حوريَّة الماء وأسطورتها... ملحمة الطفولة الساحرة
كتب عبد الله كرمون في موقع «إيلاف» الإلكتروني عن كتاب «حورية الماء» (مخلوقة نصفها الأعلى لامرأه فاتنة ونصفها الأسفل لسمكة وهي ذات صوت عذب وجذاب) للكاتب البروسي فريديريش دو لاموت فوكّيه.صدر الكتاب بالألمانية سنة 1811، فطرح إشكالية في طريقة تناول أسطورة الحورية وفي شأن فهمها.
لا نريد الحديث عن كتاب فوكيه أو مقالة كرمون، بقدر ما نودّ التطرّق الى جوانب في أسطورة حورية البحر (أو الماء) التي طالما شغلت مخيّلتنا في زمن الطفولة وصورتها لا تفارق الذهن البشري على رغم أنها خرافة طفولية، فهي كانت فكرة لامعة لتأسيس روايات كثيرة أو تلوين اللوحات أو تصوير عشرات الأفلام والمسلسلات للأطفال وحتى للكبار. وفي المضمر، طالما حلم الرجال برؤية هذا الكائن الخرافي في الواقع، وطرحوا السؤال حول حقيقة وجوده.انتشارحقّقت أسطورة حورية البحر انتشاراً واسعاً في النسيج الاجتماعي (والثقافي أيضاً)، وحضورها ليس مقصوراً على الآداب، بل كان انتشاراً عالمياً في القصة والرواية والمسرح والسينما، حيث بادرت قصص «ألف ليلة وليلة» العربية بتحديث قصة الحورية، وتحتوي «الليالي» على بعض الحكايات عن أناس بحريين (مثل جلنار بنت البحر). ويختلف أولئك الأشخاص عن الحوريات البحرية في أنهم مثل البشر العاديين (الأرضيين) لكنهم، حسب القصة، قادرون على أن يتنفّسوا ويعيشوا تحت الماء، بالإضافة إلى التزاوج مع البشر العاديين. وقد اشتهرت في أواخر القرن السادس عشر قصة البحار الفرنسي كاميرون إليدونيالديزو الذي صادف قبالة سواحل إحدى جزر قبرص حورية تعوم في الماء فقذف شباكه نحوها واستطاع اصطيادها ففتن بجمالها وخبأها عن الناس واتخذها خليلة له، وأنجب منها سبعة أبناء قبل أن يقتلها خوفاً من أن يظفر بها أحد غيره بعد موته.تناسختناسخ اسم حورية البحر فصار «الحورية الصغيرة» للكاتب هانس كريستيان أندرسن و»حورية الغابة» و{حورية الصحراء» و»حورية النرجس» و{حورية المطبخ» و{حورية الغناء» و»حورية الشاشة»، ولكل حورية قصّتها الجديدة، وإذا كانت حورية البحر نصف سمكة ونصف امرأة، فيكون السؤال: ما تركيبة حورية الصحراء مثلاً؟ هل هي من الرمل والمرأة أم من الصبار والمرأة؟ المهمّ أن الحورية التي طالما استهواها المخرجون لتصوير مسلسلات للأطفال مستمدّة من أسطورتها، لكنها لم تشكّل دفعاً للكتّاب، ربما لأنها اتسمت بروحية الطفولة. وهذا لا يمنع من أن بعضهم لجأ الى توظيفها في بعض كتاباته، فقبل مدة قرأنا أن الكاتب الكندي ماثيو ترافورد المتخصّص في كتابة القصص والروايات الكوميدية قرّر الغوص عميقاً في أحد البحور ليكتب عن حوريات البحر. وقال: «أعتقد بأن حوريات البحر موجودات حقاً مع أن البحار والمحيطات تحتوي على بعض المناطق غير المستكشفة والأكثر إثارة على سطح كوكبنا الأرضي، فإننا يمكن أن ننظر الى ذلك العالم السفلي بشيء من الريبة يستدعي وجودهن مع أن والدي قال لي قبل أيام قليلة إنه شاهد برنامجاً في تلفزيون الواقع تناول الحياة الحقيقية لحوريات البحر حيث قدّم امرأتين يعتقد أنهما من الحوريات فعلاً ويمكن أن تؤديان مآثر لا تصدّق من الغوص في البحر لمدة أكثر من سبع دقائق. كذلك تحدث آخر عن امرأة وُلدت بساقين ملتصقتين مع بعضهما وقال ساخراً: هذه التي يطلق عليها حورية البحر قد تموت لو رميناها في الماء. وعندما أضع حورية البحر في قصتي فإنني لا أسعى إلى دراستها، لكنني أحاول أن أقترب من عالمها الأسطوري كجميلة غامضة ومخلوقة ذكية أساسها البحر، وفكرت أن أضفي طابعاً إنسانياً عليها متعاملاً مع الخيال وليس الواقع وقد يكون من المثير للاهتمام أن نضع وجهاً إنسانياً على هذا المخلوق».ثمة كتابات قصصية عابرة كثيرة حول حورية البحر، أما في الشعر فقرأنا قصيدة لبوشكين حول هذه الخرافة، واستعملها نزار قباني أيضاً في الدفاع عن المرأة. يقول قباني: «بعد خمسين عاماً على زواجي من حورية البحر رُزقت بخمسين ولداً /كتاباً/ جميعهم بصحة جيدة، أيامي مع حورية البحر مداً وجزراً وصحواً ومطراً وطقساً وعواصف مجنونة».يتحدّث قباني عن الشعر كأنه يتحدّث عن امرأة وكأن الأنوثة هي العالم الذي يسكنه هذا الشاعر فالشعر حورية، والحرية امرأة، والدنيا أنثى. أما الشاعر التشيلي بابلو نيرودا (1904-1973) فكتب «أسطورة حوريّة البحر» وترجمها إلى العربية بهجت عباس... يقول فيها:كلّهم كانوا هناك، أولئك الرجالُ، في الداخل،عندما جاءت عاريةً تماماً.كانوا قد شربوا: بدأوا يبصُقـون .حديثاً آتية من النهر، ما عرفت شيئاً.كانت حوريَّةَ بحرٍ ضلّتْ طريقَـها. الإهانات انهالت على جسدها المضيء.أغرقت البذاءات نهديْها الذّهبيّيـن.لم تعرف ما الدموع ، لم تذرف دمعاً .لم تعرف ملابسَ، لا تملك ملابس.سوّدوها بفلّين محترق وأعقاب السّجائر،وتـرنّحوا حولها ضاحكين على أرضيّة الحانة .لم تتكلّم، لأنها لا تملك النطق .عيناها كانتا بلون الحُبّ النـائي .ذراعاها التوأمان كانتا مصنوعتين من توباز أبيض .تحرّكت شفتاها، بصمت، في ضياء مرجاني،وفجأةً خرجتْ من ذلك الباب.بغطسها في النهر نُظِّـفَـتْ،مشعّـة كحجر أبيض في المطـر،ومن دون النظـر إلى الوراء سَبحتْ مرة أخرىسَبحتْ نحو الفراغ ، سَبحتْ نحو الموت.وظنّ بعضهم أن محمود درويش كتب عن تعاليم حورية من دون علمه أنه يقصد والدته حورية، وحضرت فانتازيا حورية البحر في تصميم الأزياء والفيديو كليبات والأفلام السينمائية وفي التماثيل التي توضع في واجهات المدن، لكن عموماً مهما وُظّفت خرافة الحورية في الواقع فهي تبقى تشغل مخيّلة الرجال والنساء معاً.