لا بد من عقد صفقة مع الشيطان في سورية!

نشر في 12-02-2012 | 00:01
آخر تحديث 12-02-2012 | 00:01
No Image Caption
 يجب أن تتبنى واشنطن استراتيجية واقعية (ولو كانت كريهة) بهدف تخفيف حدة الصراع بدل ترك الوضع ينفجر في وجه الجميع. يعني ذلك التعامل مع الأسد!

بعد مرور سنة تقريباً على بدء الاحتجاجات المناهضة للنظام في سورية، يبدو أن كارثة أخلاقية واستراتيجية هائلة توشك على الوقوع، فقد أصبح احتمال نشوب حرب أهلية شاملة وارداً اليوم، وقد تندلع أيضاً حرب تقليدية (أو حتى غير تقليدية) ومتعددة الجبهات بسبب أحداث المشرق المضطرب. لكن يظن البعض في الغرب وفي عدد من الحكومات العربية، وحتى في أوساط المعارضة السورية، أن انهيار نظام بشار الأسد بطريقة منظمة لا يزال ممكناً. بحسب هذا الرأي، سيؤدي تصاعد الضغوط من الجبهات المختلفة إلى تصدع النظام وتراجع عدد مناصريه محلياً وخارجياً في مرحلة معينة، وقد يبقى الدمار والقتل وتدهور وضع المنطقة ضمن الحدود المقبولة. لكن لسوء الحظ، تبرز ثلاث مشكلات على الأقل تجعل من هذا الانهيار المنظَّم أمراً مستبعداً. أولاً، قد يتمكن نظام الأسد الذي لا يزال يتمتع بدعم واسع من الجيش والنخبة الحاكمة وفئات شعبية أخرى من تمديد مدة حملته الدموية، بمساعدة بعض القوى الخارجية. تعتبر روسيا أن سورية هي أهم شريك استراتيجي لها، لذا انضمت إلى الصين يوم السبت للاعتراض على قرار الأمم المتحدة الذي يدين نظام الأسد. على صعيد آخر، تعوّل إيران على نظام الأسد لضمان مصالحها الحيوية، وهو سلوك نموذجي يتماشى مع دعم طهران لجماعة "حزب الله" الشيعية في الصراع المشترك ضد إسرائيل. ثانياً، من المتوقع أن تتجاوز أعمال العنف الناجمة عن أي انهيار للنظام الحدود الأخلاقية أو الاستراتيجية المقبولة بالنسبة إلى الغرب وحلفائه والشعب السوري طبعاً. ستتسارع الصراعات الطائفية التي تعزز الانقسامات بين العلويين والأقليات المختلفة من جهة والأغلبية السنّية من جهة أخرى، ما يعزز الاضطرابات في لبنان حيث ينظم المقاتلون السنّة الآن اعتداءات داخل سورية والعراق (ارتفعت هناك وتيرة العنف الطائفي في الأسابيع الأخيرة). ثالثاً، ستتفاقم الأزمة الإنسانية وحدّة الاضطرابات نتيجة تنقل اللاجئين. تضم سورية ملايين اللاجئين العراقيين والفلسطينيين الذين سيتكبدون خسائر إضافية ويواجهون المآسي حتماً. بعيداً عن نظرية الانهيار المنظم، من المتوقع أن يبذل الأسد وإيران و"حزب الله" جهوداً دموية يائسة لإنقاذ النظام السوري، وتملك هذه الأطراف الوسائل اللازمة لفعل ذلك. كذلك، يمكن أن يستعمل "محور المقاومة" قوته العسكرية الهائلة (التي تشمل أسلحة كيماوية) ضد الأعداء في المعركة التي تهدد وجودهم الجماعي. من حظ هذه البلدان الثلاثة، أن لديها العديد من الوسائل التي يمكن اعتمادها لجر إسرائيل إلى صراع كبير من دون تحميل المسؤولية للأسد أو عناصر "حزب الله" من وجهة نظر مناصريهم. يمكن حصول ذلك ببساطة غداة إطلاق صاروخ واحد من جنوب لبنان يُسفر عن مقتل عدد كبير من المدنيين الإسرائيليين. لمواجهة هذا الوضع الخطير بطريقة مسؤولة، على الأميركيين وحلفائهم أن يضعوا خططاً لتنفيذ ضربة عسكرية استباقية. في أفضل الأحوال، سيعني ذلك نشر قوات ميدانية على مساحات كبيرة من الأراضي اللبنانية والسورية. غير أن التخطيط لضربة استباقية لا يزال مستبعداً نظراً إلى الضوابط السياسية والمالية التي تواجهها البلدان الغربية في الوقت الراهن، ولا ننسى تداعيات أي حرب كبرى في الشرق الأوسط على المصالح الغربية. لا يكفي إذن إلقاء اللوم على روسيا والصين بسبب استعمالهما حق النقض في مجلس الأمن، ولا حتى نظام الأسد الوحشي بسبب الخطر الذي يجلبه إلى المنطقة راهناً (مع أن هذه الأطراف تستحق معظم اللوم). بل يجب أن تتبنى واشنطن استراتيجية واقعية (ولو كانت كريهة) بهدف تخفيف حدة الصراع بدل ترك الوضع ينفجر في وجه الجميع. يعني ذلك التعامل مع الأسد! الأسد هو زعيم خطير وقمعي كونه مسؤولاً عن القتل والدمار في سورية خلال الأشهر الأخيرة، لكن ستكون تداعيات استفزاز إيران وسورية و"حزب الله" أسوأ بكثير. لهذه الأسباب، على الولايات المتحدة أن تتخلى عن المبدأ الهش الذي يعتبر أن التفاوض مع زعيم تجاوز كل الحدود هو أمر محظور أخلاقياً، ولا سيما إذا كانت الصفقة تضمن تخفيف التداعيات المستقبلية وتصون المصالح والقيم عموماً. ما يبرر عقد صفقة مع الأسد الآن (حتى لو كان يحصل أصلاً على مكافآت تفوق العقوبات) هو أن هذه العملية التي يقودها الغرب لإضعاف قدرة النظام على استعمال العنف ستساهم في إرساء الاستقرار بعد أن تدهور الوضع الإقليمي سريعاً، ما يمهّد لنشوء نظام سياسي منفتح في سورية تزامناً مع تخفيض حدة القمع مع مرور الوقت. لحسن الحظ، لا يزال الأميركيون وحلفاؤهم أقوى بكثير من النظام السوري، ما يعني أنهم يملكون الأدوات والمرونة لإنجاح هذه الاستراتيجية المبنية على التنازلات الاستباقية. لكن يتعين على الجماعات الواسعة التي تواجه الأسد راهناً أن تقترح صفقة كبرى وعلنية على أن تحذف شرط المطالبة بتنحي الرئيس السوري فوراً. في المقابل، يجب أن تتمكن وحدة قوية وكفؤة من المراقبين العرب والتابعين للأمم المتحدة من التجول في أنحاء البلد للتأكد من سحب الجيش للأسلحة القديمة وإطلاق المعتقلين السياسيين. سيكون وجودهم دائماً ويمكن أن يلجأ إليهم المواطنون لتسجيل شكاواهم بشأن أعمال العنف التي يرتكبها أي فريق. ثم يجب عقد مؤتمر مصالحة وطنية خارج سورية، تحت مظلة جامعة الدول العربية والأمم المتحدة. سيمهد هذا التحرك إلى صياغة دستور جديد وإجراء انتخابات برلمانية متعددة الأطراف تخضع للرقابة في وقت لاحق من هذه السنة (هذا ما اقترحه الأسد نفسه أخيراً)، ثم إجراء انتخابات رئاسية في عام 2013. كذلك، يجب أن يُطلق مؤتمر المصالحة تحقيقاً بأعمال العنف التي وقعت في السنة الماضية. تبرز ثلاثة حوافز قد تمنع الأسد من رفض الصفقة: أولاً، يجب أن يدعو الأميركيون وحلفاؤهم الجيش السوري الحر والثوار الآخرين إلى تعليق عملياتهم، ما يحتّم التعاون مع الدول المجاورة مثل تركيا والأردن لإنشاء مناطق آمنة تخلو من الأسلحة وتخضع للإشراف الدولي وتكون مخصصة للمقاتلين وعائلاتهم وجميع من يخشون الأعمال الانتقامية. ثانياً، يُفترض أن تخفف الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي العقوبات بعد موافقة النظام على الصفقة، بالإضافة إلى تنظيم مؤتمر دولي للدول المانحة بهدف دعم الحاجات المادية للشعب السوري. أخيراً، يجب أن تشمل أي صفقة محتملة جهوداً جدية تقودها الولايات المتحدة لضمان أن تسترجع سورية هضاب الجولان التي تحتلها إسرائيل منذ عام 1967، وذلك لتجنب صدور ادعاءات تعتبر أن الصفقة هي مجرد مؤامرة غربية. على الرغم من تراجع الإرادة السياسية الراهنة لتنفيذ هذه المقاربة في إسرائيل (الحكومة الإسرائيلية ليست مقتنعة بضرورة تقديم التنازلات للنظام الضعيف والمتصدع الذي يرأسه الأسد)، من المنطقي أن توسع الولايات المتحدة رصيدها السياسي عبر إطلاق عملية سلام واعدة. على عكس المفاوضات العقيمة بين الإسرائيليين والفلسطينيين، قد تنجح المحادثات مع سورية (سبق أن انهارت محادثات مماثلة في عام 2000 بسبب الخلاف على بضع مئات الأمتار من الأراضي). وقد يساهم عقد صفقة إسرائيلية سورية في عزل محور إيران و"حزب الله" الممانع في هذه المرحلة الحرجة من الأزمة المتعلقة ببرنامج طهران النووي. كذلك، قد تبدو هذه المنافع (إلى جانب احتمال تطبيع العلاقات بين إسرائيل وسورية) مقنعة بالنسبة إلى أعضاء المؤسسة الأمنية الإسرائيلية التي كانت تعتبر دوماً أن عقد صفقة مع سورية هو أمر قابل للتنفيذ على المستوى السياسي وحيوي على المستوى الاستراتيجي. في المقابل، قد يجد النظام المتصدع في دمشق أن الوقت مناسب الآن للقبول بالصفقة من أجل الخروج من الأزمة، حتى لو كان ذلك يعني رحيل الأسد من السلطة مستقبلاً. أما إذا رفض الأسد الاتفاق، فقد يؤدي هذا القرار غير المنطقي إلى تعزيز الآمال بتفكك نظامه والتحكم بتداعيات انهياره. لكن لا بد من الاعتراف بأن احتمالات نجاح أي صفقة مماثلة ليست واعدة بقدر ما كانت عليه في بداية السنة الماضية. غير أن احتمال حصول دمار عظيم في المنطقة بسبب العناصر المتشددين في دمشق وبيروت وطهران يجب أن يكون كافياً لإطلاق نقاش كان يجب فتحه منذ فترة طويلة حول طرح صفقة معقولة وشاملة. قد تؤدي المفاوضات الآن، بدل الحرب لاحقاً، إلى نتائج أفضل بالنسبة إلى جميع الأطراف، حتى لو عنى ذلك أن طموحات السوريين بالحرية لن تتحقق قبل فترة طويلة.

back to top