شمندورة محمد خليل قاسم في طبعة ثالثة
أعادت «الهيئة العامة لقصور الثقافة» في مصر طباعة رواية «الشمندورة» للأديب النوبي محمد خليل قاسم، أول رواية نوبية. خلال أيام قلائل من طرح الطبعة الثالثة للرواية، التي تتناول مرحلة مهمة من تاريخ النوبة، نفدت الطبعة كما حدث سابقاً في طبعتيها الأولى التي صدرت عن «دار الكتاب العربي» في عام 1968، والثانية عن «حزب التجمع» في عام 1994.
تقع الرواية في 572 صفحة من القطع الكبير، عن سلسلة {ذاكرة الكتابة}، التي يرأس تحريرها أحمد زكريا الشلق، ويقدم لها الروائي المصري قاسم مسعد عليوة. في المقدمة يقول عليوة: «خلدت الشمندورة اسم كاتبها محمد خليل قاسم بمجرد ظهورها في عام 1968، فمنذ هذا التاريخ وهي موضع احتفاء من قراء ونقاد ومؤرخي الأدب سواء بسواء، وصار يُنظر إليها باعتبارها مأثرة أدبية لا يجوز أو يصحّ تجاهلها عند التعرّض لتاريخ الرواية العربية أو عند تتبّع تطوّرها، ومن ثم أهّلت، بما حققته من رواج وقوة تأثير، كاتبها ليصبح أباً روحياً للروائيين النوبيين الذين ساروا على دربه من بعده، وإن تنوّعت رؤاهم واختلفت أدواتهم، ولا يعود هذا إلى كونها أول رواية نوبية في الأدب العربي فحسب إنما أيضاً إلى كونها إحدى أكثر الروايات فذاذة، وهي فذاذة تضعها إلى جوار شوامخ الروايات الأدبية العالمية جنباً إلى جنب ورأساً إلى رأس». «الشمندورة» أشبه بمعايشة للكاتب في قريته «قتة»، هذه القرية النوبية الصغيرة التي تأثرت حياتها باتخاذ قرار تحويل مجرى النهر عام 1962 والبدء في مشروع بناء السد العالي، وهذا ما حرّك قاسم ليكتب أحداث «الشمندورة» التي تدور حول تأثير التعلية الثانية لخزان أسوان عام 1933 على النوبيين. لم يتطرّق قاسم إلى سرد تأثيرات السد العالي على حياة النوبيين واستقرارهم، واكتفى بتأثير بناء الخزان تاركًا ذلك للأدباء من الجيل الذي جاء بعده. يقول الناقد شكري عياد إن «الشمندورة» محاكاة لرواية «الأرض» لعبد الرحمن الشرقاوي في وجوه كثيرة، لكن الفصول الأخيرة في «الشمندورة» أقوى دراميًّا من نظيراتها في «الأرض». وعلى رغم أن هذه الرواية هي الأولى في مجالها في الأدب النوبي إلا أن الزمن قبلها لم يخلُ من محاولات أخرى للمبدع النوبي في التعبير عن ذاته، فكان بعض الدواوين الشعرية القليلة. كتب قاسم روايته في المعتقل على ورق «بفرا»، واستطاع تهريبها من المعتقل، وهذا ما يرويه رفيق دربه يحيى مختار، أحد المثقفين البارزين في تاريخ الأدب النوبي. ثم سُربت الأوراق، لتُنشر على صفحات مجلة «روز اليوسف» في حلقات أسبوعية قبل أن تصدر في طبعتها الأولى عام 1968. ويعتبر قاسم الأب الروحي لجيل من الأدباء النوبيين مثل يحيى مختار وحجاج الدول وإدريس علي وحسن نور ومحمد الماوردي وإبراهيم فهمي وآخرين. وُلد محمد خليل قاسم في عام 1922 في قرية قتة. كان والده يعمل بالزراعة، ثم اضطر الى مزاولة التجارة بعد تعلية خزان أسوان الثانية سنة 1933 حينما أغرقت مياه الخزان البقية الباقية من أراضي النوبيين ونخيلهم. نشأ قاسم بين أفراد أسرته الصغيرة، ولم يكد يشبّ عن الطوق حتى كلّفه أبوه بمراقبة البقرة التي تدير الساقية، فسمع أنينها وصوت المياه التي تصبّها القواديس في القنوات، ورأى الشمس تبزغ من بين ركام السحب والبلح يبدّل أثوابه في أشهر الصيف الحارة. واشتمّ أريج شجرة السنط الذي تنشره في الأجواء بعد غروب الشمس فنمت روح الشعر في كيانه. في عام 1935، سافر قاسم إلى عنيبة ليلتحق بمدرستها الابتدائية ثم سافر إلى أسوان عام 1939 ليلتحق بمدرستها الثانوية، وأصرّ على استكمال دراسته الثانوية في القاهرة فالتحق بمدرسة القبة الثانوية التي حصل منها على شهادة التوجيهية، ثم التحق بكلية الحقوق جامعة فؤاد الأول، إلا إن ميوله الأدبية دفعته الى الانتقال إلى كلية الآداب. لكن اهتمامه بالعمل السياسي حال دون استكمال دراسته الجامعية، وفي القاهرة بدأ نشاطه الأدبي بقراءة العقاد وسلامة موسى وغيرهما من عمالقة الفكر آنذاك. ثم راح يكتب انطباعاته وآراءه ويحضر الندوات فتوسّعت مداركه. وجد قاسم نفسه ينضمّ إلى جماعة الإخوان المسلمين - فرع مصر الجديدة، لكنه لم يستمر فيها سوى فترة قصيرة. ثم انضمّ إلى الحركة الشيوعية المصرية عام 1944، وآنذاك كانت أزمة الوطن على أشدّها فعبّر قاسم عن ثورته بكتاباته وأشعاره التي نُشرت على صفحات «النوبة الحديثة» التي شارك في تحريرها وظلّ ينشر فيها آراءه حتى قُبض عليه عام 1946. انخرط قاسم في العمل السياسي لسنوات طويلة، وعلى رغم عذاباته في المعتقلات والمرض الذي ألمّ به، لم يتخلَّ إطلاقاً عن مبادئه.