الباحث محمد علي مقلد: لا خوف على الأقليّات من الثورات العربيَّة

نشر في 08-08-2011 | 22:02
آخر تحديث 08-08-2011 | 22:02
يعتبر الكاتب اللبناني  د. محمد علي المقلد أن المشكلة الأساسية في العالم العربي هي الاستبداد الذي علينا محاربته عبر إجراء عملية نقد ذاتي للمراحل السابقة وبالتالي الخروج منها إلى الديمقراطية، مؤكداً أن الثورات العربية تقوم ضد الاستبداد ونظمه ورموزه. كذلك يبدي د. مقلد في حواره مع «الجريدة» خوفه من الأصوليات كلّها، سواء أكانت دينية أو علمانية أو حتى شيوعية... مشيراً إلى أن زعماء الطوائف في لبنان يتكاتفون ضد «العلمانيين اللبنانيين» وفي مواجهة أي أفق للتغيير الجذري في النسيج اللبناني.

أبدأ بالثورات العربية، لماذا نشبت في هذه المرحلة تحديداً وليس قبل 10 سنوات مثلاً، وهل هي «ثورة»، «تمرد»، أم «موضة»؟

سؤال طُرح على عدد من المفكّرين، وآخر من كتب حوله المفكر المصري سمير أمين الذي اعتبر الثورة المصرية «أقل من ثورة وأكثر من احتجاج». شخصياً، أنتقد هذه الفكرة، إذ أعتبر أن غضب الشارع في مصر ثورة بالمعنى الدقيق، فالأخيرة في تعريفها لا تعني تبديل الحاكم كما هو سائد لدى بعض الثقافات العربية التي تعرّف الانقلاب باعتباره ثورة منذ أديب الشيشكلي إلى اليوم... الثورة تعني التغيير الجذري في بنية المجتمع في السياسة والاقتصاد والثقافة، أي هي تحويل المجتمع «من – إلى». أما الانقلابات العسكرية فكان التبديل فيها يحصل في السلطة أو الحكم، فيما تبقى الأمور كما هي ثقافياً واقتصادياً واجتماعياً، اللهم إلا بعض التعديلات على الصعيد الاقتصادي في العالم العربي، سواء «ثورة» البعث السوري والعراقي أو ثورة جمال عبد الناصر، إذ تمَّ بعض إجراءات نُسبت إلى الاشتراكية. هنا، لا بد من التذكير بأن فكرة الثورة الشاملة يلحّ عليها أدونيس بقوله إنه إذا كان لا بد من الثورة فعلينا إحداث ثورة في العالم الثقافي والبنية الثقافية والقيم الثقافية التي تشكّل السلطة وتحميها.

قال سمير أمين في تعريفه للثورة بوجود ثورتين في العالم المعاصر، الثورة الفرنسية والثورة الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي، باعتبار أن الأولى أحدثت الانقلاب الجذري ليس في السلطة فحسب، بل في مجمل المجالات الثقافية والاقتصادية، والثورة الاشتراكية أيضاً. سؤالنا، أي معيار ينطبق على «الربيع العربي» من هذه الثورات؟ من بداية التسعينيات اعتبرت أن أحد أسباب الخلاف مع الحزب الشيوعي اللبناني ومع سائر القوى السياسية الحزبية اللبنانية خصوصاً والعربية عموماً، هو المشكلة الأساسية في العالم العربي وهي الاستبداد، في الوقت الذي كانت القوى السياسية تعتبر أن المشكلة الأساسية في هذا العالم هي المشكلة الصهيونية والقضية الفلسطينية وما يدور حولهما من شعارات الاستعمار والعداء للصهيونية والإمبريالية. منذ ذلك التاريخ وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي والحركة الوطنية، طُرحت علينا أسئلة من قبيل: كنا مخلصين لخطنا فلماذا خسرنا؟ وهل كانت خسارتنا بسبب التآمر علينا فحسب؟

منذ بداية طرح هذا النوع من الأسئلة، قلت إن أحد الأمور التي نتحمّل مسؤوليتها أننا كنا نضع برامج غير دقيقة لا تنطبق مع الواقع اللبناني خصوصاً أو العربي عموماً، من بينها أننا كنا نقاتل الولايات المتحدة الأميركية ليس لأنها ظالمة، بل لأنها عدوة الاتحاد السوفياتي(حليفنا)، نقاتل بالنيابة عن الشيوعية العالمية، أي أننا نحارب لأجل الآخرين؟ أجريت نقداً فكرياً من خلال كتاباتي (خصوصاً كتاب «أصوليات») وتبين لي أن العدو المشترك قد يكون الصهيونية بالنسبة إلى البلدان المحيطة بإسرائيل، لكن ما علاقة الصومال بما يجري هنا؟ التخلّف الموجود في الصومال ليس سببه إسرائيل والأمر نفسه في اليمن؟! كنا نقول إن إسرائيل أحدثت وشاركت في الحروب الأهلية في لبنان لتقسيم هذا البلد... لكن ما علاقة إسرائيل في الحرب الأهلية التي حصلت في السودان أو الحرب الأهلية التي حصلت في الجزائر وفي العراق؟

لا شك في أن ثمة مشكلة أساسية في العالم العربي وهي الاستبداد. بالتالي، نحن الذين كنا نطلق على أنفسنا صفة الوطنية والتقدمية لم نكن بمنأى عن الاستبداد. هكذا، إذا كان علينا محاربة الاستبداد لا بد من إجراء عملية نقد ذاتي لكل المرحلة السابقة، للخروج منها إلى الديمقراطية. والثورات العربية الراهنة في هذا المجال تقوم ضد الاستبداد ونظمه ورموزه، ولا تطرح الشعارات القديمة مثل شعارات الاشتراكية وتحرير فلسطين والقومية العربية، وهذا الأمر يتجلى في تونس ومصر واليمن، وعلى هذا اعتبر هذا الغضب الشعبي ثورة بالمعنى الدقيق، لأن التظاهرات والاحتجاجات تطرح للتغيير السياسي وليس لتغيير النظام فحسب، وهي تشبه الثورة الفرنسية لأنها تجري عملية انتقال من نظام وراثي الى نظام جمهوري أو ديمقراطي.

استندت الثورة الفرنسية الى مثقفين وفلاسفة وكتاب، أما الثورات العربية الأخيرة فأتت من دون «نظرية» ولا تستند إلى مرجعيات ثقافية ومفاتيحها الـ»فايسبوك» والـ{يوتيوب» و{تويتر»؟

المقارنة بهذا المعنى ليست دائماً في مصلحة الثورة الفرنسية التي تعتبر النموذج الأول والمثل الأول للثورات في العالم على الصعيد السياسي، بينما حصلت قبلها ثورات أخرى لا تقل أهمية عنها في المجال الاقتصادي في بلدان مثل هولندا وبلجيكا وبريطانيا. كذلك شهد العالم ثورات في مجال التعليم والاكتشافات العلمية في أوروبا وكانت مقدّمة للتطوير في القارة القديمة. لكن كُتب للثورة الفرنسية هذا المجد لأنها أحدثت ثورة سياسية مستندة إلى نظريات فلسفية وحقوقية، نقلت السلطة الفرنسية من الحكم الوراثي الإقطاعي الى الحكم الجمهوري الديمقراطي.

في العالم العربي، ليس علينا أن نكون سلبيين نتّجه إلى التعميم وكأننا مصابون بالعقم، فالعالم العربي جزء من العالم وتحوّلاته والثورات، وفي زمن الإنترنت والصورة لم يبق أحد معزولاً عن الكون أو عن الأحداث في أي مكان، وكل منجزات العلم الحديث أصبحت مباحة للجميع من الصغير إلى الكبير وحتى الأمي.

هل تعتبر أن المثقّفين في العالم العربي كانوا حلفاء للاستبداد؟

كان المثقّفون، وأنا منهم، يروّجون للثقافة الحزبية والشعارات، وبمعنى ما كنا «مثقفين حزبيين» وكانت ثقافتنا في معظمها تدور حول القضايا الكبرى من «القومية» والوحدة العربية وتحرير فلسطين، ولم تكن في العالم العربي إلا الأحزاب ذات الطابع القومي بما في ذلك الأحزاب الشيوعية والإسلامية. بالتالي، كانت ثقافة هذه الأحزاب قائمة على مساندة الاستبداد. وهذا لا يعني أن العالم العربي يخلو من الأسماء التي تناولت مواضيع بارزة مثل الديمقراطية والحرية وغيرهما، ففي المغرب كان ثمة المفكّر عبدالله العروي وفي سورية المفكّر المقيم في باريس برهان غليون وغيرهما أسماء كثيرة.

هل ثمة خوف على الثورات العربية من «الإسلام السياسي» أو «الخمينية الجديدة»؟

لماذا نقصِّر الخوف في هذا المجال على «الإسلام السياسي»؟ ثمة خوف من الأصوليات كلّها، سواء أكانت دينية أو علمانية أو حتى شيوعية... أقول ثمة خوف على الثورات العربية من بعض العلمانيين العرب أيضاً لأنهم أصوليون أيضاً واستبداديون، والأحزاب الشيوعية والبعثية والناصرية والقومية الاجتماعية كلّها أحزاب استبدادية ترفض الآخر، وإذا كان لا بد من خوف ما فيجب أن يكون من هذه الأحزاب القديمة كافة... لكن أعتقد بأن هذه الثورات العربية ألغت أو فكّكت الأفكار الإيديولوجية التي تقوم على إلغاء الآخر، وهذا لا يعني أنها اختفت ولم يعد لها أثر، على أن أليات العمل الحزبي السابق انهارت مع قيام هذه الثورات بل قبلها، وبعدها لم يعد ممكناً التفكير برفض الآخر. وحتى لو حاول اليسار العربي إعادة بناء نفسه، فلا يمكنه ذلك على الطريقة القديمة، فهو لا يمكن أن يكون جديداً ما لا يقوم بعملية نقد ذاتي لتجاربه السابقة القائمة على الاستبداد، على أن الإسلاميين السياسيين لا يمكن أن يكونوا شركاء في الثورات العربية ما لم يلجأوا في برامجهم وأفكارهم الجديدة الى نقد تجارب العنف المسلّح أو توظيف العنف للوصول إلى السلطة، وبالتالي نقد تجارب الاستبداد التي تلغي الآخر. المطروح راهناً في الثورات العربية، كيف يمكن أن تتعايش القوى السياسية المتباينة تحت خيمة الوطن، بينما في الماضي كانت المشاريع قائمة على إلغاء الآخر؟

الوجه الإيجابي في الثورات العربية هو أن الجميع بات يبحث عن سبل العيش في فلك واحد، هذا جزء من مسار الديمقراطية التي ستتجلى من خلال الانتخابات البرلمانية. سابقاً، كنا في إطار مشهد ساخر وهو أننا نعرف نتائج الانتخابات قبل بدئها، على عكس البلدان الديمقراطية التي تقرّر سياساتها في صناديق الاقتراع.

في أي اتجاه تسير الثورات العربية في رأيك؟

لست المنجّم ميشال حايك كي أتنبأ بمستقبل الأحداث في العالم العربي، لكن ما أستطيع قوله من الوقائع إن الثورات العربية من تونس إلى مصر وضعت قطار التغيير على السكة من دون أن يعني ذلك أن مسار القطار سليم وأن العربة لن تتوقّف ولن تحصل مشاكل في المستقبل. فقد نشهد خللاً ما في العربة أو السكة، وقد تتقدم عربة القطار أو تتأخر وربما يتعطّل محرّكها وقد تتأرجح في مشوراها... هذه من الأمور البديهية، لكن لا بد من الاعتراف بأنه للمرة الأولى في العالم يوضع القطار على سكته الحقيقة، للانتقال من عصر الوراثة إلى عصر الديمقراطية والحكم الجمهوري... والدولة.

الثورات هي سكة الانتقال من الحضارة السابقة على الرأسمالية الى الحضارة الرأسمالية، هذا نوع من تحدّ أمام اليساريين القدامى الذين كانوا يعتبرون الحضارة الرأسمالية ليست بحضارة، ويطلقون عليها نعوتاً سيّئة مثل «المتوحّشة» وما شابه.

صحيح أن الرأسمالية بالمعنى الرمزي قائمة على الاستغلال غير الشفاف وغير الواضح لأن العامل لا يعرف مصير مجهوده، على عكس الفلاح في زمن الإقطاع الذي كان يعرف أن تعبه يذهب الى الإقطاعي. بهذا المعنى ثمة وحشية في الرأسمالية، لكنها مع سيئاتها قدّمت «البحبوحة» والرفاهية، والديمقراطية وحقوق الإنسان وهي من منجزات الثورة الفرنسية التي أعلنت في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وشرعة حقوق الإنسان.

قبل الثورة الرأسمالية كان السلطان العثماني مثلاً يتصرّف كما تتصرف المخابرات الاستبدادية اليوم، يخطف المواطن ويرميه في البحر، ويخبر أهله بذلك من دون أن يتجرأ أحد على معرفة التفاصيل، من منطلق أن المرء لا حقوق له، ثم أتت الرأسمالية، التي وعلى رغم سيئاتها، تبقى أفضل بكثير من الاستبداد.

لبنان إلى أين وسط «معمعة» الثورات العربية؟

لبنان أكثر البلدان هدوءاً في الظاهر، مقارنة بما يحصل في اليمن وليبيا وسورية ومصر وتونس حيث الحروب. أما بالنسبة إلى الجانب المتعلّق بربيع العرب ولبنان، فالمسألة معقّدة أكثر مما هي الحال في الثورات العربية. أولاً لأن هذا البلد بموقعه مرتبط بالوضع العربي ككل، الوضع في سورية مثلاً ينعكس على الوضع في الداخل اللبناني في الاتجاهات كافة. أضف إلى ذلك أنه حين طرح في العالم العربي مطلب «الشعب يريد إسقاط النظام»، كان لبنان في حركة 14 آذار سباقاً في هذا المجال، وطرح إسقاط النظام الأمني اللبناني – السوري، لكن لم يستكمل هذا الشعار أو المشروع. يومها فكّر البعض في أنه إذا كان علينا القيام بثورة فلا بد من إسقاط رئيس الجمهورية (إميل لحود) وهو رأس النظام الأمني، فرفض هذا الاقتراح من بعض القوى السياسية. بالتالي، لجمت حركة 14 آذار وجرت مساومة بين قوى 14 و8 آذار في الانتخابات النيابية 2005 وفي مجالات أخرى من خلال «الاتفاق الرباعي».

اليوم، أصبحت عملية إسقاط النظام الطائفي في لبنان صعبة جداً، ولم تعد تتعلق برمز فحسب، ولم يعد رئيس الجمهورية اللبنانية هو الممثل الوحيد للنظام بل صار موضوع تسوية بعد اتفاق الدوحة. بل يمكن القول إن رموز النظام في لبنان صاروا سبعة، كل طائفة لها ممثلها، فإثنان من القادة الشيعة (نبيه بري – حسن نصرالله) يمثلان الشيعة وسعد الحريري يمثل السنة ووليد جنبلاط يمثل الدروز وسمير جعجع وأمين جميل وميشال عون يمثّلون المسيحيين. وهذه هي المشكلة التي تعترض «العلمانيين اللبنانيين»، إذ يتكاتف زعماء الطوائف في مواجهة أي أفق للتغيير الجذري في النسيج اللبناني. بالتالي، تصبح العلمانية مهمّشة. ويتفق هؤلاء الزعماء على تجديد النظام وبالتالي تجديد الاستبداد وهذا ما حصل في اتفاق الدوحة.

نأمل اليوم في تعديل قانون الانتخابات في لبنان على أساس النسبية، وهذه فرصة العمر للبنانيين، ففي حال لم يلجأ رئيس الوزراء نجيب ميقاتي الى قانون النسبية سيسقط حتماً في الانتخابات.

هل ثمة خوف على الأقليات الإثنية والدينية في ظل الثورات العربية؟

يأتي الخوف على الأقليات من الاستبداد وليس من الثورات العربية، وعندما تتشكّل الديمقراطية في الدولة يبدأ الاهتمام بالأفراد وينتهي التقوقع ومنطق الأقليات...

لكن ثمة من يقول إن الأقليات متحالفة مع الاستبداد؟

العكس صحيح، فالأقليات خائفة من الاستبداد وليست متحالفة معه، لكن لأن كل نظام يشيع الخوف ويروّجه كي يبقى مسيطراً فإن الأقليات ملزمة بأن تتعاون معه خوفاً على مصيرها. لنقل إن المسيحيين في سورية مثلاً يخافون المشاركة في الثورة السائدة لأن فشلها يجعل مصيرهم شأن مصير المسيحيين في العراق، لذلك يفضّلون إما تأييد النظام أو البقاء على الحياد، والمشكلة أن النظام لا يسمح لهم بالجلوس على الحياد فهو يزجّهم في أتون الصراع والمعمعة.

المهم القول إنه لا خوف على الأقليات من «ربيع العرب»، لكن يتخوّف كثر من حروب أهلية ربما تأتي في حال إخفاق الثورات العربية، لا سيما أن الأنظمة الاستبدادية تجعل الحرب فزاعة، وهذا ما فعله عمر البشير في جنوب السودان أو ما كان يريد فعله الراحل أنور السادات في مصر، والذي هدّد بأنه إذا لم يحكم ستشتعل الحرب بين الأقباط والمسلمين. في هذا السياق، أعتقد أن الناس أصبحوا على قدر من الوعي، وهذا ما يحصل راهناً في سورية، «وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم»!

في سطور

الدكتور محمد علي مقلد كاتب وأستاذ محاضر في الجامعة اللبنانية من مواليد جرجوع - جنوب لبنان عام 1947. نال دكتوراه من جامعة السوربون – باريس عام 1987 بأطروحة عن الشعر والصراع الأيديولوجي (دراسة عن علاقة الشعر والسياسة في لبنان خلال الحرب الأهلية).

أبرز مؤلفاته:

- «الشعر والصراع الإيديولوجي»، دراسة عن علاقة الشعر بالسياسة»، دار الآداب، بيروت – 1996.

- «الأصوليات»، دراسة في معوقات النهوض العربي، دار الفارابي، بيروت، 2000.

- «قضايا حضارية عربية حديثة ومعاصرة»، دار المنهل اللبناني، 2003.

- «اليسار بين الإنقاذ والأنقاض»، كتيب عن أزمة اليسار اللبناني، 2005.

- «اغتيال الدولة»، دار الانتشار العربي، 2006.

الأصوليات غير الدينية

الأصولية والسلفية مفردتان تصبان في الدلالة ذاتها، كلاهما يدعو للعودة إلى الأصول، الأولى إلى النصوص والثانية إلى سيرة السلف «الصالح»، أي إلى الممارسة (البراكسيس بالتعبير الماركسي). إنهما يلتقيان إذ يرى الأصولي في النصوص مرجعاً صالحاً ويرى السلفي في سلوك السلف نصوصاً تقتدى. وكلاهما ضد الابتكار والاجتهاد، لأنهما يقتلان المخيلة ويحدان من القدرة على الإبداع، ويجعلان الماضي رابضاً أبدياً على صدر العقل لا يحول ولا يزول. الأصولية أقرب، إذن، إلى أن تكون حركة فكرية تقارب السياسة من خلال النصوص، بينما السلفية أقرب إلى أن تكون حركة سياسية تقارب الفكر من خلال سير الأسلاف، فيصير الفصل بينهما كالفصل بين الفكر وحامله! بالمنهج الديكارتي، هذا الأمر ممكن. وبغيره يختلط حابل الثورة بنابل الظلامية.

ارتبط الكلام عن الأصولية والسلفية بالحركات الدينية التي نشأت، في صيغتها الحديثة، مع الجيل الأول من رواد النهضة العربية. أما الصيغ القديمة فبعضها يرقى إلى مرحلة «العقل العربي» بالتعبير الجابري، أو إلى ما قبله، حيث الصراع كان، في أحد وجوهه، بين العقل والنص، أي بين الإبداع والتحجّر، أو بين الثابت والمتحوّل (أدونيس) أو بين التقليد والتجديد، ثم صار، في زماننا، بين الأصالة (العودة إلى الأصول) والحداثة (كأن الحداثة خروج على الأصول)، أو بين العلم والإيمان، أو بين الشرق والغرب، وهي كلّها ثنائيات مغلوطة لا تصلح لتشخيص أزماتنا ولا لوصف العلاج.

ليس دفاعاً عن الأصوليات الدينية اخترنا العنوان، فقصدنا أن نتحدث عن أصوليات غير دينية، بل لأن التباس أدوارنا في حل الأزمات العربية، القطرية والقومية، يقتضي القيام بعملية نقد للنصوص وللأسلاف على حد سواء، ويكون النقد أكثر جدوى ومصداقية إن هو بدأ بنقد الذات قبل نقد الآخر. من هنا كانت فرضيتنا عن وجود أصوليات ماركسية وأخرى قومية، بدأنا بالكتابة عنها منذ مطلع التسعينيات (وتركز معظم النقد حول الأصوليات الماركسية). اليوم، مع عصر الثورات العربية صار ينبغي أن يكون نقد الأصولية القومية أكثر جرأة، بل صار يستساغ الكلام اليوم عن وجود قاسم مشترك كبير بين المكونات الدينية والاشتراكية داخل الحركة القومية.

الحركة القومية بكل مكوناتها انطلقت من أن سبب الأزمة خارجي: إنه الصهيونية والامبريالية والاستعمار( والرجعية بصفتها أحد عملاء الاستعمار والاستكبار). ومن سلالة هذا الاعتقاد وعلى أساسه نشأت نظريات ووضعت خطط للمواجهة، كان من أبرزها نظرية المؤامرة وخطة الممانعة. ومنهما توالدت سلسلة من المصائب المتتالية من النكبة إلى النكسة إلى نقض شعارات الوحدة والحرية والاشتراكية بل إلى تحقيق نقائضها، إذ بديلاً عن الوحدة تفكّكت دول وأوطان، وبديلاً عن الحرية انتشرت الأحكام العرفية وقوانين الطوارئ وبديلاً عن «البحبوحة» الاشتراكية و{الرفاه» الرأسمالي كان جوع وأمية وتخلّف ودويلات قراصنة وقبائل وعشائر وأفخاذ... وصولاً إلى كل الانتصارات الوهمية التي سوّغت بقاء القائد إلى الأبد وبرّرت الاستبداد.

نظرية المؤامرة سلّطت الضوء على عدوّ خارجي، ما يعني أن وحدة الأوطان العربية والأمة العربية ليست ضرورة بنيوية داخلية بل هي حاجة وأداة تمليها آليات المواجهة مع العدو الخارجي. هذا منبع الشوفينية والتعصّب وكره الآخر، الآخر الذي يبدأ بالأجنبي والغريب، وينتهي بالرأي المختلف حتى لو كان صاحب هذا الرأي ابن جلدتك وشريكك في المواطنية. وهو منبع الاستبداد (لأن أحد معاني الاستبداد الاستفراد بالرأي) وبالتالي تغييب الديمقراطية، ولهذا لم توضع الديمقراطية على جدول عمل التاريخ العربي الحديث، إلا مع الثورات المظفرة الراهنة.

نظرية المؤامرة غيّبت الأسباب الحقيقية لبقاء الأمة العربية في عداد دول العالم الثالث، ثم سقوطها في خانة الرابع أو الخامس في التصنيف. وهي التي صوّبت النظر إلى غير المصدر الحقيقي للتخلّف، بل إلى غير تاريخه الحقيقي. إذ هو يعود بحسبها إلى مرحلة الاستعمار، في حين أنه متأصّل في تاريخ أبعد، أي منذ دخلت الأمة عصر الانحطاط وانهيار الدولة العباسية والحروب الصليبية وتيمورلنك وهولاكو والمغول وتدمير المكتبات، وخروج العرب من الأندلس، وبالتالي سيادة الجهل والأمية في ليل الأمة الطويل .

لا يجوز إدراج هذا الكلام في خانة الدفاع عن الاستعمار والصهيونية والقوى الخارجية كلّها، بل هو دعوة إلى إزالة الأوهام عن مناهج النظر إلى تاريخنا القريب والبعيد وإعادة الاعتبار للتحليل العلمي ولدور العوامل الداخلية الحاسم في صنع التاريخ، من غير إغفال لتأثير ما ودور يمكن أن تؤديه القوى الخارجية. أليس هذا ما أثبتته الثورات العربية التي صنعها شباب تونس ومصر على سبيل المثل، ذلك أن قوى الغرب و{الاستعمار والصهيونية والاستكبار» ارتبكت حيالها، ولم تعرف كيف تتّخذ موقفاً أو قراراً بالتأييد أو بالتنديد، غير أن هذه الثورات كشفت ستار الوهم عن نظرية المؤامرة، إذ لم يقتصر الارتباك على الخارج بل أصاب في الصميم العقل السياسي القومي المهيمن على الأمة العربية، ذلك أن القوى القومية، بتياراتها الأصولية المختلفة، توزّعت بين مؤيد ومعارض ومتردّد، لأن الخيط الهادي في تحليلها انقطع أمام عاملين مستجدين في تطورات المنطقة: الأول تشديد الثوار على العامل الداخلي مختصراً بمحاربة الاستبداد ومرموزاً إليه بشعار إسقاط نظام التوريث السياسي والفساد وقوانين الطوارئ، والثاني دخول ظهور القوى الخارجية كعامل ملتحق بالأحداث لا كصانع لها.

من الطبيعي أن تتناسل من نظرية المؤامرة خطة للمواجهة استقر إسمها على «الممانعة» بعد أن استخدم الفكر القومي الأصولي للتعبير عنها مصطلح «الصمود والتصدي». المشترك بين العبارتين، على كل حال، هو سلبية الخطة واختيار الدفاع بدلاً من الهجوم. ذلك يعني أن الأصولية، على أنواعها كانت تعرف ما لا تريده، وترتبك في تصوير ما تريده. كل الأصوليات، بهذا المعنى أقرب إلى منطق الرفض الذي لا يبني خطة ولا وطناً ولا حضارة بل يكتفي بالانكماش على الذات والتقوقع على العجز. اللاءات لا تبني وطناً، قيل هذا عند تأسيس الجمهورية اللبنانية، وقيل كذلك في غمرة النضال الفلسطيني المسلّح. ما يبني هو المشروع الإيجابي لا الخطة السلبية.

الممانعة تعني، ظاهرياً فحسب، عدم الموافقة على ما «يطبخه» العدو الخارجي، والبقاء في الانتظار، إلى أن تنتصر المؤامرة أو تتغير الظروف فيتراجع أصحابها عنها، وفي الحالتين تدعي الممانعة لنفسها شرف عدم التفريط، النظري فحسب، بالقضية. غير أن هذا هو التفريط بعينه، لأن التاريخ لا يقبل الانتظار ولا يسير بوتيرة الممانعين. الحركة القومية العربية وافقت على التقسيم الذي كانت قد رفضته غداة النكبة. كان الثمن نكسة أو نكبة جديدة و20 عاماً من الممانعة تصدّياً للمستبد الخارجي وتعزيزاً للاستبداد الداخلي. وهي وافقت على الصلح والمفاوضات والاعتراف في مدريد بعد أن كانت قد رفضته في لاءات الخرطوم الشهيرة. كان الثمن انخراط الحركة القومية كلّها في غزو العراق، وثلاثة عقود من الحروب والحروب الأهلية من المحيط إلى الخليج.

الدخول إلى مرحلة الهيمنة الأصولية كلّفنا قرنين من القراءات المغلوطة للتاريخ ومن البرامج المستحيلة التي اختارت إما شدّ التاريخ إلى الوراء وإما القفز فوقه. ينبغي ألا يكون الخروج منها مؤلماً ومكلفاً مثل الدخول إليها.

back to top