الفصول الأربعة لعمر فاخوري... النقد الأدبيّ في زمانه الذهبيّ
أصدرت مجلة «الدوحة» القطرية طبعة جديدة من كتاب «الفصول الأربعة» للكاتب والناقد اللبناني الراحل عمر فاخوري (1895 – 1946)، وقدّم له الكاتب المصري عزت القمحاوي.نظرة إلى ما ورد في هذا الكتاب من ملاحظات في تحرير الأدب والشعر من الحكم والتاريخ والمقارنة، وإلى أبرز الملاحظات في النقد الأدبي.
في تقديمه لـ{الفصول الأربعة» يعتبر القمحاوي أن عمر فاخوري يشترك مع مجايليه من مفكري الربيع العربي الأول في الانفتاح على تجارب الأمم الأخرى، في الدعوة الى استلهام النهضة من الثقافات المجاورة من دون إحساس بالنقص في مواجهة تلك الحضارات، ذلك لأن صرح الحضارة الإنساني لم تتعهده ثقافة واحدة، فلكل ثقافة لبنتها ولكل أمة رايتها التي قادت بها الإنسانية حيناً من الدهر ثم سلّمتها إلى غيرها.كذلك يشترك فاخوري مع مجايليه في ترابطهم المدهش وتواصلهم الفكري على رغم صعوبة وسائل الاتصال في ذلك الوقت، وهم كانوا يتّفقون على الاختلاف والاحترام والقبول المتبادل. أما ما يختلف فيه فاخوري اللبناني البيروتي عن معظم أبناء ذلك الجيل فهو انفتاحه على الشيوعيين العرب وعلى التجربة الروسية، على عكس كثيرين انفتحوا على القيم الليبرالية الأوروبية وحدها.مدرسة الكشافكتابات عمر فاخوري النقدية إشارة الى عصر النقد الأدبي الذهبي، فهو يدعو في هذا الكتاب وفي غيره أيضاً إلى انخراط الكاتب في الحياة، في التجربة، ويقول: «أكثر أدبائنا – ولا أغالي- حقيقون أن يبيتوا كشافة قبل أن يصبحوا أدباء، الكتاب منهم والشعراء، بل إني أذهب إلى أبعد من هذا فأقول: من الواجب عليهم، إذا أرادوا حقاً أن يكونوا كتاباً وشعراء، أن يجتازوا أولاً مدرسة الكشاف». وفي الفصل الأول من «الفصول الأربعة»، يناقش الكاتب النموذج الذي يجب أن يكون عليه النص الأدبي متحرراً من كل ما يضيق عليه أفق الإبداع، قاصداً بذلك منهج الفن للفن الذي ساد في أوروبا، ويرصد أيضاً استباق العرب إلى هذا المنهج الأدبي، ذلك في رسالة قدامة ابن جعفر «نقد الشعر» حيث دعا الأخير الشعراء إلى التحرّر من قيود الشعر وألا يكون أمامهم في الكتابة إلا الشعر نفسه مبلغاً وغاية.في الفصل الثاني، يدعو عمر فاخوري إلى تحرير الأدب والشعر من هوس الحكم وهوس التاريخ وهوس المقارنة. والأخير هو مقارنة الشعر بما لا يشترك معه في أي خلفية لتنطلق منها مقارنة الاختلافات، كمقارنة بعض النقاد شعر المتنبي بالمذاهب الفلسفية لداروين ونيتشه، بعد أن خلصوا من مقارنته بشكسبير، حتى كدنا أن ننسى أن المتنبي شاعر، ويقول: «قرأت كل ما كتبه عن المتنبي الكاتبون، وبحثه الباحثون، وأرّخه المؤرخون، وشرحه الشارحون، فلم أخرج من ذلك جميعاً إلا وأنا أكثر إعجاباً بالمتنبي، أو أشد متعة بشعره، كأن البحوث والشروح تحجب عنا الشيء الجوهري، أو تصرفنا عنه. ونحن نعلم أن الشعر يتحدى كل تفسير، كما أن كل تفسير يلاشي الشعر»...في الفصل الثالث بعنوان «عود إلى الشعر»، يدعو الكاتب إلى الرجوع إلى الشعر بجانب الإبحار في علوم الشعر القديم. فما المانع من استحداث بحور شعرية جديدة غير التي نظم عليها العرب الأوائل أشعارهم؟ لا شيء. إلا عدم الفهم وعدم الثقة.المتنبي في الفصل الرابع نقد في صورة بلاغية للمتنبي في قوله «تناهى سكون الحسن في حركاتها»، وينطلق الكاتب يرصد أقوال السابقين وشروحهم في هذا الشطر، ثم شرح أقوال المنظر الفرنسي آلان صاحب «نظام الفنون» في ذلك وتبيان ما يلاقي بيت المتنبي من شعر أبي نواس.ولا يرى صاحب «الفصول الأربعة» في قراءة الشعر شأناً لغوياً أو بيانياً فحسب، بل إنه يطالب بأنه «آن الأوان كي يفصل الشعر عن علوم اللغة، لينضم نهائيًا في سلك الفنون الجميلة، من الرسم إلى الرقص فالموسيقى، بين أهله الأدنين، فهو –أي الشعر- ليس من منها في الصميم فحسب، بل هو فوق ذلك أشرفها مقاماً وأصعبها مراساً وأبعدها وأقربها في وقت معاً من الكمال». ولذلك يستفيد فاخوري من إعادة قراءة النصوص قراءات تستشرف حالة النص الإبداعية بما تمنحه طاقة التخييل غير المحدودة التي ترى في رقصة الراقصة على المسرح كناية شعرية كما قال بول فاليري، وترى في الغامض الذي يلوح بين الظن والعلم بالشيء سراً شعرياً لا تفك أسراره باللغة فحسب. ومن المتنبي في ذات السياق يذهب بنا فاخوري إلى بيت أبي نواس:أتت صور الأشياء بيني وبينهفظني كلا ظن وعلمي كلا علموهو البيت الذي قال فيه الجرجاني: «إنك لتنظر فيه دهراً طويلاً وتفسره، ولا ترى أن فيه شيئًا لم تعلمه، ثم يبدو لك فيه أمر خفي لم تكن قد علمته».نقديطلع علينا فاخوري بملاحظات في النقد الأدبي، وموقف الشرّاح من قول المتنبي في فاتحة مدحه، ويعرض ما قاله شرّاح المتنبي من أمثال الواحدي والعكبري قديماً، واليازجي حديثاً، فيذكر: «ومن الإنصاف أن نبادر إلى القول إن واحداً منهم لم يجرّب حل هذا اللغز المنظوم، بغير تحويله إلى جملة نثرية: أما الواحدي فقد قال في شرحه: حركاتها كيفما تحركت حسنة وسكوت الحسن فيها قد بلغ النهاية». ثم أثبت فاخوري شرح العكبري القائل: «هي حسنة في السكون، وسكوت الحسن فيها قد بلغ النهاية». وأتبعه شرح اليازجي القائل: «إنها كيفما تحركت لحظاتها، فالحسن ساكن في حركاتها، بالغ نهايته في ذلك». ويعتبر فاخوري أن هؤلاء الأئمة في تفسيرهم شطر البيت، لم يضيفوا إلى لفظه شيئاً، كما أنهم لم يزيدوا معناه وضوحاً، بل الأصح أنهم لم يجيئونا بشرط أو تفسير وهو يريد أن يؤكد قصورهم جمعياً عن الغاية وقد حملته هذه الحقيقة إلى تقرير أمور من أبرزها: الإقرار بعبقرية المتنبي، وعجز معاصريه عن الارتقاء إلى آفاق هذه العبقرية. وشيء آخر، يترتب على قصور الشرّاح الأقدمين وعجزهم عن ولوج عالم المتنبّي والسمو إلى مدارك عبقريته، كون الشعر في نظره قد آن له في هذا الزمن أن يفصل عن علوم اللغة، وبات يتطلب صنفاً آخر من ذوي الاختصاص.وُلد عمر فاخوري في بيروت سنة 1895، تلقن مبادئ اللغة في مدرسة عيسى القاسم، وهو لا يتجاوز السادسة. أما المرحلة الثانية من دراسته فقد كانت في الكليّة العثمانية التي أنشأها أحمد عباس الأزهري، وتمكن وهو لا يتجاوز الثامنة عشرة من الالتحاق بالكليّة اليسوعية لدراسة الحقوق، لكن اشتعال نار الحرب العالمية الأولى كان سبباً في انقطاعه عن التحصيل. ولم يتمكن من استئناف هذه الدراسة إلا في عام 1919، عندما سافر إلى باريس والتحق بجامعة السوربون وهو في حوالى الخامسة والعشرين من عمره. وبعد أربع سنوات نال الإجازة في القانون. وفي باريس وقع فاخوري أسير حب جارف، إذ هام بهوى حسناء باريسية تدعى ليلي، على أن هذا الحبّ سرعان ما أفل نجمه، ولم يجد العزاء عن جرح الهوى إلا عندما عاد إلى بلده، ووُفّق في الاقتران بابنة خاله سلوى طبّارة التي كان مغرماً بها حين كان في مطلع شبابه.مارس فاخوري بعد عودته إلى لبنان المحاماة لفترة قصيرة من الزمن، بعدما أمضى مدة في الكتابة الأدبية وامتهان الصحافة.