بلاد الشام في العصور الإسلاميَّة الأولى...قصّة تجارب الحكم المبكرة

نشر في 15-09-2011 | 00:01
آخر تحديث 15-09-2011 | 00:01
No Image Caption
صدر حديثاً عن «دار نوفل» كتاب «بلاد الشام في العصور الإسلامية الأولى» للمؤرخ اللبناني كمال الصليبي، قبل أيام من رحيله.

نُشرت هذه الدراسة أساساً بالإنكليزية عام 1977، وهي تعالج مرحلة تاريخية مهمة للغاية. إذ تركّز الجهد على المعاصي التي اضطر الى مواجهتها الحكم في بلاد الشام، والتحالفات التي فرضتها عليه، وتكشف سبب هشاشة الدول المتتالية نتيجة هذه الظروف. وعلى رغم صعوبة بعض المراجع التاريخية الأساسية التي اعتمدتها الدراسة، فإن المؤلف نجح في تحليلها ثم قصها، كعادته، بأسلوب سلس ومشوّق.

يشمل هذا الكتاب فترة تمتد على مدى القرون الخمسة الأولى لبلاد الشام في العصر الإسلامي، وتنتهي بوصول طلائع جيوش الفرنجة إلى إنطاكية، في ما يسمى الحملة الصليبية الأولى. وتحصر هذه الفترة الزمنية قصة مكتملة بحد ذاتها، قصة التجارب المبكرة للحكم الإسلامي في بلاد الشام، والمشاكل التي واجهها، وكيف عجزت كل دولة إسلامية بدورها عن التحكّم بهذه المنطقة. ويركّز المؤلف بطبيعة الحال، على التطورات التي حدثت خلال هذه الفترة في بلاد الشام نفسها، علماً أن الأمر اقتضى، من وقت إلى آخر، الخوض في مواضيع جانبية من تاريخ الإسلام الشامل، وعالم البحر المتوسط، للدلالة على تأثير العوامل الخارجية المتعددة التي تضمّنتها الرواية.

سيادة هشّة

يفيد الصليبي أنه بوصول الإفرنج إلى إنطاكية سنة 1097، انتهت مرحلة من تاريخ بلاد الشام والتي كانت قد بدأت بتداعي النظام الهليني الإغريقي المدني في البلاد تحت وقع الفتح العربي. ولم تكن المدنية الهلينية في الشام، حتى في أوجها، أكثر من لمعان سطحي، على رغم ومضات من التألّق. فتحت المظهر الخارجي، كان ثمة نوع من الرجعية عادت وبرزت بسرعة، بشكل أو بآخر، كلما أتاحت الظروف ذلك. وخارج المدن التي دخلتها الهلينية، حيث كانت طبقة مزدهرة من البورجوازيين المحليين تقلّد عادات المستعمرين الإغريق أو الرومان المقيمين بينهم، وكانت الأرياف الأكثر محافظة، بفلاحيها وقبائلها، تتمسّك بتقاليدها الضيّقة القديمة بتشبّث عنيد.

الصحراء

يتابع الصليبي، أنه ومن الصحراء القريبة، الممتدة شرقاً إلى العراق وجنوباً إلى أقصى أطراف شبه الجزيرة العربية، كانت قوى قبلية تربطها صلات قربى عرقية بفلاحي بلاد الشام البائسين تظهر على الساحة مرة تلو أخرى لتدعيم المقاومة المحلية ضد النظام القائم. وعندما كان الحكم الإغريقي أو الروماني قوياً، كان التململ المزمن للأرياف والتعديات المخربة من الصحراء تظل ملجومة، بالقوة العسكرية أحياناً، وأحياناً بالتكيف المرن. وعندما دُمر أخيراً النظام الروماني في البلاد بشكله البيزنطي المتطور بسبب الفتح العربي، أدى انفجار القوة القبلية الذي شمله هذا الفتح إلى انقلاب اجتماعي جذري، جاعلاً بلاد الشام ترتد سريعاً إلى ما كانت عليه، ومؤذناً ببدء عهد جديد.

فما كادت الفتوحات العربية لبلاد الشام تكتمل حتى باشر حكام دمشق الأمويون، بالنيابة عن الخلفاء المسلمين في المدينة المنورة، ببذل الجهود لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من التراث الهليني المحلي. وفي فترة لاحقة، عندما استولوا على الخلافة، تابع الأمويون هذه السياسة لصالح الدولة المسلمة الفتية والمتنامية. فعلى المدى الطويل، لا تستطيع قوة حاكمة السماح بأن تصبح المدن خراباً لا يمكن إصلاحه، أو بأن ينهب البدو ممتلكات زراعية منتجة فتتحوّل إلى أراض قاحلة بالكاد صالحة كمراع. إلا أن التجربة الأموية، على رغم بعض النجاحات في البداية، فشلت في بلاد الشام. فكانت القبائل العربية، التي حاول الأمويون لجم مطامحها، العماد العسكري لسلالتهم، وكان عليهم على الدوام تقديم التنازلات أمام مطالبها النهمة على حساب الانتظام الإداري. وبحلول منتصف القرن الثامن، سئم الخلفاء الدمشقيون الفشل المتكرر لجهودهم الرامية إلى ضبط الفوضى في مقاطعتهم، فأخذوا يجارونها باستسلام متهور. وعندما شارف العهد الأموي على الانتهاء، كانت القبلية العربية في بلاد الشام قد بدأت تسلك الطريق إلى الانتصار.

الخلفاء

عن فترة الحكم العباسي، يلفت الصليبي إلى أن الخلفاء العباسيين الأوائل، تمكنوا بصفتهم حكام إمبراطورية إسلامية ثبتت قاعدتها، من فطام الدولة المستعمرة المسلمة عن الاتكال العسكري الكامل على القبائل العربية المشاغبة والنهابة. ففي بغداد، قرب المدائن، عاصمة الساسانيين القديمة، نجح هؤلاء في إنشاء إدارة قائمة على التقاليد المدينية الساسانية التي تمكنت من البقاء بعد الفتوحات العربية لبلاد فارس ولأجزاء من العراق. وخلال مئة سنة، كان قد تشكل نظام مديني مسلم جديد، يجمع بين السنية التي ترعاها الدولة، أي الإسلام السني بصياغة الفقهاء التقليديين المتقنة وبين حضارة عالمية، فارسية النكهة، تستخدم التعبير لغة عربية ذات أساليب غنية. تولّى الخلفاء العباسيون في القرنين الثامن والتاسع، بإدارتهم الجيدة للدواوين وبقواتهم المسلحة المنضبطة والمختلطة عرقياً، إدخال نظامهم المديني إلى بلاد الشام بتصميم وعزم. إلا أن القوى القبلية أبدت مقاومة ضارية لم يتمكّن تصميم العباسيين من قهرها في النهاية. فالثورات القبلية كانت تقمع في منطقة لتعود وتظهر في منطقة أخرى بقوة أكبر.

في تلك الأثناء، كانت ثمة خلافات دينية عنيدة تنبت بين السكان المسلمين، تتحدى السنية الشرعية المنظمة التي تنادي بها الحكومة المركزية في بغداد وتدعمها. وبينما تطوّرت هذه البدع تلقائياً، برزت أخرى استجابة لتأثيرات خارجية خفية ومخربة من اسبانيا وشمالي افريقيا ومصر والجزيرة العربية. وبحلول القرن العاشر أصبحت بلاد الشام الملاذ المفضّل لمختلف المذاهب الشيعية التي كانت ترفض الاعتراف بشرعية الخلافة العباسية. وأصبحت السلمية، إحدى مدن بلاد الشام، مقر الإمام الاسماعيلي الغائب الذي فرّ إلى شمال أفريقيا ليؤسس الخلافة الفاطمية المنشقّة عام 909. وفي الوقت نفسه قامت سلسلة من الاجتياحات لبلاد الشام على يد القرامطة، القبائل الآتية من شرقي شبه الجزيرة العربية، ودفعت الفوضى المتأصلة في بلاد الشام إلى أقصى حدّها، ووضعت البلاد في حالة تشوّش مطلق.

مغامرة فاطميّة

يلفت الصليبي إلى أنه بحلول القرن العاشر، كانت مصر التي فتحها الفاطميون عام 969 تتطوّر بسرعة كمركز للحضارة الإسلامية يضاهي بلاد فارس والعراق. فانتعاش التجارة التدريجي في أوروبا الغربية، وبروز المدن الإيطالية حضّا على إعادة تنشيط التجارة في البحرية المتوسطية، التي كانت قد فترت منذ عهد الفتح العربي. ولأن بلاد الشام، بموانئها البحرية الممتازة في منتصف الطريق بين بيزنظية ومصر، أصبحت بطبيعة الحال ميدان التنافس بين الفاطميين والبيزنطيين، كل منهما يحاول السيطرة على أكبر عدد من المراكز الرئيسة فيها. وإذ تعاظمت المنافسة بين القوتين المستعمرتين، زادت التوترات بين الأهالي المسلمين والمسيحيين، ما أدى إلى انفجارات عنف من حين إلى آخر.

ومثلها مثل الخلافة العباسية التي خلّفتها في بلاد فارس والعراق، كانت الخلافة الفاطمية، التي أقامت مركزها أخيراً في مصر، ترعى تطوير نظام مسلم مديني يتماشى مع مصالح اقتصادها التجاري المتنامي. وقد حاول الخلفاء الفاطميون جاهدين إدخال هذا النظام إلى بلاد الشام، حيث كان انتعاش التجارة في ذلك الوقت يعكس نمواً مدينياً تلقائياً. ولا مجال للشك في أن مدناً كالرملة وطبريا ودمشق وطرابلس وحلب كانت ستستفيد كثيراً من إقرار النظام الفاطمي المديني. إلا أن القبلية في بلاد الشام في القرن الحادي عشر كانت في ذروتها وأثبتت أن إخضاعها مستحيل. كذلك الأمر في المدن، فالأقليات التجارية المهيمنة التي بدأت تبرز أظهرت أنها رافضة التخلّي عن نفوذها المحلي والانصياع لسيطرة أجنبية. وبقطع النظر عن سائر الاعتبارات، فالفاطميون، كالإسماعيليين، فشلوا في جعل حكمهم شعبياً في مدن بلاد الشام، التي كانت إما سنية متمسّكة(كدمشق وطبريا والقدس والرملة)، أو شيعية اثني عشرية صامدة (مثل حلب وصور وطرابلس). وفي الحالتين معادية مبدئياً للإسماعيلية. ومن غرائب التناقض أن الفاطميين، الذين كانوا في بلاد الشام، واهتموا بشكل خاص بتثبيت سيطرتهم على المدن الهامة تجارياً، كانوا مضطرين إلى البحث عن الدعم السياسي بشكل حصري تقريباً في الأرياف القبلية الراكدة اقتصادياً، لأن اسماعيليتهم، كتحد للنهج السني، كانت تستحث ترحيباً أوسع هناك. وكان الفشل النهائي للنظام الفاطمي في بلاد الشام هو النتيجة الطبيعية لعقائده الدينية والسياسية.

وفي غياب إدارة منظّمة للدولة أو شبه غيابها، وبدءاً بالقرن العاشر حافظت سلسلة متعاقبة من الإمارات الإقليمية والحكومات المدينية الاستبدادية على اليسير من النظام في بلاد الشام، كالحمدانيين والمرداسيين، وشيوخ آل فصيص في اللاذقية أو آل عمار في طرابلس. وخلال العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العاشر برز نجم السلاجقة الذين اجتاحوا بلاد الشام بحلول العام 1071، وتسبّبوا بانبعاث فاعل للنظام المديني المسلم الذي طوّره أساساً العباسيون.

back to top