القندس
عندما رأيت القندس أول مرة شعرت بالألفة. ولا بد أنه شعر بذلك أيضًا وإلا ما تسلق الضفة الحجرية وراح يعبث في سلتي وبساطي. تأملت سنّيه البارزتين اللتين اكتستا لونًا برتقاليًا شاحبًا من فرط ما قضم من لحاء البلوط والصفصاف، فذكّراني لوهلة بما كانت عليه أسنان أختي نورة قبل أن تنخرط في مهمة إصلاحها بالتقويم والجسور حتى بدا فمها في الأشهر المعدودة التي سبقت زفافها مثل موقع بناء نشط. أما ردفه السمين فذكرني بأختي بدرية في زيارتي الأخيرة لها قبل أن أجيء إلى بورتلاند وأكرّر على سمعها امتعاضي من رؤيتها تجرّ وراءها امرأتين أخريين كلما أولتني ظهرها حاملةً صينية شاي ومكسرات رديئة. وعندما رفع إليّ عينيه الكلّتين محاولاً أن يقرأ ملامحي ونواياي بدا مثل أمي عندما أخبرها أني موشك على سفر فتستعيذ طويلاً وتحوقل.صافحته مستعينًا بتمرة لامعة انتقيتها من حافظة بلاستيكية أجلبها معي دائمًا إلى النهر. شعرت بأن أظفاره القاسية التي مسّت أطراف أصابعي تخبّئ تحتها تاريخًا من القلق والمواربة. انتزع التمرة من يدي كما ينتزع أبي ثمار الحياة انتزاعًا وكأن نموّها لا يتجدّد كل سنة. وضعها في فمه ثم لفظها فورًا لتسقط على الأرض. التقطها مرة أخرى وأبقاها في يده هذه المرة. بدا أنه لم يستسغ طعمها السكري ولزوجتها المفرطة ولكنه لن يستغني عنها رغم ذلك. قبض عليها بيد شحيحة ذكّرتني بيد أخي سلمان عندما تقبض على المال مثل معمِّر جرّب القحط والفاقة وليس فتى مدللاً ولد وبين يديه لعبة فيديو حديثة.
مشى على ثلاث ضامًا يده التي تحمل التمرة إلى صدره حتى لا يمرّغها في التراب فاشتبكت أظفار يده الأخرى تحت ثقله مع نسيج البساط. جفل من ذلك وهلة فارتجف جسده المنبعج حتى بدا مثل كرة سلة مصابة بخلل مصنعي. خلص يده من النسيج بحركة شديدة تركت في بساطي أثرًا طفيفًا لخيط منزوع وشيئًا من الوحل. وقف على قائمتيه الخلفيتين وألقى نحوي نظرةً خاطفة ليرى إذا ما أزعجني ما قام به. عاد بعد ذلك ليدبّ على ثلاث وقد تأكد أني لاحظت قدرته على الوقوف على قدمين مثلنا لولا أنه يستعين في ذلك بذيله المفلطح الذي أثار اهتمامي فعلاً. هل هو عظم مغطى بالجلد أم زعنفة صلبة بعض الشيء؟أكمل نصف دورة حولي ثم أولاني ظهره أخيرًا وعاد إلى النهر تاركًا وراءه بساطًا مثقوبًا ورجلاً غريبًا. غاب جسده البيضوي المكسوّ بالفرو البنّي المبتل وهو يسبح مبتعدًا بوداعة وهدوء لتتبخر وجوه عائلتي في الفراغ وينطفئ وراء جبيني مصباح الذاكرة. شعرت بأني قصّرت في قراه فتركني أو أنه قصّر في شكري فرحل مضرّجًا بالخجل. رميته بحجر فلم يبلغه. رحت أفحص ثقب بساطي محاولاً ألا أفكر في فظاظة رحيله دون تحية رغم اقتسامنا التمر معًا والدقائق القليلة من ربيع أوريغون البديع.تأمّلته وقد قطع مسافة طويلة في عرض النهر تتناقض مع بطء حركته على اليابسة. تراءى لي عن بعد مثل قطعة من الجلد المدبوغ تطفو على السطح وتغوص. انقلب على ظهره فجأة وراح يسبح على هذه الهيئة وكأنه سائح يستجم أمام أفق أنيق قبل أن يغيب عن بصري تمامًا. ما اسم هذا الشيء يا ترى؟ فكرت أنه واحد من تلك الحيوانات التي تحمل أسماءً منسوبة للماء: كلب الماء أو ثعلب الماء، رغم أنه يحمل ملامح فريدة تستحق اسمًا لا شريك فيه. هل يعقل أني لم أر مخلوقًا مثله من قبل؟ فاتتني حلقة من برنامج مصطفى محمود في يفاعي بالتأكيد وإلا ما جلست اليوم على ضفة ويلامت عاجزًا عن معرفة اسم هذا الذي أخذ تمرتي واختفى. لم يكن ثمة أحد حولي على مسافة صوت لأسأله ولا وجوه الذين يمارسون الصيد تبدو كأنهم يريدون الكلام. آثرت أن أؤجل فضولي حتى أعود إلى شقتي في المساء وأنقب عنه الإنترنت أو أسأل كونرادو، جاري الفلبيني السمين، لأنه يعرف الكثير عن الحيوانات. ألم يقل إنه كان صيادًا قبل أن تخترق ساقه طلقة بندقية خاطئة، فأصبح سائق تاكسي حتى اعترض موكب رئيس التحالف الفلبيني فحطّموا سيارته، فأصبح كهربائيًا حتى الآن؟وقفت لعلّي أرى صفحة النهر بوضوح. كانت مجموعات عدة من البط تسبح بشكل دائري وأنا أحاول تجاهل هذه الطيور الكريهة. تذكّرني دائمًا بغادة التي تعشق هذا المنظر الساذج وتجرّني دائمًا إلى أماكن لا أجد فيها سوى خدعة سياحية بسيطة تمارسها مدن أوروبا المتغضنة. أخبرتها أنه منظر مصطنع يليق بالبطاقات البريدية وأخبرتني أنها أفضل من قرود السودة المتوحشة. لم أستسغ مزاجها ولكني فكرت أنها امرأة من البحر وأنا رجل من الجبل. بيننا جغرافيا هائلة.لمحت في منتصف النهر بروزًا صخريًا محاطًا بالحشائش يصلح أن يكون مأهولاً بجنسه. وقفت على أطراف أصابعي لعلّي أراه حائمًا حوله. ربما هو بيته الصغير الذي يعلق فيه صور أطفاله وعائلته ويخبّئ غنائمه من التمر المسروق. ربما يقيم في الغابة المحاذية للنهر ويأتي هنا لاستجداء صيّادي السمك الأغنياء. ربما فرّ من أحد أقفاص سيرك دو سوليه الذي تنصب خيمته على الضفة الأخرى من النهر استعدادًا لإجازة الصيف.علقت الاحتمالات الثلاثة على فروع ناتئة من ذهني المشتّت ثم جلست على الأرض جلسة بائع سواك متعب. مددت رجلي اليسرى لأتخلص من تقلص مفاجئ في عضلة الفخذ كال لي ألمًا طارئًا. رحت أطوي ساقي وأمدّها بتتابع حتى هدأت تلك العضلة الناشز فأبقيتها ممدودة. تأملت إبهامي الصلف المتوّج باحمرار طفيف من أثر المبالغة في التقليم فتعزز شعوري بأني أملك قدمًا جميلة وأصابع متناسقة. ربما لهذا الشعور أعتني بها أحيانًا أكثر من وجهي الحافل بخدوش لا أذكر لها تاريخًا ولا قصة.في شقتي مرآة صغيرة جدًا حتى إني أضطر أحيانًا لأن ألوّح لها لتراني. اخترتها بهذا الحجم حتى تكفي لحلاقة عاجلة فقط وعلقتها في مستوى أدنى من قامتي حتى لا يداهمني وجهي بالخطأ. أنظر إليها فتعكس لي جانب ذقني الأيسر فأحلقه، ثم ألتفت إلى الجهة الأخرى فيظهر جانب ذقني الأيمن فأحلقه. ثم أرفع رأسي عاليًا فتظهر شفتي العليا وجزء من أنفي فأحلق شاربي، ثم أغسل وجهي وأفرّ من الحمام مثلما يفر السجين من قاعة تحقيق صامت. لو كانت في شقتي امرأة لكانت عندي مرآة أكبر. المرايا تذكّرني بأن أطرح على نفسي أسئلةً صعبة ومراوغة كشأن الذي يلتقي خصمًا لم يره منذ سنين. لذلك اخترتها صغيرة وتافهة حتى لا تحاصرني بأسئلة أكبر مني ولا يمكن إجابتها. قلت لنفسي وأنا أخرج متأبطًا إياها من معرض آيكيا المزدحم بأزواج صغار يحاولون صناعة أعشاش رومانسية رخيصة إنه تكفيني منها نظرة خاطفة قبل الخروج من أجل الآخرين الذين يستحقون النظر في وجه أفضل. ليس بوسعها أن تلعب في حياتي دورًا أكبر.وجهي خريطة محرفة فعلاً. رقعة من الجلد رسم عليها قائد مجنون البلاد التي فتح والتاريخ الذي صنع، ثم هطل فوقها مطر! اختلطت الندوب التي نسخها صبية المربع بإتقان فوق حاجبي الأيسر بتلك التي نثرها أبي كيفما اتفق على صدغي وجبيني وذقني. تداخل العشب الذي نما على وجهي عندما كانت نافذة غرفتي شرقية تطل على فناء قصر مهجور في الناصرية مع تلك النباتات المتسلقة التي تحمي عيني من هجير الفاخرية عندما تدخل الشمس كل بيت من بيوت الرياض وتصفع ساكنيه. ضاع موضع القبلة الأولى التي زرعتها غادة على وجنتي وتحوّل إلى مكان مشكوك في وجوده أصلاً مثل أتلانتس. ترهّل خداي وعنقي أخيرًا مثل كتلة عجين اختمرت طويلاً. بعد ذلك جمع حادث السيارة كل تلك الملامح المبعثرة أصلاً وبعثرها مرة أخرى بمعرفته. صار وجهي بقعة من الفوضى وميدانًا للخصومات اليائسة، وأنفي يتربّع في وسطه مثل كرسي قاض هجر المكان منذ قرون.آخر مرة رأيت وجهي كاملاً كانت وأنا أراجع بيانات تأشيرة السفر الأميركية قبل شهرين في الرياض، وبعد ذلك لم أعد أراه سوى لمامًا في غرف الفنادق وردهات المطارات وزجاج السيارات. ربما لهذا أنا أتأمل بقية جسدي دون وجهي لئلا أنسى من أكون. أقضي دقائق طويلة أطالع كفّي وقدميّ وبطني. أنظر في تقاطعاتها وتفاصيلها وكيف أنها تستحق أن تزرع تحت أي وجه وسيم فلا يلاحظ أحدهم أيّ تنافر بدلاً من العيش في مظلمة طويلة تحت هذا الوجه الدميم. إنها أعضاء خدومة وتعمل بصمت ووفاء. أما وجهي فثرثار وغاضب دائمًا وكثير العتب. يكفي أني لا أستطيع أن أراه إلا بواسطة مرآة وهذا يعني أن الطبيعة لا تنصح برؤيته أصلاً. من أجل هذا أنا أقلم أظافر قدميّ أكثر مما أحلق ذقني. وأرطب ظهر كفي بكريمات ثمينة لا تحلم بها وجنتي. ولا أجيب إذا ما سألتني امرأة غريبة لماذا كانت نظراتي الشمسية آخر ما أخلعه من ملابسي.سكبت لنفسي فنجانًا آخر من قهوتي العربية بتحفظ. صنعتها هذا الصباح بلا قرنفل حتى أتعوّد طعمها صافيًا دون أن يتدخل فيها أبي. كلما رشفت منها رشفة وأحرقني طعمه اللاذع شعرت بأن أبي يتسرّب إلى دمي مثل مرض وراثي عنيد بدأت أشعر بأعراضه فعلاً. يخرج أبي من فناجين القهوة أحيانًا مثل مارد من البن ويداهمني ليلاً ونهارًا. رأيته في حلمي قبل أيام يتأمل صفًا طويلاً من الرجال يتقدّمون نحو سريري في عرضة صاخبة وهم ينشدون:من سراة أبها نصفّ الصفوفوعند أبو غالب لفينا ضيوفما تغيّب غايب دون عذرهيطلب العشرة... ويفزع ألوفاخترقت دقات طبولهم وصرخاتهم العالية سريري المزدحم بالأحلام الرديئة. تقلّبت بإصرار لعلّهم يسقطون من حافته ولكنهم تشبثوا بنومي مثل الأقزام الذين يحاصرون العملاق. ترنّحت في مشيتي نحو الحمام وأنا أدعك جبيني بعنف لأطرد نشيدهم الرتيب. سحقت بعضهم تحت قدمي بينما هم مستمرون في الرقص في غرفتي النائية في الدور الثاني من المبنى الذي كان مكتبًا لشؤون المحاربين القدامى في الولاية قبل أن يقرّر صاحبه تحويله إلى أربع شقق سكنية. استأجرت آخر شقة شاغرة منها لأجد كونرادو في الشقة المقابلة وأجهزته الكهربائية المعطلة تحتل نصف الفناء الصغير الذي نشترك فيه معًا.