الأمّ والابنة... حبل يجمعهما يصعب قطعه

نشر في 18-08-2011 | 22:02
آخر تحديث 18-08-2011 | 22:02
No Image Caption
تكبر الابنة وتحبّ خارج حضن أمّها من دون الشعور بالذنب وهذه عملية تتطلّب إرادة ورغبة حقيقيّة في التحرّر.

شهد بعض بلدان العالم كفرنسا مشاكل على صعيد العلاقات بين البنات والأمّهات، فأمست الأمّ تهدّد ابنتها بحرمها من الإرث «لا تريد إلا أموالي» والابنة تريد وضع أمّها تحت وصاية أحد آخر «أريد أن أحميها فحسب»، واشتدّت الأمور حتّى أمست المشاكل في يد القضاء المختص مثل قضيّة «بوتانكور» التي سُمع صداها في كل أنحاء فرنسا عبر وسائل الإعلام. تمكّنت هذه القضية التي يدور محورها حول علاقة الأمّ بابنتها من جذب انتباه الجميع وإثارة ردّات فعل سياسيّة واقتصاديّة. كذلك أمسى شعار هاتين المرأتين اللتين لا تستطيعان المصالحة ولا الانفصال نهائيّاً: «لا معك ولا من دونك». وقد أثّرت هذه القضيّة بطريقة فريدة في كلّ أمّ وابنة سمعتا بها.

تعتبر منى (34 سنة) أمّها صديقتها العزيزة فهي بنت وحيدة متزوّجة ولديها طفلان الأول يبلغ ثلاث سنوات والثاني ستّ سنوات. ترفض منى رفضاً قاطعاً انتقادات زوجها بأنّها متعلّقة جداً بأمّها وتقول: «نهاتف بعضنا يومياً، نذهب معاً للتبضّع، نتناول الغداء سوياً مرة أسبوعياً، أيّ بعبارة أخرى نمضي وقتاً معاً مثل أيّ صديقتين مقرّبتين. لكنّ أمي لا تتدخّل في حياتي الزوجيّة غير أنّها تحرص على سعادتي وراحتي».

مشاركة خادعة

أين تنتهي المشاركة وأين يبدأ الانصهار؟ فليس من السهل التمييز بين منى وأمّها. بالنسبة الى الطبيبة والمحلّلة النفسيّة مالفين زالسبيرغ، «أصبح هذا التمييز أكثر صعوبة بدءاً من عام 1970 مع ظهور ما يُسمى بـ{الأمّ الصديقة»، فهذه الظاهرة التي تتضمّن مشاركة كبيرة تقرّب المسافات بين الأمّ وابنتها وتخفي حبالاً لم تُقطع كما يجب وعلاقات انصهار أيضاً». من بين الأمور التي تتشاركها الأمّ والإبنة في علاقتهما: تهاتف يوميّ، طلب النصائح بشكل منتظم، التكلّم عن كلّ الأمور التي تحصل في الحياة الزوجيّة أو الحياة العائليّة. لكن ثمة أمور أخرى غيرها تخدع كالمشاكل المتكررة، فترات السكوت الطويلة أو ما قد يبدو فترة ابتعاد. تفيد المحلّلة النفسيّة إيزابيل كوروليتسكي بـ{أنّ تعلّق الإبنة بأمّها ليس من الضروري أن يكون ظاهراً فقد تدمج الإبنة والدتها في حياتها لدرجة أنّها لا تكون بحاجة الى بناء علاقة حقيقيّة معها»، وهذا ما حصل مع سهى (42 سنة) التي اكتشفت بعد الخضوع لعلاج نفسيّ أنّها ما زالت تسمح لأمّها بالسيطرة على حياتها الشخصيّة. تقول سهى: «لا نرى بعضنا إلا مرتين في السنة، لكن لم تمنعني هذه المسافة من عدم النظر الى الرجال وفقاً لمنظورها هي فحسب ومعاييرها الشخصيّة، فقد احتجت الى الابتعاد عن زوجي السابق، والعمل لمدّة ثلاث سنوات لتحسين نفسي حتّى تمكنت من إطلاق العنان لرغباتي الشخصيّة».

تأثّر الحياة الجنسيّة

وفقاً للمحلّلة النفسية والاختصاصيّة في علم الجنس كاثرين بلان، عدم قطع الحبل الذي يجمع الإبنة وأمّها يؤثر على الحياة الجنسيّة والحميمة «فتبقى الإبنة بمكانة الطفلة الصغيرة لتفرح والدتها عبر القيام بوظيفتها كأمّ» ولا أحد يمكنه التدخّل في علاقتهما. فالإبنة تخاف من أن تفقد المحبّة الأموميّة والأمّ لا تتخلّى عن ابنتها والمصدر الوحيد الذي يشعرها بالأهميّة وحبّ النفس.

تضيف بلان: «غالباً ما تكون الأمور الجنسيّة آليّة لدى هؤلاء النساء-الفتيات وإراديّة عوضاً عن أن تكون جزاءً لاإراديّاً وطبيعياً في الجسم والمشاعر، فهنّ مخلصات جدّاً لأمّهاتهنّ لدرجة أنهنّ لا يستطعن أن يحببن إلا على صعيد الخيال». لذلك تستقبل هذه الاختصاصيّة نساء يعانين من برودة جنسيّة، وأخريات لا يزلن عذراوات أو أنّ ثمة أمراً داخلهنّ يمنعهنّ من الشعور بالسعادة فـ»الحياة الجنسيّة تبعد المرء عن ذويه وهؤلاء النساء لا يعشن هذه الحياة أو يعشنها بألم خوفاً من الابتعاد عن ذويّهم. ويكمن العمل كلّه على مساعدتهنّ في تخطّي هذا الخوف وإتاحة المجال لأنفسهنّ لأن يحببن ويرغبن مثل أي امرأة ناضجة».

جذور التعلّق

النظر الى الأمور من منظور الأمّ، التشبّه بها من حيث المظهر واختياراتها في الحياة، الحاجة الدائمة الى الحصول على موافقتها، تنفيذ كلّ رغباتها، الانصهار المتعدّد الأشكال... كلّها أمور تتأثّر بتاريخ كلّ شخص وديناميكيّة العائلة. في العادة، النساء اللواتي يشعرن بقلق شديد، ذوات التصرفات الصبيانيّة، التعيسات في حياتهنّ الزوجيّة، اللواتي تعرّضن لمعاملة سيئة أو اللواتي لم يحصلن على المحبّة الأموميّة... يشكّلن أمّهات بالانصهار عندها تصبح الإبنة بديلة، ضمادة أوجاع أو كبش المحرقة. وفقاً لمالفين زالسبرغ، «التعلّق بالأم هو أيضاً بالنسبة الى الإبنة «طلب لمعرفة ما الذي ينتظرها في مستقبلها كامرأة»، لكن الأمهات بالانصهار لا يمكنهنّ الإجابة عن هذا السؤال فهنّ أيضاً لسن محرّرات من قبضة أمهاتهنّ، فهنّ «لم يختبرن في حياتهنّ الأمومة ولم يشعرن بالعشق أو الحب تجاه شخص ثالث يخلّصهن من هذه العلاقة الثنائيّة، لذلك لا يمكنهنّ نقل صورة كاملة عن حياة المرأة لبناتهنّ». ولا يمكن التخلّص من هذه المشاكل إلا إذا شعرت الأمّ برغبة في أن تكون مع زوجها وتشعر أنّها مرغوبة، عندئذ تتحرّر الإبنة من قبضة أمّها وتستطيع لاحقاً أن تحسّ برغبة تجاه رجل وأنّها مرغوبة منه هي أيضاً.

تمتلئ عيادات المحلّلين النفسيين بأمّهات يفشّلن بالقوّة أو بطريقة هادئة الدرب التي تسلكه بناتهنّ للحصول على بعض من الحرّية عبر الابتزاز، إشعارهنّ بالذنب أو عن طريق الإغراء، مثل أميرة (38 سنة) التي لا تسمح لنفسها بالابتعاد عن والدتها منذ أربع سنوات «فأمّي تعاني مشاكل في القلب ووالدي لا يبالي بها، أمّا أخي وأخواتي فيعتمدون عليّ للاهتمام بها. أنا الأخت البكر المحامية الناجحة والتي تملك عصا سحريّة لحلّ كل المشاكل، لكن يصعب عليّ سماع أمّي تقول وتردّد منذ سنوات عدة الأمر ذاته: «لولا مساعدتك لما كانت هنا على قيد الحياة»». فتشعر أميرة بالذنب وبمسؤوليّة كبيرة تجاه أمّها وتحاول قدر المستطاع أن تبقى بقربها. لكن الأزواج هم الخاسرون في مثل هذه الحالات فهم ليسوا إلا تابعين أمّا الأحفاد فيقدّمون الى جدّاتهم عادةً برهان إخلاص وطاعة.

تشير إيزابيل كورولتسكي الى أنه «في بعض الأحيان عندما تنجب الإبنة حفيداً لأمّها فهي بطريقة ما تعطي المجال لنفسها بالابتعاد عنها فأولاد كثر يجبرون أمّهاتهم على الإفلات من تلك القبضة».

سعي إلى الحريّة

وفقاً لزالسبيرغ، «يمكن الابتعاد عن الأمّ إذا تقبّلت الإبنة فكرة أنّها لن تبتعد بالكامل عن والدتها لكن في المقابل عليها تحمّل المسؤولية والتصرّف كامرأة ناضجة». فلا يمكن قطع ذلك الحبل بين ليلة وضحاها فمن المهم أن تُحلّ كلّ القيود منذ الصغر والتي تؤثر على مصير الإبنة في المستقبل».

تذكر هذه المحلّلة أيضاً «أن الحبل الشهير الذي يربط الإبنة بأمّها يؤثر على نواحٍ عدة من العلاقة بينهما ولا يمكن التخلّص منه بهذه السهولة»، لكن كيف تعرف الإبنة أنّها تحرّرت من هذا الحبل؟ تجيب إيزابيل كورولتسكي: «حين تشعر بانزعاج أقل وتتحرّر من المشاكل الداخليّة والنفسيّة وتصبح لديها القدرة على السيطرة عليها. كذلك عندما تستطيع أن تقترب من أمّها أو تبتعد عنها من دون الشعور بالذنب أو الضغط، وتتقبل بصفاء التشابه والفوارق بينها وبين والدتها».

back to top