ما أهمية طموحات إيران البحرية؟

نشر في 10-08-2011 | 22:01
آخر تحديث 10-08-2011 | 22:01
No Image Caption
تعززت المساعي الراهنة لفرض السيطرة في البحار بدعمٍ من القائد الأعلى، آية الله علي خامنئي، الذي يدعي أن القوة البحرية الإيرانية كانت "تخيف" الدول الأخرى، في إشارة طبعاً إلى الولايات المتحدة وإسرائيل تحديداً، حتى في المراحل السابقة.

 في الشهر الماضي، أعلن علي فدوي، قائد القوات البحرية التابعة للحرس الثوري الإسلامي في إيران، أن "الجبهة التي تواجهها الجمهورية الإسلامية تقع في البحر، إذ تتمتع دولة الولايات المتحدة العدوّة بقدرات عسكرية هائلة في البحر وقد ضمنت هيمنتها في هذا المجال عن طريق إمكانياتها البحرية... من الضروري إذن أن تواجه القوات البحرية الإيرانية هذا العدو". في المقابل، صرح وزير الدفاع أحمد وحيدي أمام الصحافيين المحليين أن "إيران تخطط لتعزيز قواتها البحرية للحفاظ على أمنها في البحار المفتوحة... وبالتالي، يجب أن تدرك الدول الإقليمية أن لا حاجة إلى وجود أي قوات أجنبية".

لم تكن القوة البحرية الإيرانية، التي تشمل القوات البحرية التابعة للحرس الثوري الإسلامي بالإضافة إلى سلاح البحرية التابع لجمهورية إيران الإسلامية، قوة عظمى أو بارزة في المياه الدولية. لكن يبدو أن هذه الظروف بدأت تتغير، إذ تسعى جمهورية إيران الإسلامية إلى استرجاع النفوذ البحري الذي كانت الممالك الفارسية تتمتع به خلال الأزمنة القديمة والعصور الوسطى. تمثّل هذه الجهود أيضاً إعادة إحياء برنامج بدأ في عهد الشاه الأخير محمد رضا بهلوي. تعززت المساعي الراهنة لفرض السيطرة في البحار بدعمٍ من القائد الأعلى، آية الله علي خامنئي، الذي يدعي أن القوة البحرية الإيرانية كانت "تخيف" الدول الأخرى، في إشارة طبعاً إلى الولايات المتحدة وإسرائيل تحديداً، حتى في المراحل السابقة.

بدأت مغامرات طهران البحرية تلفت الانتباه في إسرائيل والولايات المتحدة، وفي الاتحاد الأوروبي أيضاً. صحيح أن واشنطن ولندن وباريس غارقة بالحروب الخارجية وأعباء الديون، إلا أنها لا تزال تثق بإمكانياتها العسكرية للتعامل مع أي تهديد إيراني بحري. من وجهة نظر هذه الدول، لا تزال المشكلة بعيدة عنهم كونها تقع وراء البحار. ولكنها لا تدرك أن القادة الإيرانيين أثبتوا مهارتهم في فتح جبهات جديدة لتحدي الهيمنة الأميركية والأوروبية على العالم وهم يدعمون إمكانياتهم المحلية ونفوذهم على الساحة العالمية.

حتى الآن، تضم البحرية الإيرانية أسطولاً صغيراً من قوارب السرعة والطرادات والفرقاطات والمدمِّرات والسفن والغواصات. كان نطاق أعمالها محصوراً ضمن الخليج العربي وبحر عمان بسبب نقص المعدات التكنولوجية. لكن حتى هناك، أثبتت الحكومة الإيرانية أنها تطرح تهديداً كبيراً على أمن المنطقة والعالم من خلال مساعدة الإرهابيين. يُشتبَه بأن القوات البحرية التابعة للحرس الثوري الإسلامي وسلاح البحرية التابع لجمهورية إيران الإسلامية سهّلا تنقل عناصر "القاعدة" على طول الخليج العربي من وإلى اليمن والصومال وأفغانستان وباكستان طوال سنوات عدة. في الآونة الأخيرة، مع توسع طموحات طهران على الساحة العالمية، اتسع نطاق نشاطات قواتها البحرية. وقد اكتسب هذا التوجه أهمية كبرى داخل إيران، حتى ان إحدى الخُطَب التي أُلقيت بعد صلوات الجمعة في جامعة طهران شجعّت على هذا التوسع.

تم تشغيل عدد من السفن الأكبر حجماً التابعة لسلاح البحرية قبل ثورة عام 1979. من أجل تحديث الأسطول، ارتبط سلاح البحرية التابع لجمهورية إيران الإسلامية، خلال العقد الماضي، بالقوات البحرية التابعة للحرس الثوري الإسلامي كونها تستطيع الوصول إلى خدمات التصنيع وتنفيذ عمليات هجومية ودفاعية على طول السواحل. مع تنامي حجم الموارد والإمكانيات، وسّع سلاح البحرية التابع لجمهورية إيران الإسلامية نطاق مهمّته لتشمل المحيط الهندي. فبدأت إيران بالتفتيش هناك عن قضية استراتيجية مشتركة مع جمهورية الصين الشعبية لضمان استمرار التبادل بين البلدين عبر تدفق النفط والغاز شرقاً والتكنولوجيا غرباً. تماماً مثل البحرية الصينية، بدأت البحرية الإيرانية سلسلة من الزيارات المنتظمة إلى مرافئ الدول على المحيط الهندي، وعمدت إيران، تماماً مثل الصين، إلى تمويل مشاريع بناء موانئ عميقة على طول سواحل سريلانكا وبنغلادش وميانمار.

ها هي طموحات إيران البحرية تتجاوز حدود المياه الآسيوية الآن. تبحر الغواصات الإيرانية في خليج عمان، منذ عام 2008، لردع القراصنة الصوماليين، وقد اخترقت البحر الأحمر في شهر يونيو الماضي. من أجل اختبار العلاقات الباردة مع مصر في حقبة ما بعد أحداث ربيع العرب، عبرت السفن الحربية الإيرانية قناة السويس ورست في ميناء اللاذقية في سورية، في شهر فبراير، ما أثار استياء إسرائيل. منذ ذلك الحين، يُشتبَه بأن طهران تزود نظام بشار الأسد بالذخائر والمستشارين وعناصر من القوات البحرية التابعة للحرس الثوري الإسلامي بهدف سحق الانتفاضة الشعبية القائمة ضد حليفتها السورية. حتى أن سلاح البحرية التابع لجمهورية إيران الإسلامية يسعى إلى اختراق المحيط الأطلسي، مع أنه لم يحدد بعد أي موعد لتنفيذ هذه العملية التي ستكون رمزية في معظمها.

يتخذ التوسع البحري الإيراني أبعاداً مشبوهة ومزدوجة أيضاً. من المعروف أن السفن التجارية، التي ترتبط بسلاح البحرية وتبحر في أغلب الأحيان وهي ترفع أعلام بلدان أخرى، تنقل شحنات غير شرعية. عام 2009 مثلاً، صودر 20 طناً من المتفجرات في قبرص خلال عملية ترانزيت من بندر عباس إلى اللاذقية، بما ينتهك عقوبات الأمم المتحدة. كذلك، قامت القوات البحرية التابعة للحرس الثوري الإسلامي بصفقة غير قانونية مشابهة في عام 2010 للحصول على مركب إنكليزي أميركي قياسي، ويُقال إنه يخضع للتعديلات من أجل ابتكار نسخة عنه لأغراض قتالية. على صعيد آخر، تحدث معهد العلوم والأمن الدولي عن احتمال نقل شحنات للتكنولوجيا النووية من الصين إلى إيران عبر كوريا الشمالية، بما يخترق مجدداً عقوبات الأمم المتحدة ومعاهدة منع الانتشار النووي في آن.

تعتّم السلطات في طهران عمداً على نقاط الاختلاف بين القوات البحرية التابعة للحرس الثوري الإسلامي وسلاح البحرية التابع لجمهورية إيران الإسلامية وخطوط الشحن الإيرانية التابعة للجمهورية الإسلامية. تحاول السلطات بذلك استباق العقوبات الدولية ضد برنامج إيران النووي وشبكات دعم الإرهاب. لذا تشتبه الدول الغربية بعدد من المرافئ والأرصفة والمستودعات، وغيرها من المنشآت من بين المنظمات البحرية الثلاث التي تخضع لإدارة وتشغيل وحماية السرية العسكرية.

في بداية شهر يوليو، كشف الرئيس محمود أحمدي نجاد عن وجود هذه الموانئ السرية في محاولة منه لكبح جماح القادة العسكريين الذين يعارضونه، فقال: "إذا كان المنتج مصمما لأغراض عسكرية أو أمنية، فيمكن استيراده من دون رسوم جمركية. لكن لا يعني ذلك أن الموانئ المعنية يجب ألا تكون مسجلة". اعترف قائد الحرس الثوري الإسلامي محمد علي جعفري أن "بعض الأرصفة تتم السيطرة عليها لأسباب عسكرية". رداً على ذلك، طالب مكتب اسفنديار رحيم مشائي بمعرفة السبب الذي يجعل بعض الموانئ الجنوبية والشرقية خارج إشراف الحكومة. ثم نشرت وكالة أنباء الطلبة الإيرانيين، المتحالفة مع الكتلة السياسية التابعة للرئيس، لائحة بمواقع سرية على الخليج الفارسي "يستعملها الجيش من دون إشراف أي جهة نظامية".

في أحد تلك الموانئ، على جزيرة كيش، اختفى العميل السابق في مكتب التحقيقات الفدرالي، روبرت ليفيسون، في مارس 2007. ليس سراً أن الجيش الإيراني متورط في عمليات تهريب بقيمة 12 مليار دولار سنوياً على الأقل، محلياً وخارجياً. ربما لهذا السبب استبعد الأشخاص المرتبطون بنشاطات إيران المشبوهة أن يوجد عميل سابق للحكومة الأميركية هناك لوقف تدفق السلع المهربة. تعتبر وزارة الخارجية الأميركية أن ليفيسون لا يزال حياً ومحتجزاً رغماً عنه في تلك المنطقة، ربما لضمان عدم إفصاحه عمّا اكتشفه خلال تحقيقاته.

ترافق استيراد التكنولوجيا من الخارج، عبر الالتفاف على عقوبات الأمم المتحدة، مع تزايد هذه الإمكانيات محلياً، ما منح الصواريخ الأرضية الإيرانية نطاقاً تشغيلياً يهدد القوات الأميركية في الشرق الأوسط والأراضي الإسرائيلية. عام 2006، اختبرت إيران صواريخ لها نطاقات محصورة انطلاقاً من الغواصات في الخليج العربي. بعد فترة قصيرة، من المتوقع أن يكتسب سلاح البحرية التابع لجمهورية إيران الإسلامية والقوات البحرية التابعة للحرس الثوري الإسلامي القدرات اللازمة لإطلاق صواريخ بعيدة المدى. مع تقدم إيران بوتيرة ثابتة نحو اكتساب الإمكانات النووية المنشودة، لا يمكن استبعاد احتمال حصولها على رؤوس حربية غير تقليدية للصواريخ على سفنها البحرية الناشطة.

لا تزال إيران تحتل المرتبة الثانية عشرة فقط عالمياً، وبالتالي هي تحشد الإمكانات لخوض حرب غير متكافئة. حتى الآن، يتركز التهديد الذي تطرحه على الغرب على ممرات شحن النفط الخام والغاز الطبيعي في جوار الخليج العربي. في هذا الإطار، قال الجنرال جعفري أمام الصحافيين في يوليو 2011: "بسبب موقع مضيق هرمز الاستراتيجي الذي يعيق الحركة البحرية، يبقى الساحل الجنوبي الإيراني على أجندتنا دوماً".

لا يخجل جعفري، مثل غيره من القادة والسياسيين الإيرانيين، من إعلان أن البحرية الإيرانية تسعى إلى تحقيق المزيد: "نحن لم نحصر أنفسنا في هذه المنطقة ولم نتوقف عند هذه النقطة". عملياً، تنفذ إيران مناورات بحرية حربية لإثبات تنامي قوتها العسكرية خارج حدود غرب آسيا. في حال لم يفهم الأميركيون وحلفاؤهم المغزى من ذلك، أوضح نائب قائد سلاح البحرية، غلام رضا خادم بيغام، أمام المراسلين، أن هذه التدريبات يجب أن تكون "بمنزلة إنذار للبلدان التي تحاول منع إيران من التحول إلى قوة عظمى في المنطقة".

حتى لو أصبح نشر الدوريات في الأطلسي واقعاً ملموساً، لن تجازف البحرية الإيرانية بالقيام بأفعال تجرها إلى معركة شبيهة بمعركة طرف الغار. تقليدياً، تعمد طهران إلى تحديد رؤيتها عن طريق فرض نفوذها، لا بالمواجهة العسكرية. بالتالي، تتناسب العقيدة البحرية الجديدة مع توسيع البرامج النووية والصاروخية والفضائية التي تخترق العقوبات، فيما تتجاوز إيران تدريجاً معايير الأمن الغربية وتثبت أنها قوة ناشئة يجب الالتفات إلى نظرتها المختلفة عن الأوضاع الجيوسياسية العالمية كونها قادرة على فرض رؤيتها هذه على الآخرين.

* أستاذ في الدراسات الدولية والإيرانية وشؤون أوراسيا والمدير السابق لبرنامج الدراسات عن الشرق الأوسط في جامعة إنديانا.

back to top