حْصَيْنيَّك يا خَطِيبْ
تذكرت هذا المثل بل لم أجد تعبيراً أبلغ منه!! حين تناولت وسائل الإعلام التعليق على تصرفات بعض رجال الدين الذين كنا وما زلنا نحسن الظن بهم ونحسبهم والله حسيبهم من أهل التقوى والصلاح، ولكن رأيناهم يمارسون أفعالاً متناقضة مع أقوالهم على طريقة (حصينيك يا خطيب) فهم يريدون من الناس أن يقولوا إن هذا (الحصني) ما هو إلا أرنب ليأكلوها.
* مدخلذكر السيوطي في المزهر أن الأمثال حكمة العرب في الجاهلية والإسلام، وبها كانت تعاوض كلامها فتبلغ بها ما حاوَلَتْ من حاجاتها في المنطق بكنايةٍ غير تصريح، فيجتمع لها بذلك ثلاث خلال: إيجازُ اللفظ، وإصابة المعنى، وحسن التشبيه.فهي بذلك صالحة لكل زمان ومكان ويصح التمثل بها عند وقوع ما يتناسب معها من الأحوال وإذا كان ذلك يجري في أمثال العرب التي تجري على ألسنتهم فأمثالنا الشعبية جزء من هذه الأمثال وينطبق عليها ما ينطبق على غيرها ومنها المثل الذي عنونا به هذه المقالة.* حْصَيْنيَّك يا خَطِيبْ:قال العبودي (الأمثال العامية في نجد ج1/401): حْصَيْني: تصغير حصني... وهو الثعلب أخذاً من كنيته المعروفة عند العرب في القديم والحديث وهي (أبوالحصين) والخطيب عند أهالي شمال نجد هو رجل الدين كإمام المسجد وواعظ القرية أخذاً من كونه يخطب بهم الجمعة.وهذا من أمثال الشمال يقولون، أصله أن قوماً من العامة أمسكوا بثعلب في زمن مجاعة فذبحوه يريدون أكله فحضر إمامهم وكان جائعاً محتاجاً لأكل اللحم مثلهم، فسألهم عما ذبحوه، فقالوا إنه ثعلب؛ فلامهم على ذلك وقال حرمتموني أكل اللحم قولوا إنه أرنب، ولو كنتم تكذبون حتى لا أعلم بحرمته فيكون أكله حلالاً لي.قالوا: فلما نضج وقربوه للأكل حضر إليهم وسألهم ثانية: ما هذا الذي طبختموه؟ وذلك رجاء أن يقولوا إنه أرنب فيأكل على مسؤوليتهم ـ بزعمه ـ فأجابوه: (حْصَيْنيَّك يا خَطِيبْ) أي هو ثعلبك الذي سبق أن عرفته أيها الخطيب.تذكرت هذا المثل بل لم أجد تعبيراً أبلغ منه!! حين تناولت وسائل الإعلام التعليق على تصرفات بعض رجال الدين الذين كنا وما زلنا نحسن الظن بهم ونحسبهم والله حسيبهم من أهل التقوى والصلاح، ولكن رأيناهم يمارسون أفعالاً متناقضة مع أقوالهم على طريقة (حصينيك يا خطيب) فهم يريدون من الناس أن يقولوا إن هذا (الحصني) ما هو إلا أرنب ليأكلوها هنيئاً مريئاً وهم يعلمون علم اليقين أنها ما هي إلا لحم (أبي الحصين) المشوي!فهذا المثل يضرب لعدم اختلاف الشيء فما يحرم قبل الطبخ كلحم الثعلب هو حرام بعد الطبخ حتى ولو قيل أنه لحم أرنب. قال العبودي نقلاً عن مجمع الأمثال للميداني: ويشبهه من الأمثال العربية القديمة قولهم :(نِقِّي نقيقك فما أنت إلا حبارى) قال الميداني: قاله رجل اصطاد هامة ـ أي بومة ـ فنقت في يده أي صوتت قال أبوعمرو: يضرب هذا عند التغميض على الخبيث لحساب الطيب. وقال مثل ذلك العسكري في جمهرة الأمثال.والحقيقة أن البومة تبقى بومة محرم أكلها حتى لو قلنا جميعاً أنها حبارى ولكن صاحبنا أرادها أن تتحول بقدرة قادر إلى حبارى تحقيقاً لرغبته الجامحة في التهامها!!والناس قد وصلوا إلى درجة من الوعي تمنعهم أن يقولوا للشيخ الفاضل أن اختلاط المجالسة هو الاختلاط العارض لأنه لا فرق بين ما فعله وما منعه سابقاً كما لن يقولوا أن (سمر المقرن) من قواعد النساء لأنها في الحقيقة ليست من القواعد !! بل سيقولون (حصينيك ياخطيب).ولن يقولوا للشيخ الفاضل الآخر إن الأغاني التي تدندن على العود إنما هي نشيد خال من الآلات الموسيقية لمجرد تعاونه مع فنان كبير كمحمد عبده بتلك القصيدة العصماء التي أشهر بها كل (بائعات الفصفص) ولكنهم سيقولون (حصينيك يا خطيب).ولن يقولوا للشيخ الفاضل الثالث إن القدس انتقلت إلى سطح عمارة في الأردن لأنها في الحقيقة لم تنتقل سواء بـ(طريقة معينة) أو غير معينة، فالكذب هو الكذب و(المهايط) هو (المهايط) والتدليس هو التدليس ودغدغة مشاعر الناس هي الدغدغة ولذلك فسيقولون (حصينيك يا خطيب).وأخيراً.... عجيب أمر أمثالنا الشعبية هذه فهي متجددة رغم تراثية ألفاظها واستغراقها في العامية، قادرة على التعبير عن الأحوال في كل زمان بأقل الكلام وأبلغه ومنها المثل الذي يرد في هذا البيت:الشايب اللي ينقل الكبر والزوميقرا الكتاب ولا يهاب المضلة* مخرج:قال الشاعر سعيد بن علي بن بدحان ـ رحمه الله ـكم واحدٍ له لحيةٍ ما حلقهايفطر بخلق الله على فكة الريق