انهيار استراتيجية أوباما للتواصل مع إيران
يبدو المخطط الإيراني المزعوم لاغتيال السفير السعودي مشبوهاً وغير احترافي، لكن الأمر المؤكد الوحيد حتى الآن هو أن أوباما سيتخلى عن مقاربته المبنية على التواصل مع إيران.أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما، في حفل تنصيبه في عام 2009، أن الولايات المتحدة ستمد يدها إلى الأنظمة الإسلامية العدائية إذا كانت مستعدة للتعامل بمرونة أكبر. كانت رسالته تلك موجهة إلى إيران تحديداً، وبعد بضعة أشهر على ذلك الإعلان، اعتبر أوباما في القاهرة أن الفريقين ارتكبا الأخطاء في تلك العلاقة الثنائية وقال إن الأوان قد حان للمضي قدماً، أما اليوم، فقد عاد أوباما ليسحب يده الممدودة بينما تقف إيران في قفص الاتهام بمحاولة اغتيال السفير السعودي على الأراضي الأميركية.في الأسبوع الماضي، اتهمت الولايات المتحدة علناً جهاز الاستخبارات التابع لـ"فيلق القدس" الإيراني بمحاولة الاستعانة بعصابة مخدرات مكسيكية لاغتيال السفير السعودي لدى الولايات المتحدة في واشنطن. إذا كان هذا الأمر صحيحاً، فستكون الادعاءات الموجهة ضد كبار الأعضاء في "فيلق القدس" وضد منصور أربابسيار، الذي كُلّف بإيجاد عصابة لتنفيذ التفجير، أول محاولة إيرانية مكشوفة لاستهداف أميركا الشمالية.كانت إيران تنشر مظاهر الإرهاب في الخارج منذ سنوات، لكن يبدو هذا المخطط الأخير، بحسب تقديرات مكتب التحقيقات الفيدرالي، انهزامياً ومدمراً للذات، فقد تراجعت أهمية نشاطات إيران النووية ومخططات أجهزتها الاستخبارية على أجندة واشنطن، نظراً إلى الانشغال بالانتفاضات الإقليمية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والأزمة المالية في أوروبا والاضطرابات الحاصلة في باكستان.لكن تأتي هذه المؤامرة لتعيد تسليط الضوء على طهران ولا يمكن أن يستفيد النظام الإيراني من ذلك، وعلى صعيد آخر، تبدو جميع المعطيات المتعلقة بالمخطط غير احترافية: فكيف يمكن أن تصدق إيران أن عصابة مخدرات مكسيكية تجني عائدات بمليارات الدولارات ستكون مستعدة للمجازفة بأعمالها من أجل شن اعتداء إرهابي في واشنطن مقابل 1.5 مليون دولار فقط؟ وما الذي يدفع إيران إلى التفكير بأن تجار المخدرات سيكونون ماهرين في استعمال المتفجرات البلاستيكية، علماً أنهم يفضلون في العادة الهجوم بالمسدسات والقنابل اليدوية؟ وما الذي يجعل من تاجر السيارات الفاشل أربابسيار وسيطاً موثوقاً بين الطرفين؟ذكر عدد من المحللين أن المخطط يستند أيضاً إلى نهج العمليات السرية في "فيلق القدس"، أي الاستعانة بعملاء مرنين يعملون معها منذ فترة طويلة، مع المجازفة بأقل عدد ممكن من الناشطين المنتمين مباشرةً إلى "الفيلق". حتى المسؤولون الأميركيون شككوا في احتمال أن يكون "فيلق القدس" غير كفؤ لهذه الدرجة، ولكنهم متأكدون من أن سجلات التجسس والبنوك تُظهر تورط كبار الشخصيات فيه.بغض النظر عن حقيقة هذه المعطيات، سيكون لهذا المخطط تأثير واضح في سياسة الانفتاح والسلام التي تبناها أوباما للتعاطي مع إيران، وهي مقاربة تتعارض كلياً مع السياسة الخارجية في عهد سلفه جورج بوش الابن. يشير هذا المخطط إلى فشل الاستراتيجية الدبلوماسية التي اعتمدها أوباما للتواصل مع إيران، بل إلى انتهائها بالكامل، فقد أصبح خطاب الرئيس الراهن أشبه بخطاب بوش. تحدث أوباما من البيت الأبيض وقال إن الطريقة التي تصرفت فيها إيران تشبه إلى حد بعيد تصرف عنصر آخر من محور الشر الذي تحدث عنه بوش، أي كوريا الشمالية، واعتبر أن جميع الخيارات أصبحت متاحة، ومن الآن فصاعداً، من المتوقع أن تتبع الإدارة الأميركية سياسة احتواء عدائية ومقاربة العزلة الاقتصادية أو حتى التهديد بالتحرك العسكري.من بين الأسباب الأخرى التي تبرر التغيير الذي طرأ على مقاربة أوباما، نذكر غياب أي تقدم دبلوماسي بشأن برنامج إيران النووي. على مستويات معينة، كانت استراتيجية أوباما ناجحة- فقد بدأت العقوبات تأخذ مفعولها وتجد إيران صعوبة في المشاركة في الاقتصاد الدولي- لكن في المقابل فشلت جولات عدة من المحادثات بين إيران والدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن (فرنسا والمملكة المتحدة والصين وروسيا والولايات المتحدة) وألمانيا.لقد تعبت الولايات المتحدة وحلفاؤها من المناقشات العقيمة مع الإيرانيين ومن مناوراتهم التي تعيق إحراز أي تقدم محتمل، من دون إطلاق جولة جديدة من المحادثات النووية على المدى المنظور من شأنها تجديد الجهود الدولية للتواصل مع إيران أو عزلها (وفق نتائج المحادثات)، يبدو أن "فيلق القدس" يمنح أوباما فرصة مهمة لتضييق الخناق على إيران.تحاول الولايات المتحدة الآن حشد دعم أكبر لفرض عقوبات أقسى على إيران في مجلس الأمن، لكن تحتاج الولايات المتحدة إلى إقناع الصين تحديداً بهذه الخطوات كونها تملك حق النقض.لقد ضعفت المحاولات الأميركية لعزل إيران بسبب استمرار التعامل الاقتصادي بين الصين والنظام الإيراني.تُعتبر الصين الشريكة التجارية الأساسية لإيران وعميلتها الأساسية أيضاً في قطاع النفط الخام، كذلك، تُعتبر إيران ثالث أهم مصدر للمواد الخام بالنسبة إلى الصين كونها توفر لها أكثر من 10% من حجم الطلب في الجمهورية الشعبية. تساهم غرفة التجارة الصينية الإيرانية في حصد 29 مليار دولار سنوياً نتيجة التبادلات التجارية الثنائية، أو 38 مليار دولار إذا ما احتسبنا عمليات التجارة غير المباشرة التي تحصل عن طريق دول ثالثة. بالتالي، لا داعي للاستغراب من موقف نائب السفير الصيني لدى الأمم المتحدة، وانغ مين، رداً على المخطط المزعوم، حين قال: "لا يزال التحقيق مستمراً، أليس كذلك؟".لا شك أن العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة أساءت إلى الاقتصاد الإيراني، في 13 أكتوبر، قال ديفيد كوهين، وكيل وزارة الخزانة الأميركية لشؤون الإرهاب والاستخبارات المالية، إن إيران قد تتكبد خسارة بقيمة 14 مليار دولار سنوياً على مستوى عائدات النفط بحلول عام 2016 نتيجة العقوبات المفروضة عليها. لقد وجدت الصين والهند صعوبة في تسديد مستوجباتهما إلى إيران مقابل واردات النفط الخام. بعد أشهر من امتناع الهند عن الدفع، تم التوصل أخيراً إلى اتفاق، في شهر يوليو، يشمل مساعدة تركية والاستعانة ببنك تملكه الحكومة. أدى تورط بنك تركي بهذه المسألة إلى تعزيز توقعات المحللين الذين اعتبروا أن الولايات المتحدة كانت تغفل لدرجةٍ معينة عن العقوبات التي يخرقها حلفاؤها، ومن المثير للاهتمام أن نعرف الآن ما إذا كانت إدارة أوباما ستصبح أقل استعداداً للتغاضي عن هذه التجاوزات كجزءٍ من موقفها الصارم المستجد ضد إيران.* ذا ديبلومات