الملك الأسطورة (8): فريد شوقي... على طريق الضياع بسبب امرأة

نشر في 08-08-2011 | 22:02
آخر تحديث 08-08-2011 | 22:02
نال فريد شوقي دبلوم معهد التمثيل بامتياز، فكانت مكافأة إدارة المعهد ترشيحه لبعثة لدراسة الإخراج المسرحي في فرنسا، غير أن فريد رفض البعثة بلا تردد، فالإخراج ليس من طموحاته ولن يكون غير ممثل.

اختاره زكي طليمات هو وشكري سرحان وعمر الحريري ونعيمة وصفي وصلاح منصور وضمّهم إلى الفرقة القومية، لتقديم جيل جديد من خريجي المعهد بعدما بدأ كبار أعضائها يتخطّون الستين من العمر، فشعر هؤلاء بأنهم مثل «خيل الحكومة» يُستغنى عنهم بمجرّد تخرّج جيل شاب من الدارسين في المعهد.

تقدم الفنانون: حسين رياض وأحمد علام وحسن البارودي ومحمود رضا باستقالاتهم رداً على موقف زكي طليمات، غير أن فريد وزملاءه فطنوا إلى هذا الموقف فاتخذوا من هؤلاء الكبار أساتذة لهم ورفضوا الاستغناء عنهم وشاركوا معهم في تقديم أول مسرحية على خشبة المسرح القومي.

هكذا وقف فريد شوقي إلى جوار الفنان حسين رياض في مسرحية «مدرسة الإشاعات» التي حققت نجاحاً كبيراً، ثم إلى جوار الفنان الكبير جورج أبيض في مسرحية «صلاح الدين الأيوبي» وجسّد فيها شخصية صلاح الدين، وقد أكدت المسرحية أن فلسطين ستبقى عربية وسيخرج من يحرّرها بعدما سقطت في أيدي اليهود بعد حرب 1948، ومع كل عرض كان المسرح يلتهب ويردد الجمهور مع جورج أبيض وشكري سرحان وعمر الحريري:

* ستبقى فلسطين عربية... في قبضة العرب.

وفي كل مرة كان يُسدل فيها الستار يضجّ المسرح بالتصفيق، لدرجة أن الستار يرفع ويغلق أكثر من عشر مرات والجمهور يصفّق ويهتف:

* ستبقى فلسطين عربية... في قبضة العرب.

عاد صلاح أبو سيف من باريس في أغسطس 1949، ومعه مفاجأة لم يتوقعها فريد شوقي، فقد تعاقد على تنفيذ نسخة عربية من فيلم «الصقر» الإيطالي إخراج  جاكوما، بطولة فيتوريو جاسمان وسيلفانا بمبا نيني وفولكو لوللي...

في النسخة العربية، أسند صلاح أبو سيف إلى فريد شوقي دور فيتوريو جاسمان في النسخة الإيطالية، وإلى الراقصة والممثلة سامية جمال دور سيلفانا بمبا نيني، وكانت البطولة للفنان الإيطالي فولكو لوللي، الذي أدى دوره في النسخة العربية الفنان عماد حمدي الذي استقبل فريد شوقي في مطار روما (في أول رحلة له خارج مصر) لتصوير المشاهد الداخلية أولاً في ستوديوهات روما، على أن تُصوّر مشاهد الفيلم الخارجية في النسختين العربية والإيطالية بالكامل في الصحراء الشرقية في مصر ليتعرّف الفنانون المصريون عن قرب إلى الممثلين الإيطاليين، ولا مانع من تقليدهم ليكون مستوى النسختين متقارباً بناء على نصيحة المخرج الإيطالي.

غير أن صلاح أبو سيف وفريد شوقي وعماد حمدي وسامية جمال اتفقوا على أن تكون بصمتهم المصرية والعربية واضحة في الفيلم، ونفذوا ما اتفقوا عليه، لدرجة أن الفنانين العالميين لم يصدقوا عيونهم وهم يشاهدون أداء فريد شوقي وفريق العمل، الذي خطا به صلاح أبو سيف خطوات واسعة ومختلفة... فكتب الصحافيون الإيطاليون الذين حضروا التصوير عن فريد شوقي تحديداً وقارنوا بينه وبين فيتوريو جاسمان:

«الممثل العربي يتفوّق في أدائه على فيتوريو جاسمان».

الحظ يبتسم

أصبح فريد شوقي نجماً لامعاً من نجوم الفرقة القومية نظراً إلى صدى المسرحيات التي كان يقدّمها معها، غير أن شهرته فاقت زملاءه لسبب آخر، فالأفلام التي قدّمها للسينما كان انتهى عرضها من سينمات الدرجة الأولى، وأخذت طريقها إلى سينمات الدرجتين الثانية والثالثة وروادها من القاعدة الشعبية العريضة، وبدأ هذا الجمهور يشاهد ذلك الفتى الشرير الذي يقطر شراً في كل دور يظهر فيه على الشاشة وبصورة تستفزّ المشاعر، فكان لا بدّ من أن يقف كل من يخرج من دار العرض أمام صورة فريد شوقي في الأفيش ويسأل بمشاعر مستفزّة:

* مين الواد اللي كان طالع بدور الشرير ده؟

- ده ممثل جديد... بس ابن جنية اسمه فريد شوقي.

بات اسم فريد شوقي يتردّد على كل لسان... وأصبح له معجبون ومعجبات، يشيرون إليه كلما مشى في الشارع:

* الشرير أهه... الشرير بتاع السيما أهه.

- مش ده فريد شوقي بتاع السيما اللي بيطلع شرير مع العصابة دايماً؟

وإمعاناً في التقرّب من معجبيه، حرص فريد على أن يرتاد من وقت إلى آخر إحدى دور عرض الدرجة الثانية، ويجلس بين الجمهور لحضور أحد الأفلام التي يشارك فيها ويخرج بعد العرض وسط عاصفة من التصفيق... فعلى رغم الشرّ الذي يقدمه في هذه الأفلام، إلا أن الجمهور أحبه ولم يكرهه، نظراً إلى القبول الذي يتمتع به على الشاشة، فضلاً عن خفّة ظله، وكلما نجح له فيلم وصفّق له الجمهور يقول بينه وبين نفسه:

* إنت فين يا زينب تيجي تشوفي النجاح اللي بحققه... مش لو كنت وافقتِ إني أستقيل من الوظيفة وأتفرغ للسينما والمسرح كان زمانا أسعد زوجين في العالم... وكان زمان بنتنا منى بتتربى بين أبوها وأمها.

لم تستطع الشهرة والفلوس أن ينسيا فريد حبّ زينب الذي سيطر على كيانه وروحه، كما لم تستطع الحسناوات اللواتي كنّ يلتففن حوله أن يعوّضنه حبّها، فلم تعد سيارته تخلو من الحسناوات يومياً خصوصاً عندما انتقلت الفرقة القومية إلى تقديم عروضها في مدينة الإسكندرية، فما أن يخرج من باب المسرح كل ليلة بعد انتهاء العرض، حتى يجد ثلاث أو أربع حسناوات في انتظاره، يتشاجرن حول من منهن ستركب إلى جوار فريد، فيضطر إلى اصطحابهن جميعهن في سيارته ليكملن بقية الليل في «كازينو الشاطبي» المطل على البحر.

ثمن الشهرة

لاحظت راقصة الملهى الأولى سنية شوقي حضور هذا الممثل الجديد كل ليلة إلى الملهى وبرفقته حسناوات الإسكندرية اللواتي يتشاجرن للجلوس إلى جواره أو مراقصته، حتى أثار هذا المشهد المتكرر كل ليلة غيرتها، فمن يكون هذا «الدنجوان» الذي تتهافت عليه الحسناوات؟

لم تكن سنية شوقي بعيدة عن الوسط الفني، فقد سبق لها أن مثلت أمام أم كلثوم في فيلم «فاطمة»، ومنذ ذلك اليوم أصبحت أم كلثوم إحدى أشد المعجبات برقصها لدرجة أنها قالت عنها:

* سنية شوقي تغني بوسطها.

عند سماعها هذه الشهادة من أم كلثوم، قررت سنية ألا تكون مثل بقية الراقصات، فما إن تنتهي من عملها حتى تغادر الملهى فوراً، لا تجلس مع الزبائن ولا علاقة لها بالسكارى وما يدور في صالة الملهى، غير أنها قررت في تلك الليلة أن تلقّن هذا الممثل الجديد درساً لن ينساه، وعندما انتهت من تقديم فقرتها الفنية أرسلت في طلبه:

* أهلا أهلا بالنجم الكبير الأستاذ فريد شوقي... إتفضل أقعد.

- الله يخليك... دي مجاملة لطيفة منك.

* لا أبداً مش مجاملة... دي حقيقة.

- يا ست سنية أنا يا دوب حطيت رجلي على أول درجة في السلّم.

* ده مش كلامي... ده كلامهم.

- كلام مين؟

* الستات اللي ملمومه حواليك وبتقولك كده.

- آاااه... دا تجريح بقى... مش مدح.

* لا صدقني مش بجرح فيك ولا بقلل من شأنك... أنا سمعت عنك حاجات كتير كويسة خالص... وأنك فنان موهوب وينتظرك مستقبل كبير.

- الله يخليك يا ست... ده من ذوقك.

* صدقني يا فريد إنت صعبت عليّ لأنك مش وش الحاجات دي... اسألني أنا ياما ورد عليا أشكال وألوان... والطريق ده آخرته الضياع... وانت مش لازم تضيع.

شعر فريد شوقي بصدق كلامها الذي لم ينته في حجرتها في الملهى، بل تابعاه في سيارته التي راحت تجوب شوارع الإسكندرية، ولم ينتبها إلى الوقت إلا عندما تلفّتا حولهما فوجدا الناس يشيرون إليهما في الشوارع بعدما ملأت الشمس سماء الإسكندرية.. فقد ظلا يسيران بالسيارة حتى طلع النهار، ولم ينته اللقاء إلا بالفطور في حي بحري: «فول إسكندراني وفلافل ساخنة»، وحبّ جديد وُلد بين فريد وسنية.

حبّ مدمّر

وافق فريد شوقي على الزواج من سنية ولكن بشرط أساسي وحيد هو أن تترك الرقص نهائياً ولا تفكّر فيه إطلاقاً، فلم تتردد سنية في تلبية هذا الطلب، إذ تركت الإسكندرية وسافرت معه إلى القاهرة.

لم يعد ثمة من يركب إلى جواره في سيارته سوى سنية شوقي ولا من يقف ينتظره في كواليس المسرح سوى سنية، وعندما ينتهي من العمل يخرجان لاستكمال السهرة في ملهى أو عند أحد الأصدقاء، فقد باتت تلازمه مثل ظلّه ولا تفارقه إلا عند النوم، ولو استطاعت الدخول إلى أحلامه وهو نائم لفعلت، فقد ملأت الغيرة قلبها وتحوّل هذا الحب إلى طوق يكاد يضيق ليخنق فريد.

لا يقف فريد مع ممثلة ويبتسم، وإذا حدث وكان ثمة مشهد يستدعي أن يظهر فيه بعض الغرام للممثلة التي تؤدي الدور أمامه على خشبة المسرح أو أمام كاميرات السينما، تكون كارثة الكوارث، حتى بدأ يُحرج من نظرات زميلاته الفنانات وهنّ يتجنّبن الوقوف معه أو حتى الابتسام له.

تحوّلت الحياة بين فريد وسنية إلى جحيم لا  يطاق، وكانت الخاتمة في تلك الليلة التي تسلّم فيها فريد «بذلة» جديدة من قماش جديد لم يكن يرتديه سوى البكوات والباشاوات، وكان شاهد القماش وموديل التفصيل على إحدى بذلات فؤاد باشا سراج الدين، وطلب من الخياط الخاص به تفصيلها بالموديل نفسه، وعندما تسلّمها أراد الاحتفاء بها مع سنية فذهبا لمشاهدة فيلمه الأخير «الصقر» المعروض في سينما «ريفولي» في وسط القاهرة. خرج فريد متجنباً نظرات المعجبين والمعجبات، تحديداً المعجبات، كي لا يثير غيرة سنية، مع ذلك حدث ما لم يتمناه، إذ شاهدته إحدى المعجبات وصرخت لصديقاتها:

* فريد شوقي أهه... هاي فريد... بصي بصي... ده لابس بدلة تهوس... مش ممكن الشياكة دي.

صبّت سنية جام غضبها، ليس على المعجبة ولا على فريد طبعاً، لكن على «البذلة» سبب هذا الإعجاب، فبعد رجوعهما إلى البيت سكبت عليها «بنزيناً» وأشعلت فيها النيران!

العودة إلى الفن

أدرك  فريد أن حياته تنتهي، فقد حوّلتها سنية إلى جحيم وبدأت بزميلاته الممثلات ولم تنته عند المعجبات، وبات الجميع يتحاشى الاقتراب منه، لدرجة أنه بدأ يرفض نصف ما يُعرض عليه من أفلام، فاقتصر دخله على 12 جنيهاً، راتبه الشهري من الفرقة القومية، مع أنه كان من الممكن أن  يتجاوز مائتي جنيه.

فجأة ابتعد المنتجون عنه ولاحظ ذلك أصدقاؤه المقربون: محسن سرحان ومحمود إسماعيل وغيرهما، ووصل الأمر إلى يوسف وهبي، الذي أرسل في طلب فريد فظن الأخير أنه يطلبه للعمل معه في فيلم جديد:

* أخبارك إيه يا فريد...

- الحمد لله يا أستاذ... ماشي الحال.

* الحال ماشي ولا واقف؟

- يعني... شويه كده وشويه كده.

* شوف يا فريد... أنا بحبك وبعتبرك زي ابني... وخوفي عليك وعلى مستقبلك الفني هو دافعي الأول علشان أقولك الكلام ده... حواء يا فريد هي سبب هلاك الرجل... خصوصاً إذا كانت امرأة غيورة مثل سنية... هذه المرأة يمكن أن تحطمك... الغيرة العمياء تحرق كل شيء حولها.

- أنا عارف يا أستاذ... بس حاسس إني عامل زي اللي بيغرق... مش لاقي بر إرسي عليه... مش عارف أعمل إيه؟

* تخلص من هذه العلاقة... الحب الحقيقي يبني ولا يدمّر... وهذه المرأة لا تحبك... بل تحبّ نفسها... ولن تهدأ إلا إذا دمرتك... ابتعد عنها... العاقل يا فريد يا ابني من اتعظ بغيره... وأنا بقولك خلاصة تجربة سنين طويلة... إنت فنان... والحرية للفنان زي الميه والهوا.

- أيوه بس إزاي... أعمل إيه؟

* إعمل زي الأطباء ما بيعملوا مع مدمن الكوكايين... لو سحبوه من جسمه مرة واحدة ممكن تحصل له انتكاسة خطيرة... ولكن لا بد من العلاج التدريجي... انسحب من حياتها تدريجياً...

- حاضر يا أستاذ... مفيش غير كده.

* وقبل ما انسى... خد الرواية دي... ده فيلم جديد اسمه «رجل لا ينام» بنستعد لتصويره... طبعاً أنا الراجل اللي مش عارف ينام... لكن إنت لك دور كويس فيه... جهز نفسك... ومش عاوز أي حاجة تأثر عليك ولا على فنك.

نفّذ فريد نصيحة يوسف وهبي، وبدأ يتهرّب من لقاءات سنيّة، فشعرت الأخيرة بخطته وردّت عليه بأمر لم يكن في الحسبان، حاولت الانتحار وأُنقذت في اللحظات الأخيرة... مع ذلك لم يتراجع عن قراره، مهما كانت النتائج، وقرر إغلاق هذه الصفحة من حياته نهائياً وإلى الأبد.

انتهى تصوير فيلم «رجل لا ينام»، غير أن وجود فريد مع يوسف وهبي لم ينته، فقرر الأخير التعامل معه مجدداً في مسرحياته التي سيقدّمها للفرقة القومية، إذ استعانت به بعد تدهور إيراداتها علّه يعيد الازدهار إليها ثانيةً.

عقد احتكار

بدأت الدنيا تبتسم مجدداً لفريد، بعدما زال عنه كابوس سنية شوقي، ولم يصدّق نفسه عندما زاره مساعد الفنان أنور وجدي في البلاتوه وطلب منه أن يمرّ صباح اليوم التالي على الأستاذ في مكتبه في عمارة «الإيموبليا» في شارع شريف.

هذا معناه فيلم جديد بطولة أنور وجدي وليلى مراد، وأفلام هذا الثنائي «تكسر الدنيا»، ويقبل عليها الجمهور بشغف، ومن المؤكد أنه سيعوّض الأيام التي تراجعت فيها أسهمه بسبب التفرغ لحبّ سنية وغيرتها. قبل الموعد كان فريد شوقي في مكتب أنور وجدي:

* فريد شوقي في مكتبي... لا... لا... ده إيه السعادة اللي أنا فيها دي... أهلا أهلا فريد.

- أهلا بك يا أستاذ أنور... أكيد السعادة دي من نصيبي أنا لمجرد أني أدخل مكتب الأستاذ أنور وجدي.

* شوف يا سيدي... بدون مقدمات وعلشان مضيعش وقت... إنت هتشتغل معايا في فيلم جديد.

- كالعادة طبعاً إنت ومدام ليلى.

* انت مش من هنا ولا إيه.... يا بني الدنيا كلها عارفه إننا اتطلقنا... بس ده ما يمنعش إننا ممكن نشتغل مع بعض.

- خسارة كبيرة... أنور وجدي وليلى مراد ثنائي ماشفتش ولا هتشوف زيه السينما المصرية.

* أنور وجدي موجود ويقدر يعمل المستحيل... بس سيبك من الكلام اللي مايأكلش عيش ده... خلينا في المهم... الفيلم اسمه «أمير الدهاء»... فيلم تاريخي عن قصة «الكونت دي مونت كريستو».

- الله أكبر... أهو كده يا استاذ... نقلة كبيرة قوي.

* سيبك من النقلة الكبيرة... وخلينا في النقلة اللي انت هتاخدها... أجرك كام في الفيلم دلوقت.

- الحمد لله... أجري في آخر فيلم عملته مع يوسف بيه كان متين جنيه.

* لا.. دا انت باين عليك مجنون... ليه؟ «الكونت دي مونت شوقي»... إنت هتشتغل مع أنور وجدي... متين جنيه مين يا حبيبي... وبعدين أنا مش بيه زي يوسف بيه... أنا راجل منتج... وعندي مصاريف كتير... وده فيلم تاريخي... شوف... همّا خمسين جنيه حلوين قوي.. ألف مبروك إمضِ العقد يا فريد... أمضِ.

- أيوه يا أستاذ.. بس أنا فعلا أجري...

* إمضِ يا فريد... دا انت أمك دعيالك علشان هتشتغل مع أنور وجدي... امضِ.

لم يتردّد فريد شوقي كثيراً في قبول هذا المبلغ الهزيل، الذي لم يصل إلى أجر أول أفلامه، لكنه وقّع العقد عن طيب خاطر، فهو يعرف أنور وجدي وقيمته كفنان وقيمة أفلامه وكيف يستقبلها الجمهور.

في اليوم الأخير من تصوير الفيلم فوجئ فريد برفض مدير الإنتاج دفع القسط الأخير من أجره، وأكد له أن هذه تعليمات الأستاذ أنور، وأنه يريده أن يمرّ عليه في المساء في مكتبه.

اندهش فريد من هذا الطلب، وظنّ أن وجدي يريد أن يخفّض أجره ثانيةً بحجة أن تكاليف إنتاج الفيلم زادت على الحدّ، وقرّر تخفيض أجور الممثلين، فليست المرة الأولى التي يفعل فيها ذلك، غير أن دهشته زالت وخاب ظنّه بمجرد أن التقى وجدي في مكتبه:

* يا ابن الإيه... دا انت ممثل جامد قوي يا فريد.

- من بعض ما عندكم يا أستاذ... إحنا لسه بنتعلم... وبعدين كله بفضل توجيهاتك.

* قوللي يا فريد إنت خدت أجر كام في الفيلم ده؟

- ما حضرتك عارف... خمسين جنيه... وصلني خمسة وتلاتين.. وفاضل القسط الأخير خمستاشر... لو حضرتك شايف يعني إنهم...

* لا... لا... هتاخدهم دلوقت... دا إنت يا راجل تستحق أكتر من كده بكتير... لولا بس هي ظروف الإنتاج يعني.

- كتّر خيرك يا أستاذ.

* علشان كده أنا حابب أعوّضك عن الفيلم ده... مش بفيلم جديد... لا... بخمسة.

- مش فاهم!!

* باختصار دول خمسة عقود لخمسة أفلام... هتشتغلهم معايا... نعملهم في سنة نعملهم في اتنين في تلاتة... إنت وحظك... المهم إن حقك محفوظ، الأول بميت جنيه، والتاني مية وخمسين، والتالت متين، والرابع متين وخمسين، والخامس تلتمية... إيه رأيك يا بطل.

وجد فريد شوقي العرض مغرياً جداً، يتمناه أي فنان، ومن الممكن أن يقدّم الأفلام الخمسة في عام واحد وتكون قفزة إلى السماء، غير أنه ما إن وقّع العقود، ووضعها أنور وجدي في خزينة مكتبه حتى قال له:

* ماهو الواحد يا فريد ياخويا لازم يبص لقدام... إنت ممثل شاطر... وفيلم والتاني ممكن ألاقي أجرك وصل ألفين تلات تلاف جنيه... يبقى ابني في إيدي وأروح أدور عليه؟!

البقية في الحلقة المقبلة

back to top