غمكين مراد في الروح أوسع من أن يلبسها جسد كأنه يخشى على الآخرين لذّة الانفعال
من الشعراء من يجعل عقله وصيًّا على القصيدة، ويتعامل مع الكلمات كأنها معلّبات معانٍ فينسج بينها علاقات تحتاج إلى مباركة العاطفة لها، ويلجأ إلى خيال متّهم بتوليد الصورة الفنية ولادة قيصرية لتبدو وكأنّها ملصقة على النصّ لصقاً، بينما المطلوب شعرياً أن يوهم النص قارئه بالعفوية والبساطة مهما كانت الصناعة التي مرّت به كبيرة.يدخل الشاعر السوري، طباعة، عالم الشعر العربيّ بديوانه الأوّل «الروح أوسع من أن يلبسها جسد»، وهو حامل إجازة في العلوم الفيزيائية والكيميائية، ولا يتأخّر قارئه ليكتشفه طالباً يد القصيدة، ودافعاً مهرها فيزياء وكيمياء.
في افتتاحية مجموعته «استرخاء المشيئة» يظهر غمكين مراد واقفاً في حضرة رصانة العقل، أسيرَ قاموس جنسيّ معطياً للقلم ما للرجل وللخلود ما للمرأة، وللورقة أن تكون الأنثى أو بديلاً منها: «الورقة أنثى / والمخيّلة جسدها / ... شفتان ترتشفان الرغبة / الشيء والكلّ راغبان / الأرض ترغب في أنوثة الحياة / اليوم يحنّ إلى فَخْذَي الذكريات»... من الملاحظ، بوضوح، أنّ مراد يتقن صياغة كلّ جملة على حدة، غير أنّه يصل الجملة بالأخرى كيفما اتفق، إذ يغيب الرابط والمبرّر، وتتعثّر المفردات بظلالها وهي في طريقها إلى أن تصير رموزاً، ولا تصير، لأنّ السياق غائب في نصّ قادر على إلهاء العقل والخيال، لكنّه عاجز عن جعل متلقّيه منفعلاً. يقول مراد: «الجسد في تبدّل / ساكناه: بعد ضجر وروح / بينهما صراع / الوقت يحكم النزال / القضاة على الطاولة،/ نواميس من عنقود الخنوع»، فبعد التفسير الزائد لما هو بين الفجر والروح نشهد نزالاً، لكن لماذا يحشر الشاعر القضاة في هذا النزال الكلاسيكي عند البشر وما معنى: «نواميس من عنقود الخنوع»؟ وكان باستطاعة مراد أن يجود بشيء من وضوحه ليستطيع القارئ الاستهداء إلى مقاصده، أو أن يعتمد تقنية النص القصير شرط ألا يبالغ في الغموض، كأن يقول: ...كلّ الذين يغادرون / يتركون الأثر / رقعة في ثوب شحّاذ».شظايايشعر من يواجه نصّ مراد أنّه أمام نصّ متشظّ، وعبثاً يحاول جمع الشظايا لترميم المشهد، وهذا الشعور ينسحب على النصوص كلّها، والأفضل له أن يأخذ مقتطفات وينجو بها، وإلا خَسِرَ كقارئ متعة الانفعال. فلو أخذنا، على سبيل المثال هذا الكلام من نصّ «الثالوث المرهون»: «أن تبتسم لحبّ شرّدك / ...هو كرهانٍ على فناء لذيذ» لَوَجَدنا ما يرضي على المستوى الشعريّ، لكن إذا قرأنا ما قبل هذا الكلام وما بعده عَلِقْنا في أنفاق ثرثرة لغويّة مدروسة بتدخّل مباشر من العقل الذي يفرض مجازاً قاسياً وناشفاً وثقيلاً، أقلّ ما يقال فيه: إنّه يكسر ظهور الكلمات ويستبدل أجنحتها الطبيعية بامتدادات مفتعلة: «محضُ عبث يزاحم الترتيب في مجازاته / على المصائر / يغازل اختلال راحة في ميزان الوقت / يملأ سلالا للفاكهة من شجرة السمّ / تحمله الموازين إلى القدر المنسوب إلى أبيه الهزل،» فأيّ قارئ هو الذي يحتمل ساديّة هذا المجاز والعقاب الذي يمارسه في حقّه؟!تجدر الإشارة إلى أنّ مراد يرتاح للإطالة غير مستغنٍ عن الإمعان في الغرابة والطلسمة اللتين ربّما يراهن عليهما طريقاً إلى القصيدة.يقف مراد في الدنيا على ضفّة المتألّمين والمحتجّين، ويتعزّى بأنه يستوطن الكلمة: «...أنصت إلى دفء الكلمات/ أرسم على مدن نجمي الساقط لوحة ندم»...، ويعتمر تاج فرحه مرصّعاً بلآلئ وجعه: «متيقّظاً كإله/ في كفّي قلبي/ في قلبي جرح/ في جرحي نشوة»، ويعرف كيف يفرض مشيئة جديدة بكلمته: «وأنا لابسٌ الكلمة ريشة/ أهين الكون/ أعيد خلق المشيئة بدخان رئتي». يبدو ألم مراد ألماً وجودياً: «أنا وأوراق الشجر في اتحاد/ هي تسقط لتلد/ وأنا أسقط لأبحث عن نفسي»، فالبحث عن الحقيقة، حقيقة الذات، يمرّ بالموت ويعبر الغياب، غير أنّ هذا الغياب لا ينتهي بالغياب، إنما هو سفر لعودة، ونوم ليقظة، وألم لهناءة: «أدنو من غيابي/ فأغيب/ أغيب لأعود»...طواحينفي قصيدة «طواحين حبّ وهواء»، يلجأ مراد إلى المرأة ناشداً فيها ما يضنّ به الوجود وما لا يؤخذ من الأيّام ولو غلابا: «... ولد اللقاء/ الروح أرتعشت/ النور هاج/ القلب امتلك الذاكرة/ عاد إلى العلا/ كان نجمة/ كانا نجمة/ أكّد كانا نجمة/ قال: كنت أنتِ أنا/ قالت: كنتَ أنتَ أنا/ تجنّحت يداه/ طار/ جُنَّ/ صرخَ: ما أخفّك أيّها الحبّ حين تولد»... غير أنّ الحبّ قصير عمره: «كلّ الأمكنة تغادر نفسها/ كلّ الأزمنة تغتال مساءها»، والأرض طالما تجوع وتلتهم الحبّ.لا يتخلّى مراد في طريقه إلى المرأة عن كيس الضباب اللغويّ يحمله ثقيلاً على كتفه، فتستمرّ عبارته مغلقة على ذاتها، تقول ولا تقول، تُلهي ولا توصِل، تضجّ ولا تعبّر وكأنّ مراد يخشى على الآخرين الانفعال معه والوصول إلى المحطة التي يقصدها حيث يطيل الانتظار والبوح: «الوعي لبس الروح/ حين أصبحت حوريّة في حضن الموج المجهول/ الغلطة أدركت صوابها/ الريح دافئة/ حملتكِ إلى وقتٍ كئيب».أما قصيدة «لحظات عذراء» ففيها تنازل ملحوظ عن الغموض، ما سهَّل التقاط الومضة الشعريّة التي يخطفها دائماً، في نصوص مراد، جراد الضباب الأسود: «لكِ في كلّ الأمكنة عطر يُشَمّ/ لكِ في كلّ المسافات حنينٌ يسمّي اللحظة»، ولافتٌ أيضاً أنّ في التنازل عن الغموض أحياناً انحدارا نحو العاديّ والسطحيّ: «لا تتركي لوجهك لحظة شرود/ لا... لا تلغي الجهات/ لتغدر بك كاميرا الكلمات/ عانقي النجمة أمام كلماتي/ عانقي القمر لأرسم بريشة الشوق/ طيفك يتراقص في لوحتي»... فإذا كان المطلوب الاقتصاد في الغموض السلبيّ فإنّ الوضوح الفارغ شقيق ذلك الغموض في الإساءة إلى النصّ الشعريّ.كذلك يظهر مراد بين حين وآخر ميّالا إلى السجع، حانًّا إلى القافية، وفي هذا المسلك ضرر كبير للنصّ الشعريّ الحرّ القائم على التفلّت، عن سابق تصوّر وتصميم، من الوزن والقافية.وتبدي قصيدة «لوحة ناقصة لمدرّس» كم أنّ مراد يعلّم تلاميذه لغة الحريّة والعقل: «أسرد بلغة الهواء/... وأفتح للصوت عقولا تتربّص بالكلمة»، ويحرّض الحياة على أن تتكلّم لغته: «كلانا: أنا وهم/ في الزاوية مع جدراننا/ نترك الحياة تقضم ملل خطواتنا/ نستدرجها لأن تتكلّم لغتنا»... وكأنّ الشاعر المعلّم يريد أن يقول أكثر، كأنّ يد سفّاح تسدل على وجهه ظلّها، فنبض الثورة متغلغل وإن بخجل بين الكلمات وخاتمة القصيدة تقول المزيد: «أعيد الكلمات/ بتنانير الهمّ الجديد/ وفساتينه/ وقمصانه/ وأقف لأشعل بالطباشير وصوتي/ روحَ ضوء وليد». وللنبض الثائر حضور واستمرار في أكثر من نصّ، كما في قصيدة «وميض فكرة موؤودة»، ففكرة مراد طفلة الحريّة: «تثور بالرفض صراخا/... قافزة من فوق جميع الجدران الهرمة/... اللعنة على الحواجز/ تُردّدها بحنجرة من فولاذ الكلمة»... وهي تتناسل، لأنّها أنثى الحقّ ويجب أن تملأ الدنيا أولادا وأحفادا: «وعندما تتناسل فكرتي/ أعدّ في اليوم أحفادها/ أتشظّى أجزاء من روح/ لأعيد النسل الهارب»... وفي قصيدة «لحظتي» يسترجع مراد ثورته ويعيد إعلان ذاته وحقيقة وجوده، فهو المنتمي أبدا إلى الحريّة: «لحظتي/ أنثى تلدني وألدها من لهاثي/... عنفوان ثائر ومعجزة نبيّ/ أنا المولود على صورة غيمة/ أحمل نقائي وغضبي لأذرف ندمي»...نجح غمكين مراد في ديوانه الأوّل «الروح أوسع من أن يلبسها جسد» في إلباس قلقه وألمه واحتجاجه العميق على الوجود عباءة القصيدة، وإذا كان جسده يضيق بروحه فإنّ قصيدته ضاقت بغموضها أيضاً وأرهقتها الإطالة، فالشعر يأبى الغموض المغلق وتفسير الضباب وشرحه بمزيد من الضباب.