د. يوسف زيدان: الحقائق التاريخيّة محض أوهام

نشر في 08-12-2010 | 00:00
آخر تحديث 08-12-2010 | 00:00
«نهايات هذه الرواية، كُتبت قبل بداياتها بقرون»، هكذا يبدأ الدكتور يوسف زيدان، مدير مركز ومتحف المخطوطات في مكتبة الإسكندرية، روايته الجديدة «النبطي» التي يمزج فيها حقائق التاريخ بروعة الإبداع والتي يشكّل صدورها منذ أيام قليلة حدثاً ثقافياً قائماً بذاته لأنها تأتي بعد روايته المثيرة للجدل «عزازيل». في الحوار التالي نستعرض مع عاشق المخطوطات عوالم روايته الجديدة.

من هم الأنباط ولماذا جعلتهم محور عملك الأخير؟

هم جماعة قديمة من العرب، سُموا بذلك لأنهم تفننوا في استخراج الماء وإنباطه من الأرض الجرداء، ومهروا في تخزين النازل منه بالسيول، وسكنوا المنطقة الشاسعة الممتدة من جنوب العراق إلى سيناء، والأجزاء الشرقية من مصر، مروراً بشمال الجزيرة العربية، وكانت لهم ممالك قديمة يعود تاريخها إلى القرون الميلادية الأولى، بل إلى ما قبل الميلاد. وكانت لهم عواصم، منها البتراء الموجودة الآن في جنوب الأردن، وهم الذين تركوا الآثار المبهرة في مدائن صالح وبادية الشام. وكانوا يشتغلون بالتجارة حين ظهر الإسلام. أما لماذا جعلتهم محور عملي الأخير فلأنهم منسيون ومهمّون لمعرفة كيف فُتحت مصر.

لماذا اخترت «النبطي» عنواناً للرواية على رغم أن مارية هي بطلة العمل الرئيسة وراويته أيضاً؟ 

لعلها إشارة إلى أهمية دور هذه الجماعة في تاريخنا، أو هي إلماحات إلى شخصية «النبطي» في الرواية، وهو الأخ الأصغر لزوج مارية التي صار اسمها في بلاد العرب ماوية، فهو يشكل حالة خاصة في نسيج الرواية.

جعلت مارية أو (ماوية) تتعاون مع عمرو بن العاص بتقديم معلومات ساعدته على فتح مصر. ألا تخشى من اتهام بطلة عملك الروائي بخيانة بلدها الأم؟ 

لم تكن مارية جاسوسة كي تُتَّهم بالخيانة... ومعروف في التاريخ الإسلامي المبكر، المتعلّق بحركة الفتوح، أن الأنباط كانوا جواسيس المسلمين. أما المشهد الذى جمع بين مارية وعمرو بن العاص، فدلالته أعمق من ذلك الحوار القصير الذى جرى بينهما حين سألها عن بعض الأمور المتعلِّقة بحياة البسطاء في مصر، فأجابته.

يستشعر المرء بأن «عزازيل» و{النبطي» مقدّمة لعمل روائي ضخم يتناول فتح مصر بطريقة مغايرة لما كتبه المؤرخون؟ 

لا يعلم الغيب إلا الله. أما بخصوص فتح مصر فثمة مجموعة مقالات لي أتناول فيها فتح العرب لمصر أنشرها تباعاً على صفحات جريدة «المصري اليوم» القاهرية.

وما طبيعة التعاون بين الأنباط وعمرو بن العاص لفتح مصر؟ 

عندما جاء عمرو بن العاص الى مصر، كانت الأمور معدّة له تماماً عن طريق الأخبار التي أمدّه بها الأنباط عن أحوال مصر الداخلية والانقسام الديني المسيحي الذي قسّم طوائفها ومشاركتهم له في خطوات الفتح، وإلا فما التفسير العقلي لانتصار عمرو بن العاص بجيش لا يزيد على أربعة آلاف على جيش الروم الذي يزيد على مائة ألف؟

أدخلت تقنية رواية السند في مقدّمة الرواية، فماذا أضافت تلك التقنية الى العمل الروائي؟ 

للعمل الروائي تقنيات وأساليب كثيرة، ومكوّنات متعددة، تسهم جميعاً في إبراز الخطاب الروائي المراد إيصاله من خلال النص... وهذه مسألة يناقشها النقاد لا المبدعون، وتترك أصداءها للتجوال في نفس القارئ.

لماذا تشكّل المرأة في أعمالك حجر الزاوية دائماً؟ 

لأنها حجر الزاوية في الكون، فلا تنافس بينها وبين الرجل بل علاقة تكاملية تبدأ من لحظات وجودهما الأولى على الأرض، فالأنثى لم تنطق في ثقافتنا مطلقاً ولم تعبّر عن نفسها إنما الرجل هو الذي عبّر عنها، على رغم أن صورة المرأة هي المرادف للحكمة.

ما الهدف من استخدامك التراث بطريقة مغايرة لما استقرّ عليه، ما يسبّب الصدمة كتفسير وادي الكاهيرا والزقازيق والغردقة وإثبات وجود العرب في مصر قبل الفتح؟ 

لا بد من إعادة النظر في التراث وفي الواقع المعاصر، على أسس راسخة من المعرفة الأصيلة والمنهج الرشيد... وهذه المسألة لا يجب أن تقتصر على الخطاب الروائي في النص الأدبي، وإنما الواجب أن تكون سمة عامة للتفكير الرشيد، سواء انعكس ذلك على الأدب أو على غيره من وسائل التفاعل بين الكاتب والقارئ، أو بين القائل والمتلقّي.

لماذا وضعت على موقعك الإلكتروني معركة عين جالوت وحقيقة صلاح الدين ضمن أوهام المعاصرين التي يجب أن تصحَّح؟ 

لأنها من أوهام المعاصرين التي تمجّد الشخصية العسكرية والحكم العسكري والتي يجب أن تُصحَّح، حتى تصحَّ نظرتهم الى الواقع... فالعقلية الجمعية تفكر من خلال موروثها المشتمل على اللغة والوعي بالماضي والتصورات العليا للوجود، وهذه كلها تراثيات كامنة فينا، سواء أدركنا ذلك أم غفلنا عنه.

ما الذي دفعك الى الاهتمام بالعمل الروائي التاريخي، هل هو امتداد لمشروع جرجي زيدان ونجيب محفوظ في بداياته، أم أن لديك هماً تعبر عنه في أعمالك الروائية التاريخية؟ 

إنه امتداد لعمل تراثي امتدّ طويلاً، وجهدٌ في ميدان التراث امتد لسنوات طوال بلغ فيها مجموع صفحات كتبي المنشورة، قرابة الخمسة وعشرين ألف صفحة.

ما ردُّك على ما يوجَّه إليك من اتهام بأنك تخلط الحقيقة التاريخية بالخيال الروائي، فتقول ما تريد كمؤرِّخ ثم تتبرأ منه في إطار الحبكة الدرامية والإبداع الروائي؟ 

الاتهامات لا تنتهي، ولن تنتهي بالرد عليها، لذلك لا ألتفت إليها إلا بمقدارٍ يسير، ليس من أجل هؤلاء الذين يلقون بالاتهامات جزافاً، وإنما من أجل القارئ الذي قد لا يعلم الأغراض في نفوس الذين احترفوا توجيه الاتهامات. عموماً، فإن ما يسميه البعض «حقائق تاريخية» هو محضُ أوهامٍ في أذهانهم، يُراد منها غالباً تسطيح عقول الناس لتسهل قيادتهم..

هل أخذ الروائي يوسف زيدان من وقت الباحث وعالم المخطوطات الدكتور يوسف زيدان الكثير؟ 

الجانبان متصلان، فكلاهما مكمّل للآخر.

ما جديدك على المستوى الروائي والبحثي في الفترة المقبلة؟ 

من المبكر أن نتكلّم الآن عن هذا الأمر تفصيلاً، وسأكتفي بالإشارة إلى أنني شرعت بعد انتهائي من «النبطي» بأيام في الإعداد لروايتي المقبلة «حاكم»، علماً أن عملي في مكتبة الإسكندرية يلتهم كثيراً من وقتي، لكنه هوايتي التي لا غنى لي عنها.

back to top