زمن البعث السوري - تاريخ موجز - للكاتب حازم صاغية - انقلابيو البعث تخلصوا من الانفصاليين وأمموا الحياة السياسية - 3
إطباق عبدالسلام عارف على السلطة في العراق أحكم عزلة «بعث» سوريةتنشر «الجريدة» على حلقات كتاب «زمن البعث السوري: تاريخ موجز» للكاتب حازم صاغية قبل طباعته وتوزيعه قريباً، وتنبع أهمية الكتاب خصوصا من تزامنه مع «الربيع العربي» و«الثورة السورية» على نظام «حزب البعث» في نسخته النهائية المتمثلة بحكم الرئيس بشار الأسد.
يحتوي الكتاب بين دفتيه قصة «موجزة» لهذا الحزب الذي طبع الحياة السياسية العربية مدة نصف قرن؛ من خلال سيرة شخصياته الأساسية وتفاعلهم مع أحداث سورية والمنطقة منذ نشوء الفكرة البعثية مع «الأساتذة» الأولين، مروراً بحكم العسكر الحزبي، وخصوصاً فترة الأسد الأب التي امتدت ثلاثة عقود، وانتهاء بمرحلة الأسد الابن التي تكرر المشاهد الدموية لكل العهود البعثية.سورية مُلك البعث: التخلّص من الشركاءلم يطل الوفاق بين صنّاع انقلاب 8 آذار 1963، وكان لكلّ واحد منهم أجندته الخاصّة: فالناصريّون أرادوا العودة بأسرع ما يمكن إلى الوحدة الاندماجيّة الكاملة مع مصر وعبدالناصر، والبعثيّون، أقلّه عسكريّوهم، أرادوا كسب الوقت لتمكين قبضتهم على السلطة والتخلّص من شركائهم المزعجين تمهيداً لبناء سلطتهم الذاتيّة، أمّا زياد الحريري، وكان على رأس كتلة من الضبّاط، فكانت تداعبه شهوات الحكم التي داعبت ضبّاطاً سوريّين كثيرين منذ نشأة سورية الحديثة.مع هذا كان القاسم المشترك الذي جمع بين الأطراف الثلاثة التخلّص من «الانفصاليّين» على أنواعهم، والقضاء تالياً على سلطة الأعيان التقليديّين لمدينتي دمشق وحلب الذين ظُنّ أنّ دولة الوحدة أزاحتهم، هكذا ما لبث أن أصدر الانقلابيّون لوائح مطوّلة بالعزل السياسيّ والحرمان من الحقوق المدنيّة طالت سياسيّي «الانفصال» والصحافيّين الذين دافعوا عنه ورجال الأعمال الذين داروا في فلكه، كما عطّلوا الصحف ونزعوا الشرعيّة عن أحزاب «العهد البائد». وكان الإجراء هذا بمنزلة عمل تأسيسيّ ينظّم الثأر والانتقام ويمأسسهما، ولم تقتصد إذاعة دمشق في الإفصاح عن هذه الوجهة، فقالت الأغنية الأولى التي راحت تُبثّ بعد الانقلاب من دون انقطاع:«البعث قامت ثورتهوالثأر دارت دورته»تفاوضووسط الشكّ والحذر المتبادلين، استقرّ رأي الأطراف الممسكة بالوضع الجديد على التفاوض مع عبد الناصر لاستعادة الوحدة، أمّا في ما يخصّ البعثيّين تحديداً، فبدا اقتراح كهذا شراء للوقت وعنصر تهدئة وتسكين لشركائهم الناصريّين، وللقوى التي لا تزال تؤيّد القاهرة في شوارع المدن السوريّة. وكان ما أسبغ بعض الجدّيّة على نوايا البعثيّين إصرارهم على ألاّ تكون الوحدة الجديدة ثنائيّة تقتصر على مصر وسورية وحدهما، بل أن تكون ثلاثيّة هذه المرّة، تضمّ إليهما العراق أيضاً. ذاك أنّ الرفاق في دمشق وجدوا في الرفاق العراقيّين الوزن الإضافيّ الذي يوازنون به ثقل مصر وعبدالناصر، وهذا من أجل أن يبنوا لاحقاً دولة متوازنة قابلة للحياة.لكنّ هذه الإضافة، وعلى ما اتّضح سريعاً، لم تكن مفيدة تماماً؛ ذاك أنّ الزعيم المصريّ الذي أكّد مراراً أنّه لا يثق بالبعث، كان مَن استفاد من تناقضات البعثيّين، ما بين عراقيّين وسوريّين، فضلاً عن نجاحه في كشف التهافت الفكريّ الذي يزعمه البعثيّون لأنفسهم بينما هم يتّهمون عبدالناصر بالافتقار إلى الأفكار والنظريّات المتماسكة.تضييق الخناقأهمّ من ذلك أنّ البعثيّين في سورية، وفي موازاة انتقادهم لدكتاتوريّة عبدالناصر ودعوتهم إلى «قيادة جماعيّة» تحلّ محلّ قيادته الفرديّة، و»تنظيم شعبيّ» يحلّ محلّ «الاتّحاد القوميّ»، مضوا في تضييق الخناق على شركائهم الناصريّين. هكذا حرموهم الصلاحيّات وحاصروا مواقعهم في السلطة الجديدة، غير عابئين بالتوصّل، في 17 نيسان (أبريل)، إلى توقيع ميثاق لوحدة ثلاثيّة تجمع مصر والعراق وسورية، وفي معزل عمّا اتُّفق عليه في القاهرة، بدت الأجواء أجواء حرب أهليّة في دمشق ما بين الطرفين «الوحدويّين». وبالفعل ففي 18 تمّوز ( يوليو) حاول الناصريّون، بقيادة ضابطهم المغامر جاسم علوان، تنفيذ عمليّة انقلابيّة سحقها البعثيون وأغرقوها في الدم.تخوين البعثوردّاً على أحكام الإعدام التي أصدرها أمين الحافظ، بوصفه وزير الداخليّة والحاكم العرفيّ، أعلن عبدالناصر إبطال العمل بمشروع الوحدة الثلاثيّة، مجدّداً تخوين البعث، ومذكّراً بموقفه المائع من الانفصال، ومحرّضاً عليه «الوحدويّين الشرفاء»، أمّا في سورية نفسها، فاستقال لؤيّ الأتاسي وبدأت تتجمّع السلطات الأمنيّة والدفاعيّة في يد الحافظ الذي سُمّي أيضاً رئيس المجلس الوطنيّ لقيادة الثورة.وإذ حان حين زياد الحريري وضبّاطه «المستقلّين»، فقد بدوا هدفاً سهلاً، فهو ما إن توجّه في مهمّة عسكريّة إلى الجزائر، في حزيران، حتّى اعتُقل ضبّاطه وأُعلن تعيينه ملحقاً عسكريّاً في الخارج، ويبدو أنّ زياد الحريري عرف ألا مكان له في دولة البعث، فرفض المنصب وتقاعد في باريس.وبالتخلّص من الناصريّين ومن الحريري، لم يعد للبعثيّين منافس فعليّ على السلطة. فـ»الانفصاليّون»، بمن فيهم مؤيّدو أكرم الحوراني ومحازبوه، مقصيّون عن الحياة السياسيّة، والشيوعيّون الذين يئنّون تحت ضربات دولة الوحدة، معيّرون بمواقفهم منها ومن النزاع العربيّ – الإسرائيليّ. أمّا العسكريّون المهنيّون من أبناء العائلات المدينيّة التقليديّة فاقتُلعوا تباعاً من الجيش. وإذا عطفنا هؤلاء على القوى الموالية للهاشميّين، كحزب الشعب والقوميّين السوريّين ممّن صُفّوا أواسط الخمسينيات، أمكن القول إنّ سورية غدت احتكاراً بعثيّاً.التخلص من التقليديين اليمينيينبيد أنّ الوجه الآخر لتأميم الحياة السياسيّة كان احتدام الصراع على السلطة داخل أجنحة البعث نفسها، فتحت عنوان التخلّص من «التقليديّين اليمينيّين»، لا سيّما «الأستاذين» عفلق والبيطار الذي أُبعد عن رئاسة الحكومة، نشأ حلف ما لبث أن تبيّن أنّه عابر بين كتل أربع: هكذا جذبت كتلتا «اللجنة العسكريّة» و»القطريّين» الضبّاط المتحلّقين حول الحافظ الذي تُرك له الموقع المتصدّر على رأس الدولة، كما جذبتا جماعة المثقّفين والناشطين المتأثّرين بتنويعات على الماركسيّة- اللينينيّة، وكان في عداد هؤلاء الأخيرين ياسين الحافظ الذي سبق أن انتقل من الحزب الشيوعيّ إلى البعث تحفّظاً منه على الخلاف الشيوعيّ مع عبدالناصر إبّان عهد الوحدة، وعلى العموم استطاعت المجموعات الأربع هذه أن تعقد، في أواخر 1963، المؤتمر القوميّ السادس للحزب حيث أُسقط البيطار من القيادة الحزبيّة، بينما تبنّى المؤتمرون أفكاراً «اشتراكيّة علميّة» و»منطلقات نظريّة» حلّت محلّ الأطروحات «القوميّة الصوفيّة» لعفلق.عزلة عربيةوفي هذه الغضون سقطت سلطة البعث في العراق في تشرين الأوّل (أكتوبر) 1963 بعد أشهر قليلة على قيامها؛ ذاك أنّ الصراع الحادّ بين جناح «يمينيّ» قاده حازم جواد وطالب حسين شبيب، وآخر «يساريّ» تزعّمه علي صالح السعدي، منح عبدالسلام عارف وضبّاطه فرصة الانقضاض على الطرفين وإطاحتهما معاً. وجاء التحوّل العراقيّ ليُحكم العزلة العربيّة على البعث في سورية: فإلى الحرب السياسيّة والإعلاميّة الشعواء مع مصر الناصريّة، التي قوّاها عارف بنقله الثقل العراقيّ إلى كفّة القاهرة، لم تكن البلدان الخليجيّة والأردن مطمئنة إلى النظام البعثيّ، بينما اعتُبر لبنان في عهد فؤاد شهاب شوكة مصريّة في الخاصرة السوريّة.ووفّر الأداء الخطابيّ والعشائريّ لأمين الحافظ على رأس دولة البعث عنصراً إضافيّاً في الاستهانة بهذا الحكم وعدم حمله على محمل الجدّ.وكان لتنامي العزلة أن عزّز الصراع حول السلطة، وإن عمل التحوّل العراقيّ على خلط بعض الأوراق والتحالفات، فقد التقت أجنحة البعث كلّها، بـ»اليمينيّ» فيها و»اليساريّ»، على استبعاد من اعتُبروا أقصى اليسار المتحالف مع علي صالح السعدي في العراق. ولأنّ هذا الأخير ومؤيّديه قد صُنّفوا مسؤولين رئيسيّين عن سقوط الحزب في بغداد، اعتُقل حليفهم السوريّ حمّود الشوفي بينما لجأ ياسين الحافظ إلى لبنان.انتفاضة صغرىكان هذا من جهة «اليسار»، أمّا من جهة «اليمين»، فكان على البعث، وسط أزمة اقتصاديّة خانقة، أن يواجه انتفاضة صغرى أعلنها الإخوان المسلمون وناصريّون وجماعات أهليّة في مدينة حماة، في نيسان (أبريل) 1964، انطلق ذاك التمرّد من جامع السلطان وارتكب منظّموه الإسلاميّون أعمالاً عنفيّة وطائفيّة عبّرت عن رفضهم حكم البعث، لكنّها نمّت، من ناحية أخرى، عن تعصّبهم ونزعتهم الدمويّة.بيد أنّ النظام، ومن خلال أمين الحافظ، ردّ بدمويّة مضاعفة تأدّى عنها مقتل ما يقرب من مئة شخص، فضلاً عن قصف المسجد نفسه، وكان لهذا الحدث الأخير الذي شكّل لكثيرين سابقة غير معهودة، أن نبّه البيئات السنية والمدينيّة المحافظة إلى دور أبناء الأقليّات الريفيّة في السلطة الجديدة. وبالطبع شابت هذا التنبّهَ مشاعر لم تحمل إلى أصحابها الاطمئنان والثقة.البعث من دون عفلق: العهد الثانيلم يفض كبح الإسلاميّين في حماة إلاّ إلى تجدّد النزاع بين أجنحة البعث نفسه، فقد نشأ تكتّل ضم محمّد عمران والعفلقيّين الذين سُمّوا بـ»جماعة القيادة القوميّة»، تبعاً لسيطرتهم عليها، في مواجهة التحالف بين قيادات «اللجنة العسكريّة» و»القطريّين» ممن عزّزوا موقع أمين الحافظ بوصفه مجرّد واجهة لهم. تنازع سياسيوالخلاف هذا، فضلاً عمّا شابَهُ من منافسات شخصيّة وأوجه تآمريّة مألوفة، انطوى على تنازع سياسيّ: ذاك أنّ الطرف الأوّل آثر اتّباع سياسة أكثر اعتدالاً في العلاقات العربيّة وأشدّ ميلاً إلى ترطيب العلاقة مع جمال عبدالناصر، فضلاً عن تخفيف الفئويّة والعصبويّة في الداخل، كما رأى ألاّ تذهب إجراءات التأميم إلى حيث أرادها صلاح جديد و»القطريّون» المتشدّدون أن تذهب، لكنّ الأخيرين، من خلال مواقعهم المفصليّة في الجيش، تمكّنوا، في كانون الأوّل (ديسمبر) 1964، من إبعاد عمران إلى إسبانيا كي «يخدم الثورة» سفيراً لها في مدريد، هو الذي أفشى لعفلق سرّ «اللجنة العسكريّة» فاستحقّ معاملتهم له معاملة المؤمن للمرتدّ.أهمّ من ذلك أنّ عفلق نفسه أُبعد عن الأمانة العامّة للحزب الذي أسّسه وأُعطي، في المقابل، لقباً تزيينيّاً، إذ غدا «القائد المعلّم»، وقد جيء بالبعثيّ الأردنيّ ذي الأصل السوريّ منيف الرزّاز ليتولّى الأمانة العامّة للحزب، ظنّاً من «القطريّين» أنّهم بهذا يستميلونه ويضعونه في مواجهة القيادة التاريخيّة، وهو ما لم يطاوعهم الرزّاز فيه.رد اعتباربعد ذاك ردّت «القيادة القوميّة» فوطّدت صلاتها بالحافظ، مستفيدة من كيمياء العلاقة السيّئة بينه وبين صلاح جديد، ومن شعوره بالحرمان من الصلاحيّات الفعليّة. ثمّ استخدمت سلطاتها الحزبيّة، فحلّت «القيادة القطريّة» وعيّنت قيادة حزبيّة عليا تنوب منابها أفرادها كلّهم يدينون بالولاء لعفلق.وفي السياق هذا أعيد تكليف صلاح الدين البيطار بتشكيل حكومة جديدة، كما سُمّي عمران، المُستدعى من مدريد، وزيراً للدفاع فيها، وكان في هذه الإجراءات والقرارات الآيلة إلى ردّ الاعتبار للتاريخيّين، قدر غير ضئيل من السذاجة، إذ افتقر أصحابها إلى مواقع مؤثّرة في القوّات المسلّحة، وظنّوا أنّ الحزبيّ، كائناً من كان، لا بدّ أن يمتثل لمن هو أعلى منه في الهرميّة الحزبيّة.عهد بعثيّ جديدوعلى عكس هذا التقدير توصّل صلاح جديد وحليفه حافظ الأسد إلى خلاصة أخرى مفادها أنّ الحلّ الوحيد المتبقّي تنفيذ انقلاب عسكريّ يطيح «القيادة القوميّة» ومناصريها، مُدخلاً سورية في عهد بعثيّ ثان.وبالفعل ففي 23 شباط 1966 استولى ضبّاط «اللجنة العسكريّة» على السلطة بعد هجوم دامٍ شنّوه على منزل أمين الحافظ، وكان من السهل على كثيرين تأويل الحدث تأويلاً طائفيّاً، حيث إنّ الضبّاط الثلاثة الذين قادوا الهجوم على أبرز الوجوه السنيّة في النظام البعثيّ هما العلويّان عزت جديد ورفعت الأسد، يعاونهما الدرزيّ سليم حاطوم.وللتوّ سرّح النظام الجديد 400 ضابط ورسميّ من الجيش والإدارة، مسمّياً حافظ الأسد وزيراً للدفاع، على أن يتولّى صلاح جديد الإمساك بالمنظّمات الحزبيّة وقيادتها، وكان يكفي أنّ نضيف هذه الدفعة من المسرّحين إلى الدفعات التي تتالت منذ 8 آذار (مارس) 1963، شاملةً الضبّاط المحترفين من أبناء العائلات التقليديّة ثمّ من الناصريّين و»القوميّين المستقلّين» والحريريّين، لنعرف كيف استعدّت سورية البعثيّة للحرب التي اندلعت في 5 حزيران (يونيو) 1967.سورية المريضةوكان من الإجراءات والقرارات الأخرى المجيء بالأقطاب المدنيّين الثلاثة، نور الدين الأتاسي ويوسف زعيّن وابراهيم ماخوس، وتسليمهم، على التوالي، رئاسة الجمهوريّة ورئاسة الحكومة ووزارة الخارجيّة. هكذا ذاع يومذاك تعليق لاذع للصحافيّ اللبنانيّ إدوار صعب الذي كتب عن تلك التطوّرات فرأى أن «سورية التي يحكمها أطبّاء ثلاثة لا بدّ أنّها مريضة جدّاً».أمّا عفلق فانتقل إلى بيروت ومنها إلى البرازيل، معلناً، بسوداويّة وتشاؤم يشبهانه، أنّ «لا هذا البعث بعثي ولا هذا العسكر عسكري»، وفي البرازيل، وفي ما بدا هجرة نهائيّة وأخيرة، مكث عند أقارب له مهاجرين، إلّا أن عودة حزب البعث، عام 1968، إلى الحكم في العراق، خلطت أوراقه مجدّداً، بحيث انتقل إلى بغداد واستقرّ فيها، وأمّا الحافظ وعمران فأُودعا السجن ولم يُطلق سراحهما حتّى حرب حزيران 1967.انقلاب 1966لقد غدا البعث، بانقلاب شباط 1966، بعثين، واحداً هو الذي يتربّع في سدّة السلطة ويتبع «القيادة القطريّة»، والآخر الذي استمرّ يدين بولائه لـ«القيادة القوميّة» وعلى رأسها عفلق، وإذ استبدل البعث الأوّل، الذي صار يُعرف منذ 1968 بـ»البعث السوريّ»، بأبوّة عفلق أبوّة زكي الأرسوزي المُستَحضَر من النسيان، تمسّك البعث الثاني، الذي غدا يُعرف بـ»البعث العراقيّ»، بمرجعيّة «الأستاذ ميشيل» المتكيّفة مع وطأة صدّام حسين وعُظامه.وكان الانشطار هذا بمنزلة الاستكمال والتتويج لعمليّة الفرز بين نظامين في بلدين مستقلّين؛ ذاك أنّ وصول فئات اجتماعيّة معيّنة، في سورية والعراق، إلى السلطة، ألغى الحاجة إلى القاطرة الوحدويّة وإلى الزعم الإيديولوجيّ اللذين تولّيا إيصالها.الانقلاب على الرفاقلكنّ النظام البعثيّ تميّز، ما بين 1966 و1970، حين انقلب حافظ الأسد على رفاقه، بسمات خاصّة نسبيّاً، ففي الداخل، عُوّل على جهاز المخابرات العسكريّة تعويلاً غير مسبوق، كما اتُّبعت سياسة تأميم متطرّفة لم تراع بعض أصغر الملكيّات الخاصّة، مصحوبة بتعزيز الصداقة مع الاتّحاد السوفياتيّ والصين الشعبيّة، وبتوزير شيوعيّ هو سميح عطيّة للمواصلات، ليكون بهذا أوّل شيوعيّ يحتلّ منصباً وزاريّاً في العالم العربيّ كلّه.لكنّ الكلام عن «علويّة النظام» حيناً، وعن «ريفيّته» حيناً آخر، بدأ يتردّد خارج سورية بدرجة ملحوظة من التوكيد؛ ذاك أنّ الطبيبين السنّيّين اللذين تولّيا رئاستي الجمهوريّة والحكومة، الأتاسي وزعيّن، والمسكونين بهمّ إيديولوجيّ صافٍ، اعتُبرا واجهة للعسكريّين العلويّين، لا سيّما أقواهم صلاح جديد.سياسة متشددةوتبنّى النظام الجديد سياسة متشدّدة فلسطينيّاً وعربيّاً، فقد دعا إلى اعتماد «الحرب الشعبيّة الطويلة الأمد» ومحاربة إسرائيل على الطريقة التي حارب بها الشيوعيّون الصينيّون والفيتناميّون اليابانيّين والأميركيّين. ولهذا الغرض نشر مصطفى طلاس، الضابط المقرّب من حافظ الأسد، كتاباً عن حرب العصابات بوصفها الأداة التي توصل وحدها إلى «تحرير فلسطين»، وقد قيل رسميّاً إنّ النظام أنشأ لهذا الغرض منظّمة «الصاعقة» التي عُهد إلى يوسف زعيّن أمر الإشراف عليها، كذلك اعتُمدت راديكاليّة قصوى حيال العراق، قبل استيلاء البعث على سلطته وبعده، وحيال السعوديّة والأردن وسائر «الأنظمة الرجعيّة العربيّة»، فضلاً عن اعتراض أنابيب النفط السعوديّ الذي تنقله شركة «أرامكو» الأميركيّة إلى جنوب لبنان، وتعبئة المنطقة بشعار «بترول العرب للعرب» والمطالبة تالياً بتأميمه، ولم تكن اللهجة المستخدَمة حيال تركيا، «مغتصبة لواء الإسكندرون»، وحيال إيران، «مغتصبة عربستان»، والبلدان حليفان للغرب، أقلّ حدّة وتوتّراً.انفتاح على القاهرةوقد حصل، في المقابل، انفتاح على القاهرة الناصريّة بوصفها قوّة تقدّميّة واشتراكيّة مناهضة للإمبرياليّة، تشارك دمشق الدوران في الفلك السوفياتيّ، غير أنّ التوكيد على الشراكة التقدميّة مع عبدالناصر صار يستبعد تماماً مسألة وحدة البلدين التي طوى النظام البعثيّ صفحتها بالكامل، منصرفاً إلى تعزيز سلطته «القطريّة».لكنّ التوجّهات الطفوليّة هذه التي أحكمت العزلة على سورية، لم تكن بريئة تماماً، ففلسطينيّاً، حاصرت دمشق منظّمةَ «فتح» التي تُعتبر الأب الشرعيّ للوطنيّة الفلسطينيّة، كما اعتقلت زعيمها ياسر عرفات، فضلاً عن جورج حبش، مؤسّس «الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين»، التنظيم الفلسطينيّ الثاني قوّةً وتأثيراً، أمّا «الصاعقة» التي ضمّت بعثيّين فلسطينيّين يقيمون في سورية، فكانت عين النظام وأذنه على النشاط الفدائيّ الفلسطينيّ، تماماً كما كانت «جبهة التحرير العربيّة» التي أنشأها البعث العراقيّ وتشكّلت نواتها من فلسطينيّين يعيشون في العراق، عينَ بغداد وأذنها على النشاط المذكور.وكان أبعد من هذا أنّ المزاودة اللفظيّة التي اعتمدتها دمشق في الموضوع الفلسطينيّ قد نجحت في إحراج عبدالناصر وتوقيعه اتفاقيّة عسكريّة وأمنيّة مع سورية وجرّه، من ثمّ، إلى سحب القوّات الدوليّة من شرم الشيخ، وهو ما قضت به تسوية حرب 1956.توريط عبدالناصرهكذا انتشرت، في العالم العربيّ وفي العالم، نظريّة مفادها أنّ السياسة الدمشقيّة كانت وراء حرب 1967 التي وقعت وقعاً كارثيّاً على العرب كلّهم، لا سيّما على المعنيّين المباشرين بها، أي مصر وسورية والأردن، وقد استنتج أصحاب هذه النظريّة، معزّزين بقدر من الواقعيّة وقدر من النزعة التآمريّة، أنّ البعث السوريّ هدف، أوّلاً بأوّل، إلى توريط عبدالناصر، من يساره هذه المرّة.