حكايات الفاجومي (5): يرويها أحمد فؤاد نجم.. الشعب هو المعلّم والفقراء وقود الثورات

نشر في 05-08-2011 | 22:02
آخر تحديث 05-08-2011 | 22:02
يكمل الشاعر الكبير أحمد فؤاد نجم، في الحلقة الخامسة من حكايات الفاجومي، سرد الذكريات التي جلبتها عليه ثورة يناير ويتحدّث عن وقود الثورة من البسطاء والعمال والفقراء وانحيازه الدائم إليهم ووقوفه ضدّ أي سلطة غاشمة بقصائد لاهبة ضد رأس النظام أنور السادات.

يحكي الشاعر عن سنوات إقامته في السجن والقصائد التي كتبها في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات، حيث أمضى غالبية فترة حكم الرئيس الملقّب بـ{المؤمن» سجيناً، ما جعل كلماته محفورةً في الوجدان المصري، بوصفها أغنيات المظاليم في العهد الساداتي، وما أكثرهم، بحسب تجربة نجم، يحكي عن واقعة الهجوم عليه هو والشيخ إمام والشاعر العربي الكبير أمل دنقل من تتار «الأمن» في ذلك الوقت، وهم القوة التي طالما استخدمها النظام المصري الحاكم للسيطرة على المصريين، وقد صارت آيلة للسقوط منذ اندلاع ثورة 25 يناير.

في بداية السبعينيات جاءتني مجموعة من الطلبة يطلبون نسخًا من القصائد التي كتبتُها في السجن، ويسجلون بعض أغانيها لينشروها في صحف الحائط ويذيعوها في ندواتهم بالجامعة، قالوا إنهم بدأوا اعتصاماً في الجامعة، فسألتهم عن السبب، قالوا: نريد تحرير الإنسان الذي سيحرّر الوطن المحتل، شعرت بهم وأحببتهم، لديهم ثقافة وخفّة دم، ببساطة «بينقطوا عسل»  فقلت لهم: أنا معكم؟ قالوا لا، لو ظهرت في الاعتصام سيهدمونه فوق رؤوسنا، بعدها زرتهم أنا والشيخ إمام ووجدتني أقول:

«رجعوا التلامذة،

يا عم حمزة للجد تاني»

وفي حفلة جامعة القاهرة قلنا «مصر يا أمة يا بهية»، وأعدنا الكرّة في جامعات المنوفية والمنصورة وعين شمس، وجاء السادات فعصف بنا جميعاً وأخذنا معهم، كانوا أكثر من 2000 طالب، سُجنت بسبب «رجعوا التلامذة» 25 يوماً، وكتبت خلال تلك الفترة «بلدي وحبيبتي}، و{ورقة من ملف القضية».

عطشان يا صبايا

بعد الإفراج عني لم أتوقّف عن الاندساس وسط الطلاب، فقُبض عليَّ ثانيةً في 29 ديسمبر 1972، بسبب قصائد ألقيتها في الندوات الطلابية، وما كانت تقتطفه صحف الحائط الجامعية من أشعار، باعتبارها أحد العوامل الرئيسة في إثارة الطلاب وتحريضهم، وخلال الأشهر التسعة التي أمضيتها خلف القضبان بين ديسمبر 1972 وأواخر سبتمبر 1973 تنقلت بين أربعة سجون، هي القلعة والاستئناف والقناطر الخيرية وأخيراً سجن شبين الكوم، في هذه الفترة كتبت ثماني قصائد أربع منها في سجن القلعة هي: «صباح الخير على الورد اللي فتح في جناين مصر»، و{قوقة» و{الفوازير»، واثنان كتبتهما في سجن القناطر وهما: «شيد قصورك» وكتبت الأخيرة في سجن شبين الكوم وهي «كلمتين لمصر».

كنتُ أسخر من كلّ الذين شاركوا في حملة التنديد بالحركة الطلابية، بمن فيهم الرئيس السادات نفسه، فأطلقت عليه اسم «أوأه» ووصفته بالمجنون، وشاع الإسم بين المعارضين كاسم حركي للرئيس السادات إلى أن طوّرت شخصية «أوأه» إلى «شحاتة المعسل» في قصيدة «بيان هام» عام 1976، فتغيّر الإسم الكودي للرئيس السادات إلى الإسم الجديد، الذي كان أقل هجاء وأكثر دلالة، وعلى رغم كل هذه المرارات كان لانتصار 73 وقع آخر عليّ، أهديت قصيدة «دولا مين ودولا مين» للشهداء في عام 1973، وفي شهر أكتوبر قامت الحرب، بعد أسبوع واحد من مغادرتنا السجن، لكنها حققت ما كنا نطالب به، فكتبت خلال الأسابيع الثلاثة التي تلت الحرب أربع قصائد هي: «ضليلة فوق رأس الشهيد» و{منشور علني رقم 1»، و{دوله مين ودول مين»، و{عطشان يا صبايا».

«دوْله مين ودوْله مين،

دوْله عساكر مصريين،

دوْله مين ودوْله مين، دوْله أولاد الفلاحين،

دوْله الورد الحر البلدي،

يصحا يفتَّح تصحي يا بلدي».

كتبت أيضاً قصيدة «عطشان يا صبايا»، حيث كنا نعيش ملحمة مدهشة أبدعها الجندي المصري بعدما عبر قناة السويس وفي عز هذه النشوة الحلوة واللحظة التاريخية فوجئنا بالسادات يعلن قبول مصر وقف إطلاق النار فنزل كلامه على رؤوسنا كالماء البارد، ساعتها سمعت زوجتي وكانت حينها صافيناز كاظم تقول: مش هاين عليهم ينتصروا، فدخلت حجرة النوم وقفلت الباب على نفسي وكتبت «عطشان يا صبايا»، وعلى فكرة حرب أكتوبر هي إنجاز القوات المسلحة وليست إنجاز السادات، لذلك غنّيت للحرب وأنا سميت ابنتي نوارة الانتصار، وقد لُحّنت أغنية «دوله مين» خمس مرات: من الشيخ إمام وكمال الطويل وجعفر حسن وفرقة روزاليوسف ولحن في الأرض المحتلة. بعد عام 1973 بدأت ملامح المشروع الساداتي تتّضح وهو المشروع المغاير كلياً للمشروع الناصري، فعدنا إلى الأسوار مجدداً.

نيكسون

لم يكد يهلّ عام 1974 حتى ذوت آمال كل الذين يتوقعون الى أن تسفر الحرب عن نتائج عسكرية أكثر حسماً، وفي العام نفسه كتبت قصيدة للهجوم على التوجهات الاقتصادية والسياسية التي انتهجتها إدارة الرئيس السادات، في أعقاب حرب أكتوبر، وهي قصيدة «ع اللي حاصل في الحواصل»، فبعد أسابيع وفي 12 يونيو 1974 وصل إلى القاهرة الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون في أول زيارة يقوم بها رئيس أميركي لها، وفي الوقت الذي توقّع فيه الكثيرون أن تتوّج هذه الزيارة بالزبد والعسل وإرغام إسرائيل على الرحيل عن بقية الأرض المحتلة، كتبت قصيدة «حسبة برما بمناسبة زيارة ابن الهرمة» و{شرَّفت يا نيكسون بابا»، كانت الثانية بعد قصيدة «قوقة»، فطلب السادات من أجهزة الأمن أن تبحث عن وسيلة قانونية لمعاقبتي على تأليفها، وبالفعل لُفّقت قضية عُرفت بقضية «شرَّفت يا نيكسون بابا»، وهي تحمل في أوراق النيابة العامة رقم 501 حصر أمن دولة عليا لسنة 1974، وهي تعطي صورةً واضحة المعالم للقسوة التي يتعامل بها رجل الأمن مع المبدع أو الأديب.

تعاملي مع نيكسون كان قبل ذلك بكثير عندما أفردت «أخبار اليوم» صفحات مجلاتها وصحفها للحديث عن الفتى نيكسون عندما فاز في الانتخابات الأميركية واصفة إياه بأنه من أشيك رجال العالم والأكلات التي يحبها، ذلك كلّه في الوقت الذي يحمل فيه الشعب المصري على كاهله، حمل الشهداء والمعاقين بسبب الحرب، الذين كانوا في كل بيت، وحمل الثأر من العدو إذ كنا نريد أن نكون مصريين «حقيقيين» وكان لا بد من التعليق على تلك المهاترات المقززة، فكتبت «شرفت يا نيكسون بابا».

وحين لحّنها الشيخ إمام جلسنا نغني سعداء بالمولود الجديد، الذي أخذنا من جو البلد الخانق لدرجة القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد، قلت للشيخ إمام هكذا يتفرق دمنا بين القبائل، فتنهد الشيخ إمام وقال: «اشتدي يا أزمة تنفرجي»، ولا أعرف سبباً يجعلني أمسك القلم وأكتب: «دور يا كلام»..

ولحّنها الشيخ إمام وكما هي العادة ظللنا نغني فيها يومين وبدأت أشعر بآلام رهيبة في معدتي مع رفض تام للأكل والشرب، مرضت ونمت على سريري الجميل الذي صنعته على يدي من باب «الحاجة أم الاختراع»، أربعة قوالب طوب أحمر ورحت فارد عليه قفص عيش جريد وفوق القفص فردت كمية من ورق الجرايد وفوق ورق الجرايد فرشت بطانية بخسة، وأذكر أول مرة قبضوا عليّ في عصر الرئيس المؤمن، كنا نجلس أنا والشيخ إمام والشاعر أمل دنقل الذي كان جالساً يشطب في قصيدته الجميلة «الكعكة الحجرية». وحين هجم التتار كنت حريصاً على عدم إزعاج أمل دنقل، الذي كنت أحبه وفوجئنا برئيس التجريدة يقول: مساء الخير الرائد أحمد عبدالله كشك من مباحث أمن الدولة، قلت له:

«أهلا بالتلفزيون» وذهبت معهم إلى المعتقل، لكن السادات ضاق بي أنا وإمام، وأنا كتبت مجموعة قصائد جنّنته، وأشهرها القصيدة اللي دخلت البرلمان: قل أعوذو/ مد بوزو/ الجبان ابن الجبانة.

«رجعوا التلامذه»

رجعوا التلامذه

يا عم حمزه

للجد التاني

يا مصر إنتي

اللي باقيه وإنتي

قطف الأماني

لا كوره نفعت

ولا أونطه

ولا المناقشه وجدل بيزنطه

ولا الصحافه

والصحفجيه

شاغلين شبابنا

عن القضية

قيمو لنا صهبه

يا صهبجيه

ودوقونا طعم الأغاني

رجعوا التلامذه

للجد تاني

طلعوا التلامذه

ورد الجناين

اسمع يا ميلص

وشوف وعاين

ملعون أبوك ابن كلب خاين

يا صوت أميركا

يا أميركاني

«بهيه»

يسبق كلامنا سلامنا يطوف ع السامعين

معنا

عصفور محندق يزقزق كلام موزون وله معنى

عن أرض سمرا

وقمره

وضفه ونهر ومراكب

ورفاق مسيره عسيره

وصورة حشد ومواكب في عيون صبيه بهيه

عليها الكلمة والمعنى

مصر يامه يا بهيه

يام طرحه وجلابيه

الزمن شاب

وإنتي شابه

هو رايح

وانتي جايّه

جايه فوق الصعب ماشيه

فات عليكي ليل وميهَّ

واحتمالك هوَّ هوَّ

وابتسامتك هيَّ هيَّ

تضحكي للصبح يصبح

بعد ليله ومغربيه

تطلع الشمس تلاقيكي

معجبانيه وصبيه

يا بهيه

الليل جزاير جزاير

يمد البحر يفنيها

والفجر شعله ح تعلا

وعمر الموج ما يطويها

والشط باين مداين

عليها الشمس طوّافه

إيدك في إدينا

ساعدنا

دي مهما الموجه تتعافى

بالعزم ساعة جماعة

بالإصرار نخطيها

مصر يامه يا سفينه

مهما كان البحر عاتي

فلاحينك ملاحينك

يزعقوا للريح يواتي

اللي ع الدفه صنايعي

واللي ع مجداف زناتي

واللي فوق الصاري كاشف

كل ماضي وكل آتي

عقدتين والتالته تابته

تركبي الموجه العفيه

توصلي بر السلامه

معجبانيه وصبيه ... يا بهيه

ويعود كلامنا بسلامنا

يطوف ع الصحبه حلواني

عصفور محني

يغني على الأفراح

ومن تاني

يرمي الغناوي تقاوي

تبوس الأرض تتحنى

تفرح وتطرح وتسرح

وترجع تاني تتغنى

اللي بنى مصر كان في الأصل

حلواني

معتقل القناطر / 1969

«بيان هام»

هنا شقلبان

محطة إذاعة حلاوة زمان

من القاهره

ومن كردفان

وسائر بلاد العرب

واليابان

ومن فنزويلا

وأيضاً إيران

ومن أي دار

أو بلد مستباحه

بفعل السياحه

مع الأمريكان

هنا شقلبان

محطة إذاعة حلاوة زمان

نقدم إليكم بكل اللغات

مراسح وسيما وجميع الفنون

صحافة ومنابر

وتليفزيونات

وخطبا ف جوامع

وجبنه وزتون

ونقزح ونركب جميع الموجات

ونبحث ونفهم

في كل الشؤون

ودايما نلعلع في كل الحالات

ولا حد سامع

ولا يحزنون

وتسمع ما تسمع

دا ما يهمناش

لأن إحنا أصلا

بناكل بلاش

فخليك في نفسك

وما تخليناش

نسلط عليك القلم

واللسان

هنا شقلبان

محطة إذاعة حلاوة زمان

يسر الإذاعة

وما يسركوش

بهذي المناسبه

وما بندعيكوش

نقدم إليكم

ولا تقرفوش

شحاته المعسل

بدون الرتوش

شبندر سماسرة بلاد العمار

معمر جراسن للعب القمار

وخارب مزارع

وتاجر خضار

وعقبال أملتك

أمير الجيوش

ما تقدرش تنكر

تقول ما أعرفوش

ما تقدرش أيضا

تقول ما أسمعوش

شحاته المعسل

حبيب القلوب

يزيل البُقَعْ

والهموم والكروب

يأنفس

يأفْين

يبلبع حبوب

ويفضل يهلفط

ولا تفهموش

وتفهم ما تفهم

دا ما يهمناش

لأن انت فاهم

وعامل طناش

ح تنكر وتحلف

ح أقول لك بلاش

ح تتعب دماغنا

وتتعب كمان

هنا شقلبان

محطة إذاعة حلاوة زمان

لأن المخبي ظهر واستبان

وكل المسائل

بدت للعيان

وطلع حكاوى

ونزلت كمان

عن التهريبيه

وعن كيت وكان

وعن محسوبيه

وعن أُلعبان

ظهر في المدينه

كأنه الطوفان

وغرَّق مراكب

وسوَّح غيطان

وبعض المراكب

ح تغرق كمان

وأزمة مساكن

وأزمة أمان

وعالم بياكل

في عالم جعان

وريحة مؤامره

في جو المكان

مخطط خيانه

مع الأمريكان

لدبح العشيره

وحرق الجيران

وفيه ناس بترغي

ولازم بيان كما أبلغونا

جميع الودان

لهذا وذاك .. وتلكم كمان

نقدم إليكم

عروسه وحصان

شحاته المعسل

وهذا البيان

هنا شقلبان

محطة إذاعة حلاوة زمان

بسم الله

سلام عليكم

وسلمون وموز

وأما المسائل

فَهَنْجَفْ ولوز

فيا إخوتي

ويا أخوات

إليكم بياني

كما هو آت

جميع المسائل

تمام التمام

وكل الكلام دا مجرد كلام

فصبراً جميلاً

ولا تقلقوش

وشغل الضغاين

أنا ما أقبلوش

ما فيش أي حاجة

علىّ الطلاق والعتاق بالتلاته

وما فيه أي حاجه

وقدَّر كمان إن فيه أي حاجه

ما فيش أي حاجه

مالوش أى لازمه الكلام

واللجاجه

وعيب إن عيَّل يسوق السماجه

ويعمل لي باللو

ويعمل ديباجه

أنا بطبعى ضد السماسره الكبار

بحكم المنافسه

وحكم الجوار

لكن مش ف طبعي

إني أعمل فضيحه

لواحد زميلي

هبش كام صفيحه

ماكل الزمايل

بتهبش صفايح

وكل اللي جاي

ماشي زي اللي الرايح

فيا أيها الشعب

صهين تفلعص

مساء التنفس

مساء الروايح

أخويا الأمير بزرميط الإيراني

بعت لي السنا دي

عزمنى ودعاني

أنا قبلت طبعاً

ورحنا العزومه

وكانت وليمه

ما تحصلش تاني

دا إيه المحمَِّر

وإيه المكمَّر

وإيه المشمَّر

وإيه الصواني

أنا دماغي تعبت

ولفت صراحه

من الفخفخه

والهنا الأصفهاني

هناك يعني مثلاً

إذا شربت طافيه

تمز بكوارع

وبسطرمه ضاني

ماشفتش هناك

ناس بتحقد عليهم

ولا ناس بتشتم

فلان الفلاني

لأنه اشترى عزبتين

من شطارته

وحكمة إدارته

وطلع مباني

وبعد الوليمه استلمنا الهدايا

مفضَّض

ومُدْهَب

وقزّ وقيشاني

وطبعاً أخويا الأمير

قال لي حاجه

ح أقولهالكوا طبعا

إذا الوقت ناسب

ح يطلع لي عيَّل

بدون أي حاجه

ويعمل لي فلحس

ويقعد يحاسب

دا حقد اشتراكي أنا ما أقبلوش

ولو هو ابني أنا ما اعتقوش

من سفير الفقراء

إلى «تميمة» الثورة

يعتقد البعض على نطاق واسع أن تجربة الشاعر أحمد فؤاد نجم الشعرية العريضة، والتي تحوَّلت منذ وقت مبكر إلى أغنيات هادرة في الوسط السياسي والفني في مصر هي المفجر الفني الأول للثورة المصرية، التي أطاحت بنظام الرئيس المخلوع حسني مبارك في 11 فبراير الماضي، فقد ظلّ نجم شاعراً قادراً على مواجهة الأنظمة المُستبدة في مصر عبر خمسة عقود على الأقل، شهدت ثلاثة رؤساء جمهوريات، هم الزعيم الخالد جمال عبدالناصر والرئيس أنور السادات والرئيس مبارك، وكانت فترة الرئيس السابق هي الأطول عمراً (نحو 30 عاماً) والأكثر قمعاً عبر استبعاد الثقافة والمثقفين من العمل وتحويلهم إلى كائنات هشة لا تستطيع سوى الدخول في حظيرة وزارة الثقافة لتحقيق منافع شخصية، ولم يكن أحمد فؤاد نجم واحداً من هؤلاء على أية حال.

ظلّت قصائد نجم مُرّة كالعلقم في حلق النظام المصري السابق، خصوصاً خلال السنوات العشر الأخيرة، حيث لم يجبن الشاعر الكبير عن مواجهة جمال مبارك، أمين لجنة السياسات في الحزب الوطني المنحل، نجل الرئيس والوريث الذي كان يدير دفة الحكم في البلاد، حين أعلن عن زواج الوريث من خديجة الجمال، قبل أعوام، فما كان منه إلا أن هاجم النظام في قصيدة بعنوان «عريس الغفلة»، التي عرضتها قناة الجزيرة القطرية وقتها، بإلقاء الشاعر الكبير وتوزّعت في مصر على نطاق واسع، عبر الهواتف المحمولة، وقال فيها:

«مبروك يا عريسنا

يا أبو شنه ورنه

يا واخدنا وراثة

اطلب واتمنى

وأخرج من جنة

أدخل على جنة»

الأمر الذي يفسّر استبعاده من إلقاء قصائده في محافل وزارة الثقافة وندوات معرض القاهرة الدولي للكتاب التي سيطرت عليها خلال العقود السابقة مجموعة من شعراء النظام السابق، الأمر الذي جعل قصيدة نجم وتجربته الإبداعية العريضة ممنوعتين من دخول ندوات المعرض ـ الأكبر عربياً والثاني على مستوى العالم ـ في ذلك الوقت ـ بعد معرض فرانكفورت للكتاب ـ على رغم النجومية الهائلة التي حظي بها عربياً ودولياً كشاعر يعبّر عن الفقراء، وصوت من أصوات الكفاح ضد الرأسمالية والنظم المستبدّة على السواء.

وقد شعر مثقّفو مصر بفرحة غامرة، في العام 2007، حين اختير نجم من المجموعة العربية للمنظّمات غير الحكومية سفيراً للفقراء في العالم، والتي على رأسها الزعيم الجنوب أفريقي نيلسون مانديلا، نظراً إلى وصوله إلى مرحلة من الانتشار ـ أسهمت فيها تجربة غناء الشيخ إمام لقصائده ـ لم تكن تحظى بأي اهتمام رسمي من الدولة، ما جعله تميمة الشعر في الشارع المصري إلى أن أعادت الثورة قصائده إلى الواجهة ـ لا السياسية فحسب ـ بل الفنية أيضاً.

back to top