مدينة كيوتو، والظروف التي تعيشها هذه المدينة اليوم مختلفة تماماً عن تلك التي كانت تعيشها عندما ضربتها قبل أشهر عاصفة استوائية حاملةً معها أمطاراً غزيرة شبه دائمة. آنذاك، كنت ودان في مدينة أوكيناوا وكانت نشرات الأحوال الجوية تحذر من إمكان تحوّل العاصفة إلى إعصار قد يضرب الجزيرة في موعد عودتنا إلى كيوتو. كنت على يقين حينها بأنني تسبّبت لنفسي بمشكلة مع خطيبة دان بطلبي منه مرافقتي لممارسة رياضة الغوص في جزيرة أوكيناوا قبل يوم من زفافه.

لو كان الإعصار قد ضرب الجزيرة وتسبّب بإغلاق المطار، لكانت بذلة زفاف صديقي المضحكة والضيّقة آخر همّ عندنا. فعدم حضور زفاف ليس بالأمر الكارثي إذا ما قارناه بما أصاب اليابان في شهر مارس (آذار) الفائت، أي عندما ضربت البلاد هزة أرضية تولدت عنها أمواج تسونامي عاتية اجتاحت جزءاً كبيراً من الساحل الشمالي الشرقي وألحقت أضراراً بمفاعل فوكوشيما النووي. بالإضافة إلى حصيلة أموات بلغت 18000 نسمة وآثار بيئية وصحية سلبية تسببت بها هذه الكارثة الطبيعية في مختلف أنحاء البلاد.

أدت هذه الهزة إلى تراجع الاقتصاد الياباني بشدة، فبحسب وكالة الشرطة الوطنية اليابانية، دّمرت هذه الكارثة الطبيعية أكثر من 45000 مبنى وألحقت أضراراً بأكثر من 144300 مبنى، كذلك فاقت قيمة الخسائر التي تكبّدها الاقتصاد الياباني الثلاثمائة مليار دولار.

قطاع السياحة، الذي كان في أوجّه، تراجع في شهر آبريل (نيسان) من هذه السنة بنسبة 60%، مقارنةً بنشاطه خلال الفترة التي سبقت حدوث الكارثة. اليوم، بعد مرور أشهر على الحدث المأساوي، لا يزال أداء القطاع السياحي متراجعاً بنسبة تزيد على الثلاثين في المئة.

أعماق البحر

عندما أخبرني صديقي دان أنه ينوي الزواج، لم أتردد في المجيء إلى اليابان. يعيش دان في هذه البلاد منذ 12 عاماً، ويعمل أستاذاً جامعياً في مدينة كيوتو. كنت أعرف أن أقسام كبيرة من اليابان لا تزال تعاني آثار الكارثة الطبيعية، إلا أنني كنت مدركاً في المقابل أن كل من أوكيناوا التي تقع قبالة الساحل الياباني الجنوبي وكيوتو في وسط الجزيرة الرئيسة هونشو، منطقتان بعيدتان عن مركز الهزة الأرضية والتسونامي.

أردت ودان أن نقيم حفلة وداع عزوبية في أوكيناوا، ونغطس في أعماق البحر لنصل إلى مدينة يوناغوني القديمة التي يبلغ عمقها 24 متراً والتي يعتقد البعض أنها بقايا مدينة قديمة تتميز بأهراماتها الحجرية الضخمة وبحجارتها الكبيرة وبأشكال هندسية أخرى. في المقابل، يشك علماء الآثار في أن تكون هذه المدينة من صنع الإنسان. أردنا خوض غمار هذه التجربة للتحقق من ذلك بأنفسنا.

التقينا في ناها، عاصمة أوكيناوا المترامية الأطراف، وركبنا سيارة أجرة للوصول إلى شاتان سيتي، وهي مدينة صغيرة ذات طابع استوائي، حيث يقع معظم متاجر الجزيرة المتخصصة في بيع أدوات الغطس، كذلك تقع ثلاث قواعد عسكرية أميركية، لولا الحركة الجوية الشبه الدائمة التي تحدثها لما شك أحد في أن هذا المكان ِأشبه بجنة هادئة مطلة على المحيط. يمكن القول إن هذه المنطقة أكثر المناطق اليابانية تأثراً بإيقاع الحياة الغربي، إذ يشيع فيها استخدام اللغة الإنكليزية، وتضم مجمّع Mihama American Village المصممّ وفقاً لنموذج المجمّعات التجارية الغربية، والواقع على بعد مسافة قريبة من معظم الفنادق.

بعدما وضعنا أمتعتنا في فندق مطل على البحر، التقينا بدوغ بينيت، مدرّب الغطس وصاحب متجر أدوات الغطس Reef Encounters، الذي قدم للمرّة الأولى إلى أوكيناوا في مهمة في البحرية الأميركة وعاش هنا لمدة 20 عاماً. قال دوغ: «لا يبدو الوضع واعداً»، فالعاصفة نفسها التي ضربت كيوتو لا تزال مستقرّة فوق سماء أرخبيل أوكيناوا، ما سيجعل من الصعب الوصول بالطائرة إلى موقع الغطس عندما تضرب العاصفة اليابسة. لقد حوّلت الظروف المناخية مياه جزر كيراما النقية والشفافة (تتميز بغناها بالشعاب المرجانية المفيدة للصحة وبثروة حيوانية مثل سلاحف البحر الخضراء وقرش الشعاب المرجانية) إلى كتلة من الثلج.

تابع دوغ: «يضرب الجزيرة في كل موسم حوالى ثمانية أعاصير، وعندها لا يسعنا سوى الاختباء والانتظار». بعد موجة التسونامي وحادثة مفاعل فوكوشيما النووي، ألغيت حجوزات الغطس كافة، وبعد مرور أشهر على هاتين الكارثتين، بقي عمل دوغ متراجعاً بنسبة خمسين في المئة. كذلك لا تزال حتى اليوم حركة السياحة في أوكيناوا منعدمة إلى حد كبير، ولولا التواجد العسكري الأميركي على الجزيرة (35000 نسمة إضافة إلى المغتربين من أمثال دوغ)، لكانت الخسائر الاقتصادية التي تكبّدها قطاع السياحة أكبر بكثير مما هي عليه.

ألف لون ولون

لحسن الحظ، تتمتّع مدينة شاتان سيتي بحق ممارسة رياضة الغطس قبالة الشاطئ. امشِ خطوات قليلة قبالة الجدار البحري، لتجد أنك تطفو فوق حيد بحري يسبح في مياهه السمك الملائكي وتتمايل أطراف الشعاب المرجانية الأرجوانية.

غطسنا في المياه خلف دوغ الذي راح يسبح على طول قاع رملي ليصل بنا إلى فجوة موجودة في الحيد البحري. كانت تتمايل من تلك الفجوة شعاب مرجانية من ألف لون ولون. بعدما أصبحنا على عمق تسعة أمتار، بلغنا جداراً بحرياً أوصلنا إلى عمق ستة أمتار ومنه بلغنا قاع البحر الرملي. على هذا العمق تحديداً، اكتشفنا حقيقة الحيد البحري. تبيّن لنا أنه سلسلة صخور مثقوبة مغطاة بمجموعة كبيرة من الشعاب المرجانية الناعمة. كذلك رأينا أسماك البركودة الفضية واللمّاعة وهي تسبح في المياه وتجتاز الشعاب المرجانية ذات الأزهار القرمزية ومجموعة من فقاعات مرجانية متدلية مثل حبات عنب ناضجة وشفافة.

جمعت رحلة الغطس هذه التي دامت 45 دقيقة في طياتها سحر الألوان والملمس في آن. أمضينا الأيام الثلاثة التي تلتها في القفز على رجل واحدة أثناء زيارتنا مختلف المواقع الواقعة قبالة الجدار البحري حيث وجدنا أموراً مثيرة للاهتمام: سبحنا فوق الشعاب المرجانية المتماوجة الدائمة الحركة بفعل التيارات الهوائية، وتأملنا شقائق النعمان، وصادفنا ثعبان البحر والسمك الملائكي، كذلك شاهدنا زعانف سمك الأسد الخطيرة.

حوّلت العاصفة الوشيكة موعد غروب الشمس إلى مناسبة تتجمّع فيها الغيوم السريعة الحركة والشبيهة بالحمم البركانية، مقدمةً لوحة من الألوان يتداخل فيها الأحمر والبرتقالي. خيّم ظلام الغيوم على وهج مدينة ناها، وراحت أضواء طائرات الجيش الأميركي تخترق السماء المظلمة وهي تطلب الحصول على أمر بالهبوط.

في ناها، تذوقنا الساشيمي الأصفر مع الجالابينو وزيت الزيتون، وطبق الجزيرة التقليدي المكوّن من الليمون المرّ والبطاطا الحلوة والسوبا المقدّمة مع شرائح من لحم البقر الذي يعتبر البروتين المفضل لدى سكان الجزيرة. كذلك شربنا مشروب أواموري المعدّ من الرز والممزوج بالمياه والثلج.

في آخر يوم لنا على الجزيرة، ذهبت لأركض على طول الجدار البحري. كانت أمواج البحر عالية جداً، ما جعل ممارسي رياضة الركمجة يخرجون من المياه. كانت السماء تمطر بصورة مستمرّة فبللتني من رأسي إلى أخمص قدمي. لم يكن في المياه أي سباح أو راكب أمواج محترف. خشيت من أن تكون العاصفة قد وصلت. إلا أنه سرعان ما انقشعت الرؤية وتحسّن الطقس، ولم تضرب عاصفة روكي اليابسة إلا بعد 24 ساعة من رحيلنا.

بعد رحلة بالطائرة استغرقت ساعتين من ناها إلى كوبي، استقلينا الترام ومن ثم قطارين ومن بعدهما استقلينا قطار الأنفاق. كذلك مشينا لمدة 10 دقائق لنصل أخيراً إلى منزل دان في كيوتو حيث يقع في أحد الممرات الضيقة الواقعة قبالة شارع هادئ، ويتميز هذا البيت بأنه تقليدي ومؤلف من طابقين وفي كل غرفة أبواب ورقية جرّارة، إضافة إلى أنه يطل على النهر وعلى القصر الملكي. قال لي دان موجّهاً إصبعه إلى النافذة: «اشتريناه بسعر زهيد لأنه يطل على مقبرة، إذ يعتبر معظم اليابانيين أنها تجلب سوء الطالع».

قدّمت لنا يوكيكو على العشاء التوفو المقلي، وأمضينا الليلة بطولها ونحن نتمرّن على برنامج الزفاف. في صباح اليوم التالي، توجّهت إلى كيوتو.

زفاف تقليدي

استُهلت حفلة الزفاف باحتفال شينتو التقليدي الذي أقيم في مزار Shimogamo الواقع في شمال كيوتو. بعد ذلك، توجهنا إلى مطعم Mankamero الذي يعود إلى 280 عاماً، حيث تناولنا أصناف طعام شهية ومتبلّة في أطباق من السيراميك الأزرق والأبيض تتماشى مع لون حصير التاتامي الذي جلسنا عليه. كانت المياه تتدفق في حديقة المطعم الصغيرة وكنا نستطيع رؤيتها من خلال فتحة أبواب شوجي الورقية الفتوحة.

بعد الطعام، احتسينا الشاي ورحنا ندردش مع دان ويوكيكو والأصدقاء في ذلك المطعم الواقع في الطابق السابع. في صباح اليوم التالي، قررنا أن نحارب الدوار المتأتي عن سهرة الليلة الفائتة فتوجهنا إلى قرية Kibune الجبلية. اجتزنا طريقاً وعرة طولها تسعة أمتار تعلو فوق نهر جارٍ يمرّ بين الشجيرات والنباتات الخضراء. في هذه القرية، بنيت المطاعم بطريقة تسدّ تدفق المياه، وأقيمت الطاولات على أرضيات مثبتّة على صخور، في حين استخدمت ضفتا النهر لتكونا جداري العزلة اللذين يفصلان المطاعم عن سائر أقسام القرية، وكانت المصابيح الورقية تتدلى من السقف العالي المصنوع من الحصائر.

صعدنا طريقاً متعرّجة وضيّفة، ولاحظنا انتشار الأشجار القديمة على جانبي الطريق التي سلكها المسافرون لمئات الأعوام. مررنا بمعابد ومزارات، وتوقفنا في معبد Kurama الواقع فوق التلال المحيطة والتقطنا صوراً لـ»الصخرة الغريبة» التي يقال إن ماوسون الذي وصف «بملك غزاة الشر وبالمدافع عن روح الأرض» قد وقف عليها أثناء نزوله من كوكب الزهرة إلى كوكب الأرض في مهمة لإنقاذ البشرية. من بعدها، وصلنا إلى Kurama وذهبنا إلى الحمامات العامة، فجلسنا في حوض السباحة الخارجي الكبير وتركنا المياه الساخنة المتدفقة من ينابيع طبيعية تدلّك أرجلنا.

في النهاية، عدنا إلى كيوتو وتناولنا العشاء في مطعم Kushi Hachi الذي يقدّم جميع أطباقه على أعواد من الخشب، وتلذذنا بطعم طبق الرز واللحم.

كيوتو... إرث ثقافي

تقع مدينة كيوتو في مقاطعة ياماشيرو وهي محاطة من جوانبها الثلاثة بجبال شاهقة، تعتبر الطبيعة جزءاً لا يتجزأ من هذه المدينة بدءاً بالحياة البرية الكامنة في نهرها مروراً بأشجار القبقب التي تصبح حمراء اللون مع بداية كل فصل خريف ووصولاً إلى أشجار الكرز والبرقوق التي تثمر مع بداية كل فصل ربيع.

تتميز مدينة كيوتو بإرث ثقافي مثير للاهتمام. إذ تضم هذه المدينة، التي كانت في ما مضى عاصمة الإمبراطوية اليابانية، أكثر من 1600 معبد بوذي و600 مزار شينتو و17 موقعاً مدرجاً على لائحة الأونيسكو للتراث العالمي. لكن اليوم، يلاحظ انتشار كبير للافتات النيون في مختلف أنحاء كيوتو، وتنامي عدد الأبنية الشاهقة واكتظاظ الشوارع بحشود الناس. تدل هذه المؤشرات كلها على أن كيوتو بدأت تسير في ركاب الحداثة التي تتسم بها اليابان المعاصرة.

كي تنعم ببعض الهدوء، توجه إلى معبد Shunkoin. يقع هذا المزار الذي بني في عام 1590 داخل مجمّع Myoshin-ji الذي يضم 46 معبداً ويقع شمال غرب مدينة كيوتو.

يقدّم المعبد خدمة الإقامة في خمس غرف مزدوجة ويعطي صفوفاً في التأمل يقدّمها الراهب المقيم تاكافومي كواكامي الذي قال إن الحجوزات تراجعت بنسبة 60% بعد حدوث التسونامي.

كذلك تتميز هذه المدينة بمعبد Ninna-ji المبني في القرن التاسع والمدرج على لائحة التراث العالمي. وتضم منطقة Goten مجموعة من مبانٍ شيدت في العصر الإمبراطوري، أبرزها «الباغودا» المؤلف من خمسة طوابق.

من يرى موقع معبد Shunkoin قد يقول في قرارة نفسه إنه تم بناء هذا المكان خصيصاً لإتعاب زواره، فبالإضافة إلى معبد Ninna-ji، نجد حديقة الصخور Ryon-ji ومبنى Kinkaku-ji الذهبي اللذين يبعدان عن معبد Shunkoin 20 دقيقة بالدراجة.

back to top