هل نشهد نسخة معاصرة لأحداث «بيرل هاربر»؟

نشر في 17-12-2011 | 00:01
آخر تحديث 17-12-2011 | 00:01
 بدأ الموقع الاستراتيجي الأميركي في منطقة المحيط الهادئ يبدو شبيهاً بما كان عليه منذ 70 عاماً، عشية هجوم "بيرل هاربر".

عام 1941، كان الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت مصمماً على دفع أحد الخصوم الآسيويين (الامبراطورية اليابانية) إلى تحسين سلوكه. ولكنه كان يريد تحقيق ذلك الهدف بعد أن شهد الجيش الأميركي تراجعاً كارثياً في قوته وجاهزيته.

بدأ ذلك التدهور العسكري بعد الحرب العالمية الأولى مباشرةً. ثم سئم الشعب الأميركي الحروب والالتزامات المعقدة في أماكن بعيدة من العالم، كما يحصل الآن تماماً، وأصبح الجيش الموضوع الرئيسي في الكونغرس الذي ركز على ضرورة تخفيض التكاليف العسكرية التي يتكبدها البلد.

بعد عقدين من اتباع سياسة تخفيض التكاليف، تقلص حجم الجيش وأصبح يحتل المرتبة التاسعة عشرة بعد أن كان رابع أقوى جيش في العالم في عام 1918 (بعد هولندا الصغيرة مباشرةً) وتراجع حجم سلاح البحرية من 774 سفينة في عام 1918 إلى 311 في عام 1933، بينما انخفضت أعداد البوارج الحربية من 37 إلى 11 فقط بحلول عام 1933.

كان روزفلت أبرز من دعموا تلك السياسة خلال ولايته الأولى. وقد شرح الوضع في أغسطس 1936 قائلاً: "نحن لسنا انعزاليين إلا إذا كنا نسعى إلى عزل أنفسنا عن الحروب". وقد وقع الرئيس اتفاقين لصون موقع بلده المحايد من الصراعات في عامي 1935 و1936، ثم أبرق إلى رئيس الوزراء البريطاني نيفيل تشامبرلين بعد استسلامه المهين في ميونيخ قائلاً: "أحسنت!".

لكن أطرافاً أخرى فسرت سلبية الموقف الأميركي بطريقة مختلفة، وتحديداً اليابان. تماماً مثل الصين اليوم، كانت اليابان حينئذ تعتبر أنها تستحق حكم منطقة غرب المحيط الهادئ، وكانت تتجه نحو حشد عسكري موسع وعصرنة البلد بوتيرة متسارعة. وقد اعتبرت اليابان انسحاب الولايات المتحدة (التي تركت مواقع مثل غوام والفلبين من دون حماية) بمنزلة ضوء أخضر لها كي تبدأ ببناء امبراطوريتها عبر غزو الصين في عام 1938.

ثم قرر روزفلت أن الوقت حان لمعاقبة طوكيو على أعمالها العدائية. كانت اليابان ترتبط بعلاقات تجارية مع الولايات المتحدة (مصدر مهم للمواد الخام). فألغى الرئيس المعاهدة التجارية بين البلدين، واعتبر اليابانيون أن هذه الخطوة تطرح تهديداً مباشراً على اقتصادهم. وفي أبريل 1940، أرسل الرئيس الأميركي الأسطول البحري الرئيسي إلى "بيرل هاربر" لتقديم استعراض قوة، لكن لم تتضح مهمة الأسطول الذي لم يكن يستطيع تنفيذ العمليات غرباً، على مسافة قريبة من اليابان.

في شهر يوليو، أمر الرئيس بفرض حظر على نقل خردة الحديد ووقود الطائرات لمعاقبة اليابانيين على عنادهم. في يونيو 1941، شمل الحظر جميع صادرات النفط والفولاذ. بعد شهر على ذلك، عمد إلى تجميد جميع الأرصدة اليابانية في الولايات المتحدة.

رداً على هذه التدابير، ارتأت اليابان أنها ستضطر إلى مصادرة ما تحتاج إليه لضمان استمرار عمل آليتها الحربية. كانت إندونيسيا الغنية بالنفط ومالايا (ماليزيا) الغنية بالمطاط على رأس الأهداف اليابانية في ديسمبر 1941. كان الأسطول الأميركي في "بيرل هاربر" قوياً بما يكفي لفرض آخر عائق أمام طموحات الإمبراطورية، ولكنه كان أضعف من أن يواجه اعتداءً جوياً مباغتاً ومدمراً.

كانت الناقلات الأميركية موجودة في البحر عندما شنت اليابان هجومها، لكن تدمرت بقية أجزاء الأسطول. فغرقت ست بوارج حربية، وتعطلت اثنتان أخريان، وفُقدت ثلاث مدمرات وثلاثة طرادات و350 طائرة حربية. بعد جرح 1200 شخص ومقتل 2400 آخرين، سُجّلت أعلى حصيلة ضحايا في أي اعتداء مباغت ضد الأميركيين حتى أحداث 11 سبتمبر. ثم انغمست الولايات المتحدة في الحرب العالمية وتكبدت خسائر مالية وبشرية هائلة، ما أدى إلى استنزاف جميع المدخرات التي جمعتها خلال العقدين اللذين شهدا تخفيضات في ميزانية الدفاع.

لا تعني هذه المقارنة أن أحداث "بيرل هاربر" ستتكرر الآن. لكن الصين تواجه في عام 2011 سياسة أميركية تتراوح بين الجمود والصرامة من دون وجود زخم عسكري أميركي مهم لدعم هذه السياسة، وهذا ما واجهته اليابان أيضاً في عام 1941.

يجب أن يلتفت الرئيس الأميركي راهناً إلى المضايقات العدائية التي تمارسها بكين ضد الدول المجاورة لها، وتحديداً على مستوى حقوق السيادة في بحر الصين الجنوبي، وإلى حشدها العسكري المتزايد الذي يطاول المجال البحري أيضاً. لكن بدل ذلك، تبدو الروح القتالية في البيت الأبيض متخبطة وهشة في الوقت الراهن. في الشهر الماضي، طمأن الرئيس أوباما رؤساء الدول الآسيوية في هاواي بقوله "نحن هنا لنبقى"، في محاولةٍ منه لترهيب الصين وحثّها على تحسين سلوكها، فضلاً عن ذلك، عمد الأميركيون إلى إرسال قوات عسكرية إلى أستراليا لفرض "وجود عسكري منتشر على نطاق أوسع" في آسيا، بحسب قول وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون. ستقوم البحرية الأميركية بتكثيف عملياتها هناك أيضاً.

لكن يبقى حجم تلك البحرية اليوم أصغر مما كان عليه في عام 1933، إذ تستعد 60 سفينة إضافية إلى التوقف عن العمل وما من سفن بديلة معدة لتحل مكانها. على صعيد آخر، سيكون عدد القوات العسكرية في أستراليا أقل من 2500 عنصر، وهو عدد كاف لاستفزاز الخصوم لكن من دون القيام بأي عملية فاعلة. في غضون ذلك، أصبحت القوات العسكرية الأميركية في كوريا الجنوبية والسفن والقواعد الجوية في اليابان أكثر ضعفاً مما يعترف به الجميع. أمضى الضباط والجنرالات الصينيون العقد الماضي وهم يصنّعون وسائل فاعلة لتنفيذ ضربات استباقية شبيهة باعتداء "بيرل هاربر"، بدءاً من الصواريخ المضادة للسفن والأقمار الاصطناعية، وصولاً إلى وابل من الاعتداءات الإلكترونية التي ستشل القوات الأميركية حول العالم وستؤدي إلى انهيار الوجود العسكري الأميركي في آسيا.

لكن يبدو أن إدارة أوباما مستعدة للتحرك. فقد قالت وزيرة الخارجية كلينتون: "سيتحدد مستقبل السياسة في آسيا وستكون الولايات المتحدة في صلب الأحداث والتحركات الحاسمة".

على أمل ألا تفوق تلك التحركات قدرة تحمل الأميركيين.

*باحث في معهد "أميركان انتربرايز" (American Enterprise Institute).

back to top