استعمال عشوائي في المزارع

نشر في 03-03-2012 | 00:01
آخر تحديث 03-03-2012 | 00:01
No Image Caption
بما أن كميات كبيرة من البكتيريا المقاومة تنبثق عن الحظائر الحيوانية، ثمة حاجة ملحة إلى تخفيض استعمال المضادات الحيوية في الزراعة. ما يسترعي الانتباه أن المزارعين وعمّال حقول التسمين والأطباء البيطريين يحملون غالباً البكتيريا المقاومة للأدوية. في هذا الإطار، أظهر كلويتمانس أن مسبّبات المرض التي وجدت في الأجسام البشرية تكون متطابقة وراثياً عادة مع البكتيريا التي نجدها على اللحوم.

من المستحيل أن يصاب الإنسان بهذه البكتيريا جراء تناوله هذه اللحوم طالما أن هذه اللحوم مطهوة جيداً. في المقابل، يظهر خطر الإصابة بها عند احتكاك اللحم النيء بالجروح الصغيرة. يُذكر أن نشر السماد السائل في الحقول الزراعية قد يلوّث المحاصيل الزراعية بهذه البكتيريا.

في الإطار عينه، قد تشكل غازات العوادم المنبعثة عن حقول التسمين الضخمة التي ترعى الدجاج خطراً كبيراً مما كان يُعتقد سابقاً. فمصانع اللحوم هذه تساعد على انتشار البكتيريا والفيروسات والفطريات في الهواء. عليه، أجرت حكومة ولاية شمال الراين- وستفاليا الواقعة في غرب ألمانيا دراسة لمعرفة ما إذا كانت حقول التسمين تصدر بكتيريا مقاومة للأدوية في الهواء مهدّدة بذلك حياة سكان المناطق المحيطة بها.

في عام 2011، كانت شمال الراين- وستفاليا أول ولاية ألمانية تقوم بتحقيق منهجي حول طرق استخدام المضادات الحيوية في مزارع الدجاج. وقد توصّل التحقيق إلى نتيجة مرّوعة مفادها أن المضادات الحيوية، التي وصلت أحياناً إلى ثمانية أنواع مختلفة، كانت تُعطى لأكثر من 96% من الحيوانات خلال حياتهم القصيرة الممتدة على بضعة أسابيع. يقول وزير حماية المستهلك في الولاية جوهانس ريميل: «كان هذا التحقيق خير دليل على أن الاستثناء، المقصود به معالجة الأمراض خصوصاً، تحوّل إلى قاعدة».

تُظهر نتائج التحقيق أن اللوم يقع على المزارع الإنتاجية. فكلما زاد حجم الإنتاج، زادت كمية المضادات الحيوية المعطاة إلى كل حيوان. وقد لاحظ المحققون أيضاً أن مدة استعمال المضاد الحيوي كانت قصيرة، أي أقصر من المدة المنصوص عليها في تراخيص المزارع. صحيح أن هذه الطريقة توفر المال إلا أنها تمنح البكتيريا قدرة على مقاومة الأدوية.

بالتالي، يلجأ مزارعو المواشي إلى مزج المضادات الحيوية مع علف الحيوانات لتحسين ظروف حقول التسمين الإنتاجية:

•  بغية إنتاج اللحمة، يتم غالباً وضع مختلف أنواع الحيوانات العاجزة عن إنتاج كميات حليب أو لحم كبيرة، بالتالي الأكثر عرضة للإصابة بالأمراض المعدية، في حظائر.

•  في الماضي، كانت الدجاجة تترك 80 يوماً قبل أن تُذبح. أما اليوم، فتقلّصت هذه المدّة لتصبح 37 يوماً فقط. ويحقّق المزارعون هامش ربح لا يتخطى بضعة سنتات في الحيوان. ولتقليل الخسائر الناجمة عن الأمراض، يستخدم المزارعون والأطباء البيطريون المضادات الحيوية كعلاج وقائي.

مع ذلك، يمكن ممارسة الزراعة الإنتاجية من دون استعمال المضادات الحيوية استعمالاً عشوائياً. فالأبقار المنتجة للألبان والأجبان مثلاً لا تُعطى لها هذه الأدوية لأن المضادات الحيوية قد تؤثر على منتجات الأجبان والزبادي. ومع ذلك، نجد أنه ما زالت توجد منتجات حليب رخيصة على رفوف المحلات التجارية.

يقول كلويتمانس: «في هولندا، تراجع استعمال المضادات الحيوية في حقول التسمين بحوالى 30% في العامين الماضيين. وقد نتج هذا الإجراء عن سلسلة قوانين صارمة فرضت على الأطباء البيطريين. لقد فاقت كمية المضادات المعطاة إلى الحيوانات تلك المعطاة إلى البشر». يضيف كلويتمانس قائلاً إنه لسوء الحظ يعزى استعمال المضادات الحيوية في حقول التسمين إلى معتقدات دينية.

جهود لمحاربة سوء الاستخدام

في أوائل شهر يناير، كشفت وزيرة التغذية والزراعة وحماية المستهلك الألمانية إيلزا أيجنر النقاب عن حزمة إجراءات هادفة إلى الحدّ من استعمال المضادات الحيوية في المزارع الحيوانية. شملت الإجراءات فرض قواعد رقابية أكثر صرامة تصعّب عملية إضافة المضادات الحيوية المستخدمة في الطب البشري في الحالات الطارئة، إلى العلف الحيواني. وتفكر حكومة ألمانيا الاتحادية راهناً في تعليق حق الأطباء البيطريين بوصف الأدوية.

بخلاف الأطباء الذين يمارسون الطب البشري والذين يصفون الأدوية التي نشتريها من الصيدليات، يحقّ للأطباء البيطريين بيع الأدوية مباشرة إلى المزارعين وإلى أصحاب حقول التسمين، ما يعني أنهم يحققون أرباحاً كبيرة نتيجة بيع المضادات الحيوية على نطاق واسع.

في المقابل، يعتقد ريميل وزير حماية المستهلك بولاية شمال الراين- وستفاليا أن اقتراحات أيجنر «مقدّمة على شكل حزم مخيّبة للآمال»، ويطالب من جهته بوضع معايير دقيقة تحدّد كمية المضادات الحيوية المسموح باستخدامها.

لا تختلف الحال بالنسبة إلى الطب البشري الذي تستخدم فيه المضادات الحيوية استخداماً عشوائياً. في ألمانيا تحديداً، يصف الأطباء المضادات الحيوية عند الضرورة، في حين أنه في هولندا لا يحق للطبيب وصف مضاد حيوي قبل استشارة اختصاصي في علم الأحياء المجهرية.

في السياق عينه، يقول غاستميير مدير معهد النظافة الشخصية والطب البيئي التابع لمستشفى «شاريتيه» في برلين: «على غرار علاجات الأوجاع، لا بد من وجود خبراء في معالجة المرضى بواسطة المضادات الحيوية. لكن تكمن المشكلة في أن الأطباء المبتدئين خصوصاً لا يعرفون غالباً سوى القليل عن المضادات الحيوية». فعلاً، يلاحظ أنه في الكليات الطبية، لا يتعلّم طلاب الطب سوى القليل عن الطرق السليمة لاستعمال المضادات الحيوية.

ضرورة تفعيل الأبحاث

لن تستطيع حتى الممارسات المسؤولة، مثل تحديد كمية الأدوية، وقف نمو البكتيريا المقاومة للأدوية على المدى البعيد. فضلاً عن ذلك، لا يبدو أن أي مضادات حيوية جديدة تلوح في الأفق. ولا يتوافر حتى اليوم سوى أربع شركات أدوية في العالم تعمل على تطوير مضادات حيوية جديدة.

يقول وولفغانغ ويلينبين من معهد علم الأحياء المجهرية التابع لجامعة توبنغن الواقعة في جنوب غرب ألمانيا: «تعاني المضادات مشكلة خطيرة متمثّلة في فاعليتها الكبيرة». فعلاً، تستطيع المضادات الحيوية القضاء على الالتهاب في غضون بضع ساعات أو أيام. بعد الشفاء، لا يعود المريض بحاجة إلى تناولها. في المقابل، نجد أن المرضى الذين يتناولون أدوية ضغط أو سكري يضطرون غالباً إلى تناولها لبقية حياتهم، ما يضمن بالتالي أرباحاً وفيرة وثابته لشركات الأدوية.

من جملة الأسباب التي لا تشجّع كثيراً على إجراء أبحاث عن المضادات الحيوية وعلى تطويرها، حقيقة أن الأطباء لا يستطيعون وصف مضاد حيوي جديد إلا في الحالات الطارئة خشية أن يفقد فاعليته في غضون فترة زمنية قصيرة.

نظراً إلى هذه الظروف كافة، توقفت شركات الأدوية الكبيرة عن البحث عن مضادات حيوية منذ أعوام عدة. واليوم، يلاحظ أن شركات الأدوية الصغيرة الناشئة أو مراكز الأبحاث التابعة للجامعات هي الجهات الوحيدة المهتمة بهذا الحقل من الأبحاث.

يجب أن تصبح مهمّة البحث عن أدوية جديدة أكثر سهولة مما هي عليه اليوم. في تسعينات القرن العشرين، أنفقت شركات الأدوية الكبيرة الملايين بحثاً عن نقاط الضعف الموجودة في تركيبة البكتيريا الوراثية. ومع أن الأبحاث كانت ناجحة، إلا أنه لم يتم تطوير الأدوية المتأتية عنها واستعمالها على أرض الواقع.

تقول الصيدلانية جوليا باندوو التي دخلت إلى أكاديمية تعليمية لمتابعة دراسة المضادات الحيوية بعد عملها لمدة ستة أعوام في شركة الأدوية الأميركية العملاقة Pfizer: «في النهاية، تنطوي أبحاث المضادات الحيوية على مخاطرة لا تستطيع الشركة تحمّلها».

لكن من دون مشاركة كبرى شركات الأدوية في الأبحاث، ستبقى فرص تطوير المضادات الحيوية ضئيلة. في المقابل، لا بد من الإقرار بأن اختبار الأدوية على البشر يستغرق سنوات ويكلّف الملايين. وكما تقول باندوو نقلاً عن زملائها الأكاديميين: «لا نستطيع القيام بذلك بمفردنا».

في حال ظلت شركات الأدوية ترفض الاستثمار في الدراسات الضرورية، سيتعيّن على الحكومة التدخّل والمشاركة في الأبحاث. فعلى الأقل، قد يساعد السياسيون على جعل تطوير المضادات الحيوية عملية أكثر جاذبية من خلال تمديدهم مثلاً تاريخ انتهاء صلاحية براءات الاختراع كي تتمكّن بذلك الشركات من جني عائدات الاستثمار لفترة أطول. لكن حتى الآن، لا تزال هذه المقترحات مجرّد أفكار تفتقر إلى التطبيق الفعلي.

ختاماً، يقول عالم الأحياء المجهرية كلويتمانس: «في الأعوام المقبلة، سنشهد كارثة ناتجة من مسبّبات أمراض مقاومة للأدوية وفتاكة. عندها فحسب، سيحصل تغيير ما».

back to top