الثورة الروسية... الشيوعيون على عرش القيصر (3/3): انتصار البلاشفة.. لينين يفر إلى فنلندا خوفاً من الجماهير بعد اتهامه بالعمالة لألمانيا

نشر في 22-08-2011 | 22:02
آخر تحديث 22-08-2011 | 22:02
تلاحقت التغيرات التي حولت انتفاضة الغضب التي أشعلها الشعب الروسي إلى ثورة كبرى، ففي يوم 12 مارس حدث التغير الأساسي في الثورة، فقد قاد الجاويش كيريشنيكوف زملاءه في لواء فولنسك للقتال بجوار الثوار، ثم استطاع هذا البطل المجهول للثورة إقناع لواءين آخرين بالانضمام إلى الثورة، وبعدها انضم لواء موسكو لتستكمل الثورة تسليحها من خلال الهجوم المشترك للثوار وقوات الجيش على مستودعات الأسلحة.

سيطر الثوار بمساعدة قوات الجيش المتعاونة على الشارع، واندفع الجميع صوب قصر «توريد» مقر الدوما، فأعلن النواب على الملأ سقوط حكومة القيصر، وشكلوا «لجنة طوارئ» مهمتها الأولى إعادة الهدوء والسكينة إلى العاصمة، بينما شكل الاشتراكيون بزعامة المناشفة «لجنة سوفيات تنفيذية»، وبدأ الصراع بين اللجنتين على قيادة الثورة، وإن كان الواقع انتصر للمناشفة الذين شكلوا ميليشيات حلت محل شرطة القيصر المتداعية، واخترعوا لأنفسهم حق النقض «الفيتو» الذي استخدموه في براعة لإجهاض تحركات «لجنة الطوارئ» داخل مجلس الدوما.

وصلت قوات الجنرال إيفانوف المكلفة بقمع الثورة، لتجد أن الأمور تفوق قدرتها على السيطرة، فأرسل للقيصر يعلمه بمحاصرة القصر الذي تقيم فيه القيصرة من قبل الثوار، فاضطر القيصر إلى التحرك صوب عاصمة ملكه إلا أنه مُنع من دخول المدينة من قبل الثوار، فاضطر إلى الالتجاء إلى مقر قيادة الجنرال «تروتسكي»، حيث ظل وحيدا في مقصورة القطار القيصري، وحيدا يشاهد الأيام الأخيرة من ملكه تنقضي سريعاً.

واتفق نواب الدوما مع الاشتراكيين على وضع خطة عمل تقتضي نقل السلطة إلى «جمعية تأسيسية» منتخبة مع ضرورة اعتزال القيصر للحكم. إلا أن الاشتراكيين استطاعوا قلب الطاولة عندما أصدروا «الأمر رقم واحد» لمختلف فرق الجيش والبحرية الروسية بضرورة إطاعة أوامر السوفيات واللجان المشكلة منها، وإطاعة أوامر «لجنة الطوارئ» إذا كانت هذه الأوامر غير متعارضة مع أوامر السوفيات، وهو أمر كان يعني أن مجلس السوفيات الخاص بالاشتراكيين قد أصبح الآن في صدارة مشهد الثورة.

تنازل القيصر

أُرسل وفد لإجبار القيصر على التنازل عن عرشه لصالح ابنه ولي العهد، إلا أن القيصر المستسلم لقدره قرر التنازل لشقيقه الغرندوق ميخائيل وليس لابنه الذي كانت صحته لا تسمح بالقيام بمهام الحكم، وكتب القيصر نيقولا في 15 مارس وثيقة تنازله عن حكم روسيا موجها خطابه إلى مجلس الدوما قائلا: «قد رأينا بعد الاتفاق مع الدوما، أنه من الخير أن نعتزل عرش الدولة الروسية وننزل عن سلطتنا العليا، ورغبة منا في ألا نفارق ولدنا العزيز، قد سلمنا ميراثنا إلى شقيقنا الغرندوق ميخائيل ألسكندر روفتش، وله منا بركاتنا على ارتقاء عرش الدولة الروسية، وليمد الله روسيا بعونه».

لم تقنع اللجنة التنفيذية بهذا الانتصار السريع للثورة، وطالبت بالقضاء على الملكية بشكل نهائي، واستقبلت الجماهير الوفد العائد بنبأ خلع القيصر أسوأ استقبال فقد ساءها أن ترى فرداً آخر من آل رومانوف على عرش البلاد، فأرجأ الدوما نبأ إعلان ولاية القيصر الجديد حتى يتم انتخاب الجمعية التأسيسية بناء على اقتراح من الغرندوق نفسه، وتم إعلان تشكيل حكومة مؤقتة لتسيير أمور البلاد، وبهذا أصبحت روسيا لأول مرة بدون قيصر منذ أكثر من ثلاثة قرون، وهكذا بدا أن الثورة الروسية قد انتهت بخسائر قليلة وانتصارات كبيرة، إلا أن الأيام التالية كشفت للروس أن الثورة كانت تخطو خطواتها الأولى فحسب، وأن الصفحة الأولى فقط هي التي انطوت من كتاب الثورة الضخم.

الحكومة المؤقتة

جاء تشكيل الحكومة المؤقتة معتدلا من خلال حزب حرية الشعب (الكاديت) الذي يضم الديمقراطيين الدستوريين، برئاسة مليكوف واعترف بها الجيش ومجالس السوفيات التي أنشأها الثوار في موسكو وبقية المدن الروسية، كما اعترفت حكومات بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وأميركا بالحكومة المؤقتة، وكانت أميركا على استعداد تام لدعم الحكومة بالأموال، واهتم حزب الأحرار بإعادة الاستقرار والسيطرة على الجماهير الثائرة، ومواصلة التقدم في الحرب للحصول على تسوية تحفظ كرامة روسيا. في حين أعلت «اللجنة التنفيذية» من شأن المسائل الداخلية كتحديد ساعات العمل وتحسين أحوال العمال، ورفعت شعار «العودة إلى الدفاع»، الذي يسمح لروسيا بالاستمرار في الحرب من خلال الدفاع عن أراضيها وعدم القيام بأي عمل هجومي.

أما في الشارع بعيدا عن  قصر الدوما فقد كان الثوار يريدون الخبز فقط، فقد اشتدت الأزمة مع حالة الفوضى التي ضربت الأقاليم، فلم تعد قادرة على مد العاصمة بحصص القمح المفروضة عليها، في حين كثر فرار الجنود من الجبهة متصورين أن في انتظارهم مكاسب الثورة.

بدأت الطيورالمهاجرة في العودة إلى ديارها من جديد فقد وصل «كمينيف» وبصحبته «ستالين» من المنفى في سيبريا وسيطرا على تيار البلاشفة داخل روسيا، وأعاد «كمينيف» تنظيم صفوف البلاشفة من خلال جريدة البرافدا التي كان قد أعاد إصدارها «موتولوف»، كذلك عاد كل من بليخانوف بعد غيبة امتدت ستة وثلاثين عاما، و»برشكو برشكوفسكايا» المعروفة باسم «الجدة» التي تعد أحد أبرز رموز العمل الثوري قبل الثورة.

عودة الغائب

رغم عودة العديد من رموز وقيادات العمل الثوري وتحديدا الاشتراكيين، فإن الخلافات لم تقل حدتها بين اللجنة التنفيذية التابعة لمجلس السوفيات والحكومة المؤقتة، فالخلافات طغت في أول أبريل حول قضايا تحديد عدد ساعات العمل وإطلاق حرية الصحافة، فضلا عن النظرة العدائية التي بدأ ينظر بها الفلاحون للعمال، إلا أن مشكلة المشاكل كانت بحق هي اتخاذ موقف صريح من الحرب التي تورطت فيها روسيا، فبين انسحاب مذل واستمرار كارثي كانت المشاعر والآراء تختلط، أمام هذه الآراء المختلفة من هنا وهناك بدا أن الثورة تحتاج ببساطة إلى قائد يحسم هذه الخلافات، ولم يتأخر القدر كثيرا في الإعلان عن قائد الثورة المنتظر، فقد ركب «لينين» قطار العودة من سويسرا، وزوده الألمان بقطار مصفح حفاظا على حياته، وفي منتصف أبريل وصل لينين إلى العاصمة الروسية آنذاك بطرجراد. كان لينين يحيا مع زوجته حياة رتيبة في سويسرا ولم يكن يدور في خلده أن يعود يوما إلى روسيا بعد تأكده أن الثورة لم يأت أوانها بعد، كما أن الألمان فضلوا التعاون مع القيصر بالسماح له بخروج مشرف من الحرب بدلا من تشجيع التمرد ضده، فألغي مشروع دعم الثورة الروسية من قبل الإدارة الألمانية، لذلك عندما وصلت الأخبار الأولى للثورة لم يتحمس لينين وتجاهلها واعتبر أن البرجوازية تسلمت سلطة كانت تملكها من قبل. ولم يغير من موقف «لينين» إلا تتابع الأخبار من روسيا التي استوعب من خلالها طبيعة ما جرى في البلاد، لذلك قرر العودة إلى روسيا عن طريق ألمانيا، التي رحبت بمساعدة لينين بعد أن تبينت أن الثورة الروسية لم تفد برلين في شيء بعد أن قررت الحكومة المؤقتة الاستمرار في الحرب، فأرادت ألمانيا بمساعدتها لينين أن تضمن بوصوله إلى السلطة خروج روسيا من الحرب، وهو وعد حصلت عليه ألمانيا من لينين الذي كان يرى أن المصلحة الروسية تقتضي الخروج من الحرب.

وصل لينين العاصمة في 16 أبريل بعد غيبة استمرت عشرة أعوام، ونظم له البلاشفة بزعامة كامينيف وستالين استقبالا رائعا، وترأس لينين الاجتماع الرسمي لحزب البلاشفة وافتتحه بهجوم قوي على سياسة سوفيات بطرجراد، واتهمهم بأنهم أصبحوا آلة في يد البرجوازية، وأوصى بضرورة القضاء على الحكومة المؤقتة، وأن يستولي الفلاحون فورا على الأراضي الزراعية، وأن يتولى العمال المسلحون إدارة المصانع. وأكد ضرورة القضاء على الرأسمالية، واتخذ قرارا بألا يكون هناك أي نوع من المهادنة بين البلاشفة وأي حزب آخر. بذلك يكون لينين قد أعلن منذ اللحظة الأولى لعودته عن خطته الثورية التي أنهت فترة السلام المؤقت مع المناشفة، وبدأ حربا ضروساً مع التيارات المعادية للبلاشفة وما أكثرها.

عندما انعقد المؤتمر السوفياتي الروسي في بطرجراد، سيطر لينين على المؤتمر وألقى على أسماع البلاشفة والمناشفة محاضرة عرفت باسم «رسالة أبريل»، أعلن فيها ضرورة حل الحكومة المؤقتة وتشكيل حكومة من العمال «البرولتياريا» وتسليم السلطة إلى السوفيات، والقضاء على الرأسمالية، وإقامة بنك مركزي، وسيطرة الدولة على الإنتاج كله، وتأميم الأراضي الزراعية، وتسليح العامل والفلاح عوضا عن الجيش، كما طالب بأن يتآخى الجنود في الجبهة مع الألمان بدلا من القتال ضدهم.  حاز لينين كراهية الأحزاب بالإجماع ورفضوا خطته وأفكاره رفضا تاما، بل إن بعض البلاشفة رفضوا أفكار لينين لكنهم لم يستطعوا أن يجهروا بمخالفة أستاذهم، ولكن ما جعل «لينين» مكروها لدى رجال السياسة جعله محبوبا لدى رجل الشارع العادي الذي وجد في معظم ما يقوله لينين صدى لمشاعره فتجاوب معها، على العكس كانت الحكومة المؤقتة تسعى إلى تهدئة الساحة وإعادة الأمور إلى نصابها سريعا حتى ولو جاء ذلك على حساب الوقت، وكان أول موقف تحسمه هو الموقف من الحرب فقد أرسل مليكوف وزير الخارجية إلى الحلفاء بمذكرة قال فيها، إن روسيا ستحارب حتى النهاية، وانها ستحترم جميع اتفاقياتها السرية مع دول الحلفاء، وهو موقف أثار غضب الأحزاب الاشتراكية، وعاد الشعب إلى الشارع، ووجد الكاديت أنفسهم بعيدا عن نبض الشارع وأنهم أصبحوا أقلية فاضطروا إلى تشكيل حكومة مؤقتة مع الاشتراكيين، وتشكلت حكومة جديدة بها عشرة أعضاء من الكاديت، بالإضافة إلى ستة وزراء من الاشتراكيين، وجاءت هذه الحكومة فرصة لـ»لينين» والبلاشفة للهجوم على الحكومة الائتلافية، كما أنه تلقى دعما هائلا بعد عودة «تروتسكي» من أميركا في 17 مايو، ورغم أنه لم يكن بلشفيا في البداية فإنه التقى مع لينين في الكثير من الأفكار التي جعلته بلشفيا أكثر من لينين، وأصبح الاثنان معا بحضورهما الطاغي مصدر خطر على بقية فرقاء الثورة، ومن منطلق قوة رغم الأقلية العددية أعلن لينين صراحة في يونيو في مؤتمر السوفيات فكرة دكتاتورية الأقلية القائمة على قبول البلاشفة للسلطة وفرض إرادتهم على الجميع باستخدام القوة.

وبدأت الصراعات تصبح مكشوفة أكثر بين البلاشفة ومختلف الأحزاب، ونظم لينين مظاهرة حاشدة في أول يوليو تعبيرا عن قوته الجديدة، في وقت كانت تعاني الحكومة الائتلافية موقفا صعبا نتيجة هزيمة الجيش الروسي هزيمة ساحقة بقيادة وزير الجيش كيرنسكي، وهو ما أدى إلى حالة من الفوضى والشغب الثوري ضد الحكومة أيام 16 و17 يوليو، ولم تجد الحكومة مخرجا إلا بالكشف عن ملف سري يكشف أن «لينين» ما هو إلا عميل ألماني، وهنا انقلبت المشاعر ضد لينين وطاردته، وهاجمت الجماهير الغاضبة مقر جريدة «البرافدا»، أما لينين فقد قرر الاختفاء في فنلندا خوفا على حياته من الجماهير الغاضبة، التي وصمت البلاشفة وزعيمهم بالعملاء للألمان.

كان كيرنسكي أكبر المستفيدين من تلك الأحداث التي غطت على هزيمته الساحقة أمام الألمان، إلا أن أخطاءه وتمسكه بالحرب جعلت الروس يعاودون الالتفاف من جديد حول البلاشفة ويمنعون سقوطهم النهائي، فقد كانت الرغبة في إنهاء حرب لا أمل في تحقيق نصر مشرف عارمة، ولم يكن هناك إلا البلاشفة الذين عارضوا الحرب وألحوا في إنهائها لذلك عادت الجماهير تلتف من جديد حول البلاشفة، وعندما عقد البلاشفة مؤتمرا لهم في يوم 8 أغسطس اختاروا لينين رئيسا شرفيا على الرغم من غيابه، بعد أن تبين لهم صدق رؤيته، وقرر المجتمعون تشكيل لجنة مركزية جديدة للحزب، لكي تشرف على نشاطه، برئاسة لينين.

على الطرف الآخر بدأت القوى البرجوازية برئاسة حزب الكاديت ترى أن الحل الوحيد للخروج من مأزق الفوضى التي بدأت تضرب روسيا هو في وجود حاكم بسلطات دكتاتورية للخروج بالبلاد من هذا النفق المظلم، وكان الاختيار في البداية على الجنرال كورنيلوف ليقوم بهذا الدور، وجاء الاختيار لما له من نفوذ بين رجال الجيش وقدرته على فرض نفوذه بينهم، إلا أن كيرنسكي عندما علم أن كورنيلوف يعتزم السيطرة على مقاليد الحكم عزله من قيادة قوات الجبهة وأمره بالعودة إلى بطرجراد، كان كرونيلوف يعلم جيدا مغزى هذا الاستدعاء، لذلك أمر قواته بمهاجمة العاصمة وانتزاع الحكم بالقوة، وهو أمر رفضه سوفيات بطرجراد الذي نظم قواته من الحرس الأحمر للدفاع عن المدينة، عند وصول كورنيلوف إلى أبواب العاصمة فوجئ بحركات عصيان بين صفوف جيشه، وفي يوم 12 سبتمبر أعلن كيرنسكي نفسه قائدا عاما للجيش، وأصدر أوامره بإلقاء القبض على كورنيلوف، الذي أودع في الدير بعد فشل محاولته الوصول إلى الحكم، بينما شكل كيرنسكي مجلس رئاسة مكوناً من خمسة أفراد برئاسته، وأعلن الجمهورية في روسيا في يوم 13 سبتمبر. وبتنحية كورنيلوف أقصيت آخر محاولات تيار الاعتدال في روسيا وأصبح الطريق مفتوحا أمام البلاشفة للوصول إلى سدة الحكم.

أثناء هجوم كورنيلوف على العاصمة تم تسليح جميع أعضاء الأحزاب بمن فيهم البلاشفة، لكن بعد استقرار كيرنسكي في الحكم طالب الجميع بإعادة الأسلحة لكن البلاشفة رفضوا وأصبحوا منذ هذا الحين جماعة مسلحة على أعلى مستوى، وكان البلاشفة قد حققوا انتصارا آخر أثناء الأزمة، فقد أقر سوفيات بطرجراد اقتراحا بلشفيا لإعلان الجمهورية مع تنفيذ البرنامج البلشفي كاملا من تشكيل حكومة اشتراكية وتسليم الأرض للفلاح والمصنع للعامل، وضرورة الانسحاب من الحرب وإلغاء جميع المعاهدات السرية.

ونتيجة لهذا التعاظم في القوى تم الإفراج عن تروتسكي، الذي استطاع من خلال الانتخابات الحرة أن يصبح رئيسا لمجلس سوفيات بطرجراد مع ضمان الأغلبية، وهو أمر انتشر كالطاعون في مجالس السوفيات في المدن الروسية وعلى رأسها موسكو، فسيطر البلاشفة على مجالس السوفيات وأصبحت خطوتهم الأخيرة صوب السيطرة على مقاليد السلطة أقرب ما يكون، ولم يعد هناك من أمر يعطل الوصول إلى الحكم إلا انتظار عودة لينين، الذي ساءه البطء الذي شاب تحركات البلاشفة وأرسل لهم بالتعليمات بضرورة الإسراع في تنظيم ثورة مسلحة للاستيلاء على الحكم، وانتقل بنفسه إلى بطرجراد سراً في 22 سبتمبر بالتقويم الروسي القديم.

ثورة أكتوبر

اجتمع لينين في اليوم التالي مع رفاقه وقرر بعد جدال استمر عشر ساعات المبادرة إلى التمرد استجابة لرغبة لينين، قبل انعقاد الجمعية التأسيسية في ديسمبر، وبدأ تروتسكي من خلال منصبه كرئيس لسوفيات بطرجراد إعداد البلاشفة للثورة بإمدادهم بالسلاح، وبدأت حرب الشائعات حول طبيعة تحركات البلاشفة وأخذت التهم تتردد هنا وهناك بين البلاشفة وأعدائهم، وبدأت المواجهة عندما دعا كيرنسكي الوزراء إلى الاجتماع في ساعة متأخرة من مساء 5 أكتوبر، وأسفر الاجتماع عن إعلان حالة الطوارئ واعتبار لجنة السوفيات العسكرية التي يسيطر عليها البلاشفة هيئة غير شرعية، وإصدار أوامر بإلقاء القبض على تروتسكي، الذي استعد جيدا وأثبت فشل الحكومة عندما لم تستطع أن تنفذ أيا من قراراتها، إلا أن الطرفين أرسلا الرسائل إلى الجيش والأسطول لضمان السيطرة عليه في لحظة الحسم، في تلك اللحظة الحرجة وصل لينين إلى مقر البلاشفة في قصر سمولني، متخفيا وانضم إلى تروتسكي في التخطيط النهائي للقفز على السلطة، وبدأت القوات البلشفية الهجوم صوب المصالح الحكومية في يوم 7 أكتوبر فاستولوا على محطات السكك الحديدية، وبنك الدولة ومحطة القوى الكهربائية، والجسور، ومصلحة التلفونات، وسقطت العاصمة في يد البلاشفة وأعلن تروتسكي من خلال اللجنة العسكرية التي يرأسها إسقاط حكومة كيرنسكي، وتم إلقاء القبض على الوزراء بينما كان كيرنسكي في الجبهة، وظهر لينين للمرة الأولى في مجلس سوفيات بطرجراد، الذي أجريت انتخابات أعضائه وفاز البلاشفة بأغلبية ساحقة، وتولى رئاسة الحكومة كامينيف.

على الجانب الآخر، هال المناشفة والأحزاب اليمينية انتصارات البلاشفة وقرروا العمل معا من أجل القضاء على البلاشفة فشكلوا «لجنة لإنقاذ البلاد والثورة» وبدأت الحرب الأهلية تطل برأسها على روسيا.

فقد أعلنت حكومة البلاشفة تشكيل مجلس «ثلاثي لإدارة البلاد من لينين رئيسا، وتروتسكي مسؤولا عن الشؤون الخارجية، وستالين مسؤولا عن شعوب الأقليات داخل روسيا، وأعلن المجلس خروج روسيا من الحرب، والرغبة في توقيع صلح منفرد مع الألمان.

كما أصدر البلاشفة مراسيم تقضي بمصادرة أراضي كبار الإقطاعيين ومعامل الرأسماليين، بالإضافة إلى إعلان حق شعوب الإمبراطورية الروسية بالانفصال عنها، ومن أجل الحيلولة دون المحاولات الجديدة للإطاحة بالحكم شكل البلاشفة في كل إقليم ومدينة وبلدة لجانا استثنائية من شأنها مكافحة ما وصفوا بالثورة المضادة، وهي التي مثلت أول بذرة لتشكيل الاستخبارات السوفياتية «كي جي بي»، وبدأت تلك اللجان الاستثنائية بممارسة الإرهاب الجماعي ضد ممثلي الفئات الغنية والمتوسطة للمجتمع الروسي والمثقفين ورجال الدين والضباط المشتبه في معاداتهم للسلطة الجديدة. أما معظم الجنرالات والضباط في الجيش الروسي فقد هاجروا إلى جنوب روسيا ليشكلوا هناك وحدات متطوعين أطلق عليهم تسمية الحرس الأبيض أو «البيض». وفي مقابل ذلك أطلق على وحدات البلاشفة الحرس الأحمر أو «الحمر»، وتدخلت دول الحلفاء بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وأميركا صراحة من أجل زحزحة حكومة البلاشفة من على الحكم وإحلال حكومة موالية محلها لضمان استمرار روسيا في الحرب.

وعندما جاءت انتخابات الجمعية التأسيسية لا تحمل الأغلبية للبلاشفة قرروا حلها في 6 يناير 1918م لتبدأ بعدها الحرب الأهلية رسميا في روسيا.

في هذه الأجواء المشتعلة قررت القيادة البلشفية إعدام القيصر وعائلته خوفا من استغلال قوات البيض المدعومة من قبل دول الحلفاء وجوده في المطالبة بعودته، وتم تنفيذ الحكم في 16 يونيو 1918م بإعدام القيصر الأخير نيقولاس الثاني وزوجته وبناته وابنه الوحيد، وحملت الجثث وألقيت في بئر منجم وصب عليهم حامض الكبريت، بتلك الحادثة البشعة كتب السطر الأخير في قصة آل رومانوف القيصرية التي حكمت روسيا أكثر من ثلاثة قرون.

انتهت الحرب الأهلية بعد معارك طاحنة بانتصار البلاشفة وتثبيت سلطة لينين وإعلان دكتاتورية البورليتاريا، وأصبح لينين هو المتحكم الوحيد في مصير روسيا وانتصرت الأفكار الشيوعية التي بشر بها ماركس منذ أكثر من نصف قرن في بلدة زراعية لا صناعية كما كان يتوقع، وبدأت صفحة جديدة في تاريخ البشرية عنوانها الصراع بين القيم الاشتراكية التي بشرت بها روسيا السوفياتية في مواجهة القيم الرأسمالية التي دافع عنها الغرب، وهو صراع كتب له أن يشغل سنوات القرن العشرين ولاتزال تداعياته مستمرة حتى يومنا هذا.

back to top