د. محمد أبوليلة: توحيد صفوفنا الحل الأمثل لخلق حوار ندي مع الغرب: الخلافات في الغرب على كثرتها تصنع حضارة أما الخلافات عندنا فتصنع فقراً وتأخراً
في كتابه (الحوار في القرآن الكريم) الذي صدرت طبعته الثالثة بداية شهر رمضان الجاري يكشف المفكر الإسلامي د. محمد أبوليلة رئيس الجمعية الثقافية للتواصل الحضاري، وعميد معهد الدراسات الإسلامية باللغات الأجنبية، وأستاذ الدراسات الإسلامية باللغة الإنكليزية بجامعة الأزهر عن عدم وجود حوار بناء سواء بين المسلمين والغرب أو بين المسلمين بعضهم مع بعض، وذلك لأسباب عديدة نتعرف عليها في حوارنا التالي.
• كيف حث الإسلام على الحوار على ضوء كتابك «الحوار في القرآن»؟ الحوار يعتبر من آليات الإسلام الأولى، فهو الذي يعقد الصلة بين الوحي والعقل، فالإنسان خلقه الله بطبيعته متكلم يحب التواصل مع الآخرين يقول تعالى «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم»، فالتعارف بين الناس أمر يتصل برسالة الإنسان على الأرض، القرآن الكريم تكلم عن الحوار في أكثر من موضع حتى قبل خلق آدم عليه السلام مثل حوار الله مع ملائكته وحواره مع إبليس واستمرت المحاورات والمراجعات والأخذ والرد في الكلام وتقليب الأمور في القرآن الكريم مع جميع الأنبياء من عهد آدم عليه السلام حتى النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، الحوار في القرآن الكريم من خلال القصص القرآني يتنوع تنوعا عجيبا في قضايا شتى، إذن الحوار في القرآن الكريم ثري ويعين العقل على أن يحاور في أي مجال كان ويعين العقل على تقبل الآخر، والمشكلة أننا لا نستوعب آداب الحوار، فلو تناقشنا في مسألة ما وغايتنا إدراك الحق ما كانت هذه النزاعات الكثيرة بين الناس ولا دبت الخصومات ولا تحزب الناس وانقسموا إلى فرق وشيع وأحزاب. • هل ظهور الفرق والتيارات الدينية كان نتيجة لعدم وجود حوار حقيقي؟ رغم أن المسلمين يجمعهم دين واحد فإننا للأسف نختلف في ما لا يجوز فيه الاختلاف ونتنابذ في ما بيننا ونتعصب لآرائنا، وهذه العصبية هي الرائدة إلى تفريق الأمة إلى جماعات وفرق متناحرة كما هو واضح اليوم، فالفرقة منقصة والفرقة عدم أخلاق، وغياب الأخلاق يولد هذه الصراعات والمنابذات والانقسامات الكثيرة التي تشهدها الساحة الإسلامية والعربية اليوم، وهذا مرجعه انغلاق العقل والعصبية. • كيف يرانا الغرب وهل هناك حوار حقيقي بيننا؟ الحوار يحتاج إلى قوة، فالمحاور الضعيف الذي ليس له دولة قوية أو أدبيات قوية إذا جلس على مائدة الحوار يكون أشبه بالمتسول الذي يستجدي الطرف الآخر من أجل أن يعترف به وينصفه، فضعفنا وانقساماتنا الداخلية تؤثر في وضعنا كمحاورين بالنسبة للخارج، وإذا استطعنا أن نلملم جروحنا ونوحد كلمتنا فسوف يكون الحوار قوياً وفعالاً وسوف يسعى الغرب إلى الحوار معنا، لكن نحن الذين نستجدي الغرب للأسف ليتحاور معنا وحتى لو نجحنا في عقد جلسات حوار، هذه الجلسات لا تتخطى السقف الذي يعلو رؤوسنا وليس لها تأثير في الخارج ولا تعدو أن تكون جلسات مجاملات يتبادلها الفريقان المتحاوران وينتهي الأمر عند هذا، لأننا ضعاف لا يخشى منا، والعالم للأسف لا يؤمن إلا بالقوة ولذلك يقول تعالى «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة» هذه القوة قد تكون قوة معنوية أو مادية أو علمية أو أدبية، فإذا تجردنا من كل هذه القوة فكيف نطمع أن يحاورنا الآخرون من موقع الندية أو يسمعوا لنا أو نرجو ثمارا من خلال الحوار الذي يتم. • هل فقدنا التأثير الحضاري كعالم إسلامي وفكر إسلامي وعربي؟ نعم لسنا عناصر تأثيرية في العالم، لأننا إذا لم نعترف بهذا وكابرنا فيه فإننا نغالط أنفسنا ونصر على أن نظل هكذا، نحن أطراف متأثرة دائما ومقلدة للغرب في كل شيء، ولا نسعى إلى إحداث إصلاح فكري داخل المجتمع يكون نابعا من عقولنا وإنما نستجدي تجارب الآخرين والإصلاح إذا لم يكن نابعا من داخلنا وثمرة من ثمار بلادنا لن يكون هناك إصلاح هذا لا يعني أن استغلق ولا يعني أن أسد النوافذ مع الغرب بالعكس. • ماذا عن تأثير السفارات الإسلامية في الخارج؟ هي معنية بالنواحي الدبلوماسية والسياسات وليس لها أي نشاط ديني، وللأسف المكاتب الثقافية في السفارات الإسلامية أحيانا تعقد لقاءات ثقافية لكن ليس بالدرجة الكافية، حيث يعتنون بالنواحي الدبلوماسية والعلاقات الدولية، وكما قلت إننا في حالة ضعف وترد في العالم الإسلامي فليس لنا تأثير. • ماذا عن الجاليات الإسلامية في الغرب؟ أصبح لها وجود ونشاط كبير، وأصبحت مسموعة الصوت ولهم صحف خاصة بهم، وأصبحت المراكز الإسلامية والمساجد هناك كثيرة جدا، لكن لايزال أيضا الوضع سيئاً لأن الجاليات الإسلامية لها همومها المعيشية بسبب الجو العام ولها أيضا سلبياتها، لأنها تتأثر بما يجري في البلدان الإسلامية، فكل جالية انتماؤها الأكبر إلى الوطن الأم وتأتي بسلبياته، وهذا يؤثر على مسار الدعوة. • معنى ذلك أن هذه الجاليات لا تتحاور بعضها مع بعض؟ الحوار موجود لكن للأسف ليس بالدرجة الجيدة، وكل فريق هناك كما نحن هنا فرح بما عنده ومستقل عن الآخرين ويوجد حوار مع الآخر الغربي ولكن لا تمثل تياراً عاماً، فالجاليات الإسلامية للأسف لها سلبياتها الكثيرة القومية ومشاكل البلاد الأم وأيضا الوضع العام ضد المسلمين مازال هناك بعض التطرف من الصهيونية المسيحية ومن اليمين المتطرف في البلدان الأوروبية وفي أميركا، وكل هذا يعرقل ويكبح جماح الدعوة إلى الله، لكن المساجد حرة وتعمل ليل نهار بلا قيود. • هل هذه المشاكل تؤثر على نظرة الغرب إلى هذه الجاليات الإسلامية هناك؟ بلاشك فمن المحبطات أننا لا نتفق على هلال رمضان مثلا وكل واحد يتبع الدولة التي أتى منها، وكل هذا يؤثر بالسلب على المسلمين في الغرب أيضا ليست هناك وحدة عامة تجمع المسلمين كتلك الوحدة التي تجمع بين اليهود أو اليابانيين، فمثلا الجالية اليهودية هناك تفرض ضريبة على كل يهودي لتقوية وضعهم وإنشاء مشاريع كبيرة في الغرب، لكن المسلمين رغم الأموال الكثيرة للأسف لم نستطع إلى اليوم أن ننشئ مشروعاً كبيراً في أوروبا أو أميركا. • لماذا لم يتحرك الغرب لمنع الإساءات المتكررة على شاكلة حرق قس أميركي المصحف الشريف؟ دعنا نتكلم بإنصاف هناك تحرك من الشعوب الغربية لمواجهة هذه الإساءات، فالرأي العام في أوروبا ليس بالسوء الذي يتوقعه الناس هنا حيث من الأميركيين من أدان هذا القس وطالب بمحاكمته ومنعه من إحراق المصحف. • ما رأيك في الدعاة الذين يبعثون إلى الغرب؟ نحن في حاجة إلى غربلة الدعاة وإعداد الدعاة الذين يبعثون إلى البلدان الأوروبية وحتى الإسلامية للأسف أقولها وقلتها من قبل المجاملات هي التي تحسم الاختيار، المعايير التي أحيانا توضع ليست كافية ولا دقيقة بالمرة، ولذلك الضعاف هم الذين يذهبون وكأننا نبعثهم للاسترزاق لا بغرض الدعوة والدفاع عن الإسلام. • ما مدى تأثير ذلك؟ قطعا يؤثر بالسلب بل جاءت شكاوى من جهات أوروبية بأن بعضهم يتسولون مثلا وهم يسيئون للإسلام والمسلمين. • لماذا لا توضع معايير صارمة لاختيار الأفضل؟ طالبنا بوضع معايير وطالبنا بوضع لجان نزيهة من الحكماء وليسوا من المصفقين وليسوا من المداهنين، ولن ننجح إلا إذا تخلصنا من عبادة الفرد وكله تمام يا فندم وأخلصنا للدعوة والعمل. • هل لجان الحوار بين الأديان في العالم الإسلامي نجحت في مهمتها؟ إطلاقا، فعلى تعدد اللجان والحوارات بين الإسلام والأديان الأخرى أو بين المنظمات الإسلامية بعضها مع بعض لم يحدث إلى الآن أن خرج بيان مشترك بين المسلمين والمسيحيين يؤيد أو يدين موقفاً من المواقف في الغرب، نحن نجتمع ونتحاور ونتبادل التحايا والسلام عليكم وينتهي الأمر على ذلك، فإلى الآن لا يوجد تأثير مقبول للحوار، وليس معنى هذا أن نغلق باب الحوار بل لابد من بذل مزيد من الجهود لخلق حوار مثمر. • كيف تقيم نشاط لجان الحوار عندنا؟ عندنا لجنتان الأولى لجنة الأزهر للحوار بين الأديان والثانية تابعة للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية ولجنة الأزهر التي كان يرأسها الشيخ فوزي الزفزاف، وهي لجنة ميتة ليس لديهم أي أوراق ولا سجلات لما أثمرت عنه هذه الحوارات، لكن في ظل الثورة هناك رغبة في الإصلاح والتجميع بين المسيحيين والمسلمين، فالكل يستشعر الخطر إذا استمرت الفرقة بين أبناء الوطن الواحد. • كيف يمكن خلق حوار بين التيارات الإسلامية المختلفة؟ علينا أن نبدأ بتوحيد صفوف الأمة ما بين شيعة وسنة أو بين السنة والصوفية والسلفية، فالخلافات التي في بلادنا أقل بكثير من الخلافات الموجودة في أميركا وأوروبا، لكن الخلافات عندهم تصنع حضارة أما الخلافات عندنا فتصنع فقراً وتأخراً، إذن علينا أن نرشد الخلافات ونضعها في إطارها الإيجابي حتى نحيي الأمة وننهض بها من جديد.