بطلة آن في المرتفعات الخضراء لمونتغمري...ثروة اقتصاديَّة لجزيرة كنديَّة
ذكرت وكالات الأنباء الخبر الآتي: «متاحف ومسارات ممسرحة وعروض استعراضية وشوكولا و140 ألف سائح سنوياً. أما مصدر هذه السياحة المزدهرة فهي آن، بطلة الرواية الكندية «آن في المرتفعات الخضراء» التي ابتدعتها لوسي مود مونتغمري وصدرت قبل مئة عام.ليست هذه المرة الأولى التي تتحدّث فيها الوكالات عن هذه الرواية التي دفعت كثراً من مختلف أنحاء العالم الى زيارة جزيرة الأمير إدوارد، وهي أصغر المقاطعات الكندية وذات مناظر طبيعية بصخورها الحمراء وشواطئها الرملية الممتدة على الأطلسي ومنازلها الخشبية الأنيقة وسط مروج خضراء تفوح منها رائحة الصعتر. يُذكر هنا أن جزيرة إدوارد هي المكان الذي تدور فيه أحداث رواية «الإقلاع عكس الزمن» للكاتبة اللبنانية أميلي نصرالله. وقد تبنّت ترجمتَها، إثر صدورها، دار «راغويد للنشر» بتمويل من وزارة الثقافة الكندية، التي اعتبرتها رواية الهجرة اللبنانية إلى كندا وقد صدرت الطبعة الإنكليزية مطلع عام 1987.
في الجزيرة جالية لبنانية كبيرة بينها أقرباء إميلي نصر الله، وأن تصبح جزيرة ما شهيرة بفضل رواية وبطلتها فذلك يأخذنا إلى المدينة الخالية (ماكوندو) التي صنعها الكولومبي ماركيز في أدبه، وحتى قرية ماركيز نفسها أصبحت مجذباً سياحياً.تسرّبت رواية «آن في المرتفعات الخضراء» سريعاً إلى الذاكرة، وأصبحت أيقونة في أدب الأطفال مسهمة في صنع خيالهم. هي مثل «حكاية أمي الإوزة»، و{أليس في بلاد العجائب»، و{بيتر بان»، وسلسلة «هاري بوتر». يقول النقاد إن هذه الرواية بسيطة لأنها لا تشبه الروايات البريطانية العظيمة كالتي وضعها تشارلز ديكنز وجورج اليوت وجوزف كونراد ودانيال دافو وجين أوستن والأختان شارلوت وإميلي برونته. فتلك الروايات بالغة التعقيد في الشخصيات والأحداث والبسيكولوجيا والمغازي الاجتماعية والسياسية. أما «آن في المرتفعات الخضراء» فهي بسيطة تنتهي قراءتها في سرعة، وما زالت تحقّق نجاحاً عالمياً كبيراً إلى درجة أن المسؤولة عن الموقع التاريخي الوطني لـ{غرين غايبلز» تجهد لإقناع بعض الزائرين أن آن هي مجرد شخصية خيالية. وكانت الرواية قد تُرجمت ونُشرت في نحو 40 بلداً منها الأردن وسورية، وتُرجمت بعنوان «شما في المرتفعات الخضراء».ترصد رواية مونتغمري حياة آن الفتاة اليتيمة، من الطفولة إلى نهاية مرحلة المراهقة مع التحوّلات التي تمر بها، وكيفية التعامل مع مواقف وظروف الحياة تبعاً لآلية التفكير في كل مرحلة عمرية. والأهم من ذلك كله أنها تركِّز على إيجابية التفكير والتفاؤل.ما يميّز الرواية تناولها لعالم الفتيان والفتيات بتجاربهم، واحتياجاتهم وأحاسيسهم من خلال آن، ابنة الحادية عشرة، حيث أراد الأخوان كثبيرت تبنّي صبيّ ليساعدهما في أعمال المزرعة، لكن الصدفة أرسلت إليهما الطفلة الهزيلة ذات الشعر الأحمر التي لا تتوقّف عن الكلام والخيال.تصل آن إلى مزرعة المرتفعات الخضراء، وفرحتها بجمال الطبيعة والمكان تفوق أي وصف، لكنها سرعان ما تدرك أنها وصلت نتيجة خطأ من مسؤولة الميتم. فيشفق صاحب المزرعة ماثيو المتقدّم في السنّ وأخته ماريلا العانس على آن التي وصلت بدلاً من صبي الميتم.سرطبعت الكاتبة الرواية على آلة طباعة بدائية وقديمة ينقصها بعض المفاتيح وأرسلتها إلى خمس دور نشر في كندا وخلال أيام وصلتها ردود بالرفض من هذه الدور. شعرت مونتغمري بالخيبة والحزن في البداية وتركت قصّتها جانباً وبعد أشهر قرأت نصها مجدداً وأرسلته إلى ناشر في بوسطن، فوافق على نشر الرواية وأرسل لها شيكاً قيمته 500 دولار وكانت فرحتها لا توصف.وخلال أسابيع من النشر حقّقت الرواية نجاحاً لافتاً، وتلقّت الكاتبة عشرات الرسائل من قراء كبار وصغار وأعيد نشر القصة مرات عدة، فصارت نموذجاً للكتاب الناجح والساخر، وقالت الروائية في هذا الإطار: «كتبت عن حب وليس لأجل المال. الكتب الأكثر نجاحاً ومثل كل الأشياء العظيمة في العالم، وُلدت من حب حقيقي لتملك حياة خاصة بها».سيرةوُلدت مونتغمري في 30 نوفمبر 1874 في قرية قرب نيو لندن، وأصدرت بعد روايتها الأولى السابق ذكرها عام 1908 ستة أجزاء على التوالي للبطلة نفسها آن. حياة الكاتبة ممتعة كالقصة نفسها، فالعالم يعرفها من خلال «آن في المرتفعات الخضراء» غير أنها كتبت 20 رواية و800 قصة قصيرة و500 قصيدة، وبعض كتاباتها يتفوّق على قصة آن من ناحية المحتوى والمستوى الأدبي. لمعت مونتغمري في عالم الكتابة من خلال قصة لم تتقصّد أن تكون بهذه الأهمية. وأسوة ببطلة روايتها آن، عاشت الروائية يتيمة بعد وفاة والدتها وانتقالها إلى كنف جدّيها في كافنديش. وعلى رغم الحياة الصارمة التي فرضها عليها الجدان، كانت سعيدة بالطبيعة المحيطة بها، وبالأصدقاء في الجوار والأقرباء الذين كانوا يترددون على المزرعة. وكانت دائمة الهرب من شعور الوحدة الذي لازمها في طفولتها. وفي الخامسة عشرة من عمرها نشرت أول قصيدة لها في إحدى الصحف، وتأهلت كمدرسة عام 1895 ودرست في برنس إدوارد آيلند.كانت مونتغمري أول امرأة كندية تنضم إلى الجمعية الملكية للفن في بريطانيا، وحازت التكريم سواء من فرنسا أو الإمبراطورية البريطانية أو من كندا حيث أعلنت الحكومة عام 1943 أن هذه الروائية شخصية تاريخية وطنية مميزة.عبارات لافتة وردت في الرواية: - العالم مثير للاهتمام حقاً، ولو كنا نعرف كل شيء عن كل شيء فإن أهميته ستتضاءل إلى نصف ما هي عليه الآن، كما أنه لن يكون فيه مجال للخيال.- من الرائع أن تكون هناك أشياء كثيرة نحبها في هذا العالم.- من الممتع أن يقرأ الإنسان عن الأحزان ويتخيّل نفسه يعيشها ببطولة، لكن الأمر ليس بهذه اللطافة عندما تضطره الحياة إلى عيش تلك الأحزان.- الله عندما يضعنا في ظروف معينة لا يفعل ذلك من أجل أن نتخيل عدم وجود تلك الظروف.- الأشياء التي يفكر بها الإنسان للمرة الأولى لا تكون على الدرجة نفسها من الكمال عندما يسترجعها بفكره مرة أخرى.أقوال لآن محمَّلة بدروس في الحياة:- من السهل على المرء أن يكون سيئاً من دون أن يشعر بذلك.- عندما تتخيل شيئاً فيجب أن تتخيل ما يستحق التخيل.- كيف لك أن تعرف ما تريد معرفته عن الأشياء إذا لم تطرح أسئلة حولها؟- إذا كانت لديك أفكار كبيرة فمن المفروض أن تستعمل لها عبارات كبيرة.- أسوأ ما في تخيّل الأشياء هو أنه لا بد من التوقّف عن تخيّلها في وقت ما وهذا موجع.- الإلحاح الصامت أكثر إفحاماً ولجاجة من الإفصاح بالكلام.- تظلّ الوردة محتفظة بعبيرها الزكي مهما كان اسمها.- عندما ينوي الناس معاملتك بطيبة فلا تهتم كثيراً إذا لم يتصرفوا دائماً حسب نواياهم.- كلما كانت محاولة النهوض أكثر صعوبة، كلما كان الرضا النفسي الناجم عن النهوض ثانية أكثر حلاوة.