الأم وابنتها... انسجام أم توتّر؟

نشر في 22-12-2011 | 00:02
آخر تحديث 22-12-2011 | 00:02
تتّصف العلاقة بين الأم وابنتها غالباً بالصعوبة. إذا نظرنا إليها عن كثب، نلاحظ أنها تتأرجح بين المواجهات الشفهية والصداقة العميقة. وهذا ما تظهره لنا الإعلانات التلفزيونية والروايات التي تتطرّق الى هذا الموضوع. لكن تتفاوت هذه التصرفات من أسرة الى أخرى رغم تشابهها عموماً.

لا بدّ من الاعتراف بأن الوالدة تمسك بزمام الأمور أقلّه في البداية. فهي أنجبت هذه الفتاة التي تعتمد على أمها كثيراً، حتى تبلغ سناً معيناً فتكون مستقلّة ذاتياً. تتعدد صفات الأم: فقد تكون حنونة أو متسلّطة أو غير مبالية أو قريبة جداً من أولادها أو أنها على العكس تبالغ في حمايتهم. لا شكّ في أن الأمومة تشكّل تحدياً كبيراً. فمن جهة، تؤدي المواضيع التي تناقشها الأم مع ابنتها وتحديد الأهداف المستقبليّة الى قيام علاقة حميمة بينهما تختلف عن العلاقة التي تربط الوالدة بابنها. تنظر الفتاة الى والدتها كأنها مثالها الأعلى (أقلّه حين تكون صغيرة) وتشعر بأنها قريبة جداً منها، فيمكنها أن تحدّثها عن مشاكلها العاطفيّة وتستوضح منها عن الأمور الخاصة التي تحصل معها، كالدورة الشهرية مثلاً. كذلك، تشعر الأم بمسؤولية تجاه ابنتها التي ستصبح امرأة ناضجة يوماً ما. ومن جهةٍ أخرى، يأتي كثر على ذكر عقدة أوديب (عقدة نفسية تُطلق على الصبي الذي يحب والدته ويتعلق بها ويغار من والده) التي تطبع العلاقة بين الوالدة والإبن وينسون أن الفتاة أيضاً تشعر بهذا التعلّق العاطفي تجاه والدتها. تضطلع الأم بدور أساسيّ بالنسبة الى ابنتها، لا يجب التغاضي عن أهميّته. فمن الطبيعي أن ترغب الطفلة في انتعال أحذية والدتها والتقرّب منها أكثر.

تطوّرت العلاقة بين الأم وابنتها على مرّ الزمن. لكن نجد أن هذه العلاقة تمرّ بمراحل كلاسيكيّة تتكرر في أسر عدّة.

عندما يولد الطفل وحتى بلوغه الثلاث سنوات (سواء أكان فتاةً أم صبياً)، لا يميّز بين الجنسين ويظهر تعلّقاً كبيراً بوالدته: هي التي توفر له الغذاء فيربط الأم بمفهوم الطعام، إذ تلبّي حاجته حين يحسّ بالجوع ويبدأ بالصراخ. كذلك، تحميه من الخطر، فيرتمي في أحضانها حين يشعر بالخوف أو بالحزن.

بعد هذه المرحلة، يستطيع الطفل ملاحظة الفرق بين الجنسين. المرحلة بين سنّ الثالثة والسادسة في غاية الأهمية، إذ يكتسب الولد المفاهيم الأساسية والمعلومات بواسطة الألعاب التي تناسب فئة عمره ويبدأ بتخيّل القصص. جسدياً، يكون الولد مفعماً بالنشاط، يتحرّك باستمرار ويعتاد على استخدام يده اليمنى أو اليسرى ويبدأ بالرسم وبتقليد تصرّفات الكبار. وهذا ما تقوم به الفتاة بطريقة غرائزية حين تقلّد حركات والدتها لأنها تدرك أنهما ينتميان الى الجنس نفسه. تظهر عقدة أوديب في المرحلة التي يطلق عليها علماء النفس اسم «المرحلة القضيبية» phallic stage  وتمتد من سن الثالثة إلى الخامسة، وتعدّ إحدى أهم مراحل تطوّر الطفل. يصبّ في هذه المرحلة الولد تركيزه على الأعضاء التناسلية وضرورة وجودها أو غيابها. كذلك، يشعر الصبي بالغيرة من والده ويرغب في التقرّب من والدته أكثر. يستخدم علماء النفس مصطلح «عقدة الكترا» للدلالة على تعلق الفتاة اللاواعي بأبيها وعدائها لأمها. هذه المرحلة موقتة وقد لا يعبّر عنها بعض الأطفال، ذلك بحسب الظروف التي يعيشون فيها. راهناً، تعير الفتاة أهميّة كبرى الى المحيط الاجتماعي (كالأصدقاء في المدرسة والجيران...). يظهر هذا الحسّ الاجتماعي في سن السادسة ويرافقها مدى الحياة. تسعى الفتاة الى تقليد حركات والدتها حتى تبلغ الـ12 عاماً قبل أن تبدأ مرحلة المراهقة التي تقلب الأمور رأساً على عقب.

يطلق الخبراء على المرحلة التي تمتدّ من سنّ السابعة حتى الثانية عشرة «مرحلة الكمون» latency Period. يلتزم الولد في هذه المرحلة بالقوانين ويخضع لسلطة المسؤولين عنه (في المنزل وفي المدرسة). تتلاشى عقدة أوديب تدريجاً لأنه بحسب الطبيب النفسي سيغموند فرويد، ينمّي الولد علاقات اجتماعية خارج الإطار المنزلي. وتأتي في مرحلة لاحقة المراهقة فتتطوّر شخصية الولد وقد تنعكس بردود فعل حادة ومتطرّفة لدى بعض المراهقين.

تتّسم مرحلة بناء الشخصية لدى الولد برفض لكلّ ما يمثّل السلطة وهي تتميّز بعدم الاستقرار أيضاً. تسعى الفتاة الى إيجاد ذوق خاص بها يكون غالباً مغايراً تماماً لذوق والدتها، وترغب في الانتساب الى مجموعات خاصة، وتبدي رغبة في الانطلاق في الحياة. تلحق تغييرات كثيرة في جسمها أيضاً، تبدأ الدورة الشهرية وتتحوّل معها المفاهيم المرتبطة بالطفولة. في هذه المرحلة، تطلع الفتاة صديقتها الحميمة على كلّ تفاصيل حياتها الشخصية. ولا تبدو أكيدة من سمات شخصيتها وذوقها ولا تتمتّع بثقة قوية بنفسها، فتفقد أحياناً تقديرها لذاتها وتتبدّل أحاسيسها وعواطفها باستمرار. تظهر ملامح عقدة الكترا لدى الفتيات مجدداً فتبدو واضحة في تصرّفات عدائية إزاء والدتها وتحوّل المشاعر التي تكنّها نحو والدها الى أشخاص خارج الإطار العائلي: كمغنين مشهورين أو أساتذة في المدرسة أو أشخاص أكبر سناً فتشعر بانجذاب قويّ نحوهم.

في هذه المرحلة أيضاً، تظهر الفتاة اضطرابات كانت مضبوطة الى حدّ ما: كفقدان الشهية أو الشراهة أو التدخين. كذلك، في هذه المرحلة، لا تنظر الفتاة الى والدتها على أنها المرأة الكاملة ولا تحسّ بحاجة الى تقليد تصرفاتها حتى أنها قد تشعر بأن أمها «مسنّة» أو قد ترغب في منافستها. يزول هذا الشعور في ما بعد عندما تصبح الفتاة راشدة وحين تمرّ بتجارب جديدة في الحياة: كالزواج أو ولادة طفلها. على رغم المشاكل كافة بين الوالدة والابنة، نادراً ما تنقطع العلاقة بينهما.

أمهات اليوم

لا شكّ في أن أمهات اليوم مختلفات عن أمهات الأمس، ما يؤثر كثيراً على علاقة الوالدة وابنتها. فمعظمهن عاملات ويجبرهن العمل على الاهتمام بأنقاتهن وبتسريحة شعرهن والحفاظ على شبابهن لوقت أطول.

يؤدي هذا التغيّر الى نتيجتين:

• تشعر الفتاة بأن والدتها أقرب منها أقلّه على صعيد النشاطات اليوميّة فهي عاملة ونشيطة ولديها علاقاتها الخاصة، وقد تكون قدوة جيّدة لابنتها.

• أحياناً، تبدو الوالدة مفعمة بالحيوية أكثر من ابنتها ولو كان فارق السنّ بينهما كبيراً. قد تنعكس هذه الصورة سلباً على الفتاة التي لا تزال تتخبّط في أواخر المراهقة وتعجز عن تحديد شخصيّتها فتشعر أنها مضطرّة الى بذل جهود كثيرة لمنافسة والدتها.

في معظم الأحيان، تربط علاقة عميقة للغاية بين الأم وابنتها، تبدأ منذ الطفولة وتبقى حتى مرحلة البلوغ حيث تساعد الأم ابنتها على تخطي الصعوبات وتعطيها النصائح التي تحتاج إليها. لكن، لا يخفى علينا أحياناً غياب دور الأم في بعض العائلات ما يسفر عن اضطرابات في شخصيّة الفتاة. أخيراً، يفرض نمط الحياة اليوم على الأم أن تنسّق بين مختلف الأدوار التي تضطلع بها عائلياً ومهنياً، فباتت تتحمّل مسؤولية كبيرة تزيد دورها الفاعل في أسرتها ومجتمعها.

back to top