The Girl with the Dragon Tattoo... ديفيد فينشر يبهر جمهور السينما مجدّداً
قد نشاهد اللقطة الأكثر تأثيراً في الأفلام كافة التي أخرجها ديفيد فينشر نحو منتصف فيلم Zodiac، قصته المذهلة التي تدور حول البحث عن قاتل متسلسل ينشر الرعب في سان فرانسيسكو في سبعينيات القرن الماضي.ماذا عن فيلمه الأخير The Girl with the Dragon Tattoo؟
خلال تتبع الخيوط التي انهالت على مركز الشرطة في مدينة سان فرانسيسكو حيث تدور أحداث فيلم Zodiac، يستجوب ثلاثة محققين أرثر ليه ألن (جون كارول لينش)، الذي ورد اسمه خلال تحقيقهم المعقد. بعد مرور دقيقتين على بدء الاستجواب، يعي المحققون أن هذا الرجل العادي الجالس قبالتهم قد يكون المذنب، حينها يحاول التحايل عليهم، قائلاً: «أنا لست زودياك. ولو كنت، لما أخبرتكم بالتأكيد».ما يجعل هذا المشهد مؤثراً جداً، ويشد أعصابك ويدفعك إلى حبس أنفاسك، تركيز فينشر على ما يفكر فيه المحققون، بدل إظهار المشتبه به بمظهر المجرم المخيف. فلا يتضمن هذا المشهد موسيقى تنبئ بالسوء أو ظلالاً مخيفة أو لقطات غريبة. المخيف حقاً طريقة المتهم في وضع ساق فوق الأخرى ولعبه بساعة معصمه وتكلمه بنبرة خالية من أي مشاعر، كما لو أنه يطلب الغداء من أحد المطاعم.يذكر فينشر: «يعكس هذا المشهد واقع أن رجلاً يبدو عادياً قد يكون المجرم الذي ينشر الرعب في مجتمع بأكمله. فيبدو مرتاحاً، لا يشعر بأي ذنب أو تأنيب ضمير. ولا شك في أن هذا مخيف. كذلك، تُعتبر جريمة القتل طعناً، التي وقعت في بداية سلسلة فظائع زودياك، مخيفة لأنها غريبة. فقد حصلت في وضح النهار، ولا ترى ضباباً يتصاعد من المستنقعات. ترى فجأة رجلاً غريباً واقفاً هناك مرتدياً زياً تنكرياً، وتتوالى الأحداث المريعة بسرعة. يترك هذان المشهدان تأثيراً كبيراً في نفسك لأسباب مختلفة».قرصنةيستغل The Girl with the Dragon Tattoo، فيلم فينشر الذي طال انتظاره والمستوحى من رواية لستيغ لارسون حققت أعلى المبيعات، المؤثرات النفسية المذكورة والكثير غيرها. تشارك فيه روني مارا في دور ليزبيث سالاندر، فتاة تحمل وشماً تهوى قرصنة الكمبيوترات تساعد صحافياً فقد مصداقيته يُدعى مايكل بلومكفيست في التحقيق في جريمة عمرها 40 سنة. سبق أن حوّلت هذه الرواية إلى فيلم باللغة السويدية أخرجه نيلز أردن أوبلف الغني عن التعريف.بفضل هذا العمل، أصبحت نومي راباس، التي تؤدي دور ليزبيث، إلى نجمة. كذلك، حقق إيرادات حول العالم وصلت إلى 104 ملايين دولار (أقل من الميزانية التي خُصصت لفيلم فينشر). يوضح فينشر: «تبلغ تكلفة هذا الفيلم ثمانية أضعاف ميزانية النسخة السويدية. لكن هذا لا يعني أن طريقة سردنا القصة أفضل من الطريقة التي قدمها أوبلف. أخرجت الفيلم وفق ما اعتبرته مناسباً وبالطريقة التي رأيتها ملائمة للقصة. كان The Social Network قليل الكلفة في رأيي، إلا أننا أنفقنا مبالغ من المال فاقت ما خُصص لأي فيلم آخر ترشح لجائزة أوسكار السنة الماضية. طريقة عملي أكثر كلفة مما يعتمده المخرجون الآخرون. لا ألجأ إلى العناد والرفض لأحصل على مبتغاي، بل أقدم عادة حججاً تقنع القيمين على العمل. أخصص فترات أطول للتصوير، ولا أستخدم كثيراً من المؤثرات البصرية. أنعم خلال عملي مع مختلف الاستوديوهات باستقلالية يحسدني عليها صناع أفلام مستقلة كثر. لكن لهذه الاستقلالية ثمن، فيجب أن تكون أفلامي عالية الجودة». فينشر أحد أنجح مخرجي هوليوود الذين بدأوا مسيرتهم المهنية في عالم الإعلانات والأغاني المصورة (أغنيتا مادونا Express Yourself وجورج مايكل Freedom من أشهر أعماله في عالم الغناء). The Girl with the Dragon Tattoo الفيلم التاسع الذي يخرجه. حققت أفلامه السابقة مليار دولار وأصبحت جزءاً من الثقافة الشعبية. كذلك رُشح مرتين لجائزة أوسكار أفضل مخرج. حتى إن مَن لا يتردد كثيراً على دور السينما بات يعرف أسلوب هذا المخرج البصري المميز، الذي يعلّق أهمية كبرى على السوداوية وتقلبات الجو العام والموسيقى الرائعة.لا شك في أن الأداء الممتاز الذي يقدمه الممثلون في أفلام فينشر (مع أن هذا الأداء قد لا يرتبط به ارتباطاً مباشراً) وتأثير أفلامه العاطفية القوية من بين الأمور التي تستحق انتباهنا أيضاً. كثرت في Seven، الذي يعده البعض أكثر الأفلام تأثيراً في تسعينيات القرن الماضي بعد Pulp Fiction، المشاهد المقززة والجرائم المريعة. لكن الصدمة الكبرى فيه حدثت بعيداً عن الشاشة واعتمدت بالكامل على العلاقة التي جمعت المشاهدين بالمحققين اللذين أدى دوريهما براد بيت ومورغان فريمان. صحيح أن دور رجل الشرطة، الذي أنهكته الحياة، بات مبتذلاً، لكن بطلي Seven كانا مميزين ومؤثرين.انتقام مخيفعلى نحو مماثل، لا ترتكز ميزة تصوير فينشر The Girl with the Dragon Tattoo على اللغز الأساسي البالغ التعقيد ولا على مشاهد الفيلم القوية، التي تشمل اغتصاب ليزبيث وطريقة انتقامها المخيفة من المعتدي عليها. أضحى اسم فينشر مرادفاً للعنف والمشاهد الصريحة.يعود ذلك في جزء منه إلى حدة القصص التي يختار تصويرها. لكن نقله لرواية لارسون تبدو أقل صراحة من الفيلم السويدي. يذكر فينشر: «الرواية أكثر عنفاً من أن نتمكن من عرض كامل تفاصيلها في ساعتين ونصف الساعة. يبلغ اغتصاب ليزبيث ومعاناتها حداً لا يصدق، لكننا عدلنا ذلك. لم يكن هدفنا تخفيف حدة المشاهد، بل شعرنا أن ما من ضرورة لأن يحرقها ويثقب جسمها ويعذبها. غالباً ما أتساءل خلال تصويري فيلماً: كم يمكنني التأخر في كشف الحقائق من دون التأثير سلباً في الرسالة التي أود نقلها؟ كم يجب أن أكشف من وقائع قبل أن أستطيع الانتقال إلى مرحلة جديدة؟ أنظر إلى الأسس النفسية للرواية. فلا أود أن أكشف للمشاهد كل شيء».يضيف فينشر: «كان السيناريو ضخماً، فاقتطعنا أجزاء منه. حذفنا تفاصيل كثيرة من الكتاب ومن السيناريو. أبحث عن الأسس النفسية للرواية. لا أرغب في الكشف عن التفاصيل من البداية. في المرة الأولى التي عرضنا فيها مشهد الاغتصاب على العاملين في الإستوديو، ذكرت إيمي باسكال (من رؤوساء مجلس إدارة Sony Pictures Entertainment): «أعرف كل ما يحدث خلال هذا المشهد، مع أنني لا أراه». أعتبرت كلماتها أهم إطراء لأن هذا جوهر عملية الإخراج: حمل الحضور على رؤية أمور لا تدور إلا في رأس المشاهد».لا يعني كلام فينشر أن The Girl with the Dragon Tattoo فيلم للعائلات كافة. يمكن وصفه بالفيلم الرومنسي الملطخ بالدم الذي تكثر فيه المشاهد القوية، فعلى غرار أفلام فينشر كلها، يكاد هذا العمل أن يتجاوز حدود تصنيفه، فلا يسمح لمن هم دون السابعة عشرة من عمرهم بمشاهدته من دون مرافقة الأهل.على رغم ذلك، يبقى هذا الفيلم قصة حب، وهذا مهم جداً. يذكر فينشر: «لم أشأ أن أصور فيلماً جديداً عن مجرمين بغيضين يسيئون إلى غرباء. السبب الوحيد الذي حملني على اختيار هذه الرواية العلاقة التي تجمع بين ليزبيث وبلومكفيست. أظنها علاقة مؤثرة مليئة بالعواطف. شعرت بتميز هذه العلاقة عندما قرأت الكتاب. لكن فيلم نيلز صورها بطريقة مختلفة. ظننت أن بإمكاني استغلالها إلى حدود أبعد. لم يسبق أن تناولت هذا النوع من علاقات الصداقة والحب. كذلك، ما زالت شخصية ليزبيث تخفي أوجهاً كثيرة لم يتطرق إليها الفيلم السابق».