أم كلثوم... السيرة والأغاني - السيرة الشخصية (الحلقة الثانية عشرة) كيف أعادت تقديم هو صحيح وأنت عمري والأطلال لمصلحة دعم المجهود الحربي بعد هزيمة يونيو تدخل جمال عبدالناصر حين منع أحد الضباط أغانيها من الإذاعة بعد ثورة يوليو

نشر في 25-08-2010 | 00:00
آخر تحديث 25-08-2010 | 00:00
بديهي أن الأثر الذي كان يحدثه تكرار إذاعة التسجيل الحي لقصيدة سلوا قلبي (بالذروة الانفعالية الجماهيرية فيها) لم يكن ليخفى على السلطات البريطانية في مصر، فقرر المدير البريطاني الأعلى للإذاعة المصرية إلغاء بثها من إذاعة القاهرة. وكان من الصعوبة بمكان، في الظروف السياسية السائدة يومها، أن يعترض سعيد لطفي المدير المصري لإذاعة القاهرة على هذا القرار البريطاني الأعلى. غير أن أم كلثوم لم تتراجع أمام هذا التحدي، بل أوحت إلى سعيد لطفي (المتعاطف معها طبعا برغم القيود الوظيفية التي تكبله) أن ينبه المدير الإنجليزي الأعلى لإذاعة القاهرة، أن “سلوا قلبي” هي في الأساس قصيدة دينية في مدح الرسول، وأن قرارا بريطانيا بمنع إذاعتها، سيثير حساسية دينية لدى الجماهير لا قبل للسلطات البريطانية بضبطها ومواجهتها. وقد كان لهذه الفكرة فعل السحر عندما عرضها المدير المصري للإذاعة المصرية على رئيسه البريطاني، فألغى قرار المنع، وبقيت “سلوا قلبي” تفعل فعلها سنوات طويلة بعد ذلك، تحت سمع وبصر السلطات البريطانية المحتلة.

تؤكد وقائع حياة أم كلثوم الشخصية والفنية حتى رحيلها، تلك التركيبة الفنية لمشاعرها الشخصية ولتكوينها النفسي، مما كان ينعكس أثره مباشرة على خياراتها الفنية، وعلى سلوكها العام، وعلى علاقتها بجماهيرها المتزايدة يوما بعد يوم، والمنتشرة فيما بين المحيط والخليج.

وإذا كان لنا أن نختار ذروة نموذجية تعبر عن كل عناصر هذه الملامح المركبة في الشخصية الفنية والإنسانية والاجتماعية لأم كلثوم، فإننا نتوقف بشكل خاص عند منعطفين هامين، في الحياة العربية العامة، لنراقب سلوك أم كلثوم الفني إزاءهما، تعبيرا عن مشاعرها الشخصية وعن تركيبتها النفسية والثقافية والوجدانية .

المنعطف الأول كان الأيام التي امتدت ما بين قرار جمال عبد الناصر بإغلاق مضائق العقبة في وجه الملاحة الإسرائيلية في شهر مايو/أيار، والحرب العربية- الإسرائيلية في الخامس من يونيه/حزيران. فمع مطلع حزيران، كان موعد آخر حفلات الموسم الغنائي لأم كلثوم 1966/1967، فجاء خيارها لوصلاتها الثلاث في حفلة الخميس الأول من يونية، وكان أول أيام ذلك الشهر، وقبل حرب حزيران بخمسة أيام فقط، على الشكل التالي:

أغنية جيش العروبة يا بطل الله معك (راجعين بقوة السلاح)، وهي من الأغنيات الوطنية القليلة التي كتبها صلاح جاهين لأم كلثوم ( غنت له قبلها “والله زمان يا سلاحي” من الحان كمال الطويل، و”ثوار” من الحان رياض السنباطي ).

-قصيدة “سلوا قلبي”، التي كانت تغنيها للمرة السابعة عشر، وبعد انقطاع طويل.

– قصيدة “حديث الروح” التي كانت تغنيها للمرة الثانية (كانت المرة الأولى يوم 4 مايو /أيار سنة 1967).

لقد جاءت التركيبة الفنية لتلك الحفلة الغنائية التاريخية في حياة أم كلثوم والأمة العربية، مطابقة بنسبة مائة بالمائة لمزاج أم كلثوم الفني، وتركيبتها الإنسانية، وخياراتها الثقافية والسياسية والإنسانية. فالأغنية الأولى وطنية سياسية مباشرة، والثانية قصيدة كلاسيكية (في شعرها ولحنها) تجمع ما بين الغزل الرفيع، والعاطفة الدينية الصوفية التي يتداخل فيها الإيمان بشؤون الحياة، والعاطفة الوطنية المشبوبة. أما الأغنية الثالثة فكانت ترجمة عربية لقصيدة شاعر باكستان الأكبر إقبال، وهي صوفية خالصة في شعرها ولحنها.

وما أن تكشفت حرب حزيران عن هزيمة عربية كبرى، حتى انطلق صوت أم كلثوم في قصيدة غنائية جميلة (كتبها صالح جودت ولحنها رياض السنباطي) تناشد الرئيس جمال عبد الناصر العودة عن قرار التنحي.

وقبل أن ينتهي شهر الهزيمة (يوم 25 يونيه/ حزيران) أتبعتها بأحد أجمل الأناشيد الوطنية العربية، “سقط النقاب عن الوجوه الغادرة” (كتبه عبد الفتاح مصطفى ولحنه بليغ حمدي).

إحباط الهزيمة

ولم تكتف أم كلثوم بهذا النشاط الفني المحموم، بدل الاستسلام لإحباط الهزيمة، بل انطلقت في اليوم الثالث والعشرين من الشهر الثاني للهزيمة، يوليو/تموز 1967، تعيد تقديم ثلاث من أجمل أغنياتها وأكثرها جماهيرية (انت عمري، وهو صحيح، والأطلال) في الحلقة الأولى من سلسلة حفلاتها في مصر والوطن العربي وباريس، لصالح المجهود الحربي، ردا على الهزيمة.

كان ذلك المنعطف الأول الذي أردنا الاستشهاد به، أما المنعطف الثاني فكان عندما تعرض المسجد الأقصى في القدس، لعملية حريق مفتعل تحت الاحتلال الإسرائيلي.

فدونت أم كلثوم المشاعر العربية إزاء هذا الحادث بكل ما له من معان دينية وتاريخية وسياسية، في عمل فني رائع (الثلاثية المقدسة) عن قصيدة لصالح جودت، أبدع في تصويرها موسيقيا رياض السنباطي، وضمنت أم كلثوم أداءها الغنائي لهذه القصيدة، كل مخزونها من المشاعر الدينية والوطنية والثقافية، مع أن ذلك تم قبل سنتين من توقفها النهائي عن الغناء.

ومع أن هذه الشواهد مختارة من رصيد كبير لأم كلثوم في هذه المجالات الدينية والوطنية، فأنها كافية لتفسير تلك المكانة التي كانت لها بين الجماهير العربية، وذلك الأثر الذي كان نشاطها الفني يحدثه في حياة تلك الجماهير (جماعات وأفردا)، وهو ما عبر عنه محمد عبد الوهاب بأن الجمهور لم يكن يتعامل معها كمطربة متميزة لا نظير لها فقط، بل كزعيمة. وهذا تعبير يختصر كثيرا من تفاصيل تلك العلاقة التي ما كان يمكن لأي مطربة أخرى أن تقيمها مع جمهور المستمعين، حتى لو وصلت في فنها الغنائي إلى مراتب عليا، لأن علاقة أم كلثوم بجمهورها، بل بالجماهير العربية على اتساع الوطن العربي، لم تتوقف عند حدود الإبداع الغنائي (وإن انطلقت منه طبعا) بل تخطته لتشمل سائر فنون ذلك الإبداع، في الشعر والموسيقى، والدور بل الأدوار التي كانت تؤديها أم كلثوم، والقيم الجماعية والفردية التي كانت تعبر عنها أم كلثوم من خلال إبداعها الفني، في كل مرحلة من مراحل حياتها الشخصية والفنية.

والحقيقة هي أن هذه المكانة الاستثنائية لأم كلثوم بين الجماهير، كانت محط اهتمام كل السلطات السياسية المعنية بهذه المنطقة من العالم في القرن العشرين، دون أن يقتصر ذلك على الحكومات الوطنية في مصر (بين العهدين الملكي والجمهوري) وسائر الدول العربية، بل شمل أيضا السلطات الأجنبية التي كانت تمارس في بلادنا العربية نفوذا مباشرا فيما بين انهيار الإمبراطورية، وحصول الدول العربية على استقلالها السياسي.

فبالإضافة إلى حكاية خوف السلطات البريطانية في مصر من الأثر الحماسي الذي كانت تحدثه قصيدة سلوا قلبي في الجماهير، في مرحلة سياسية حساسة، فان أنظمة الدعاية السياسية – الحربية للقوى المتصارعة في الحرب العالمية الثانية (1939-1945)، قوى المحور من جهة والحلفاء من جهة ثانية، كانت تدرك تماما أنها حتى تؤمن لإذاعاتها الدعائية جمهورا واسعا من المستمعين، كان لا بد لها من الاعتماد على إذاعة أغنيات أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، خاصة عندما وصل الصراع العسكري إلى المواجهة الحاسمة في العلمين (على حدود مصر الغربية) بين الجيشين البريطاني والألماني. وتعرف القاهرة يومها أنه عندما لاحظت أجهزة الدعاية والاستخبارات البريطانية أن مندوبين لقوات المحور يقومون بجمع اسطوانات عبد الوهاب وأم كلثوم من الأسواق لاستخدامها في دعم جماهيرية إذاعاتهم الدعائية، قام مندوبو قوات الحلفاء بعملية مماثلة.

ومن طريف ما حدث سنة 1949، أنه عندما أراد الإنجليز والأميركان والفرنسيون أن يفصلوا أقاليم ليبيا الثلاثة بعضها عن بعض ليتقاسموها بينهم (المحرر: بعد انهيار الاحتلال الإيطالي لليبيا بنتيجة هزيمة موسوليني في الحرب العالمية الثانية) عملت إنجلترا على أن تعجل باستقلال برقة، حتى تلتهمها وتطمئن على نصيبها من الغنيمة. وكانت وسيلتها إلى هذا أن تحايلت بصوت أم كلثوم لتشد انتباه الناس وتجمع آذانهم، فأخذت الإذاعة ترسل أغاني أم كلثوم متتابعة، حتى إذا اندمج الناس في الاستماع، أعلنت المحطة استقلال برقة. وهنا طلعت “أخبار اليوم” بمانشيت عريض يقول : أم كلثوم تعلن استقلال برقة” .

ومع أن أم كلثوم لم تصل في سلم الارتقاء الاجتماعي إلى حد حمل جواز سفر دبلوماسي من قبل الدولة المصرية إلا في عهد جمال عبد الناصر، عندما بدأت جولاتها الفنية العربية والأوروبية المخصصة للمجهود الحربي، فإنها كانت قد بدأت تعامل في رحلاتها الخارجية، عربية كانت أم أوروبية أم أميركية، معاملة الدبلوماسيين أو الوزراء أو الزعماء، من قبل أن تحمل جواز السفر الدبلوماسي.

رحلة العلاج إلى أميركا

فقد حدث أن ذاع نبأ إصابة أم كلثوم بمرض الغدة الدرقية. وبلغت الشائعات بشأن هذا المرض حد الاعتقاد بأن من الممكن أن يستفحل المرض بأم كلثوم فيمنعها من الغناء. ولنا أن نتخيل وقع مثل هذا النبأ على جماهير مستمعيها المصريين والعرب، في تلك المرحلة التي كانت قد وصلت فيها إلى ذروة تعاونها مع القصبجي وزكريا أحمد والسنباطي.

غير أن مرض أم كلثوم ذلك لم يثر فقط اهتمام الجماهير (وهو أمر طبيعي وبديهي)، بل أثار اهتمام الدولة المصرية، وحتى اهتمام بعض الدول الأوروبية إضافة إلى الولايات المتحدة، وذلك طبعا من باب العلاقات الدولية لمصر.

والحقيقة هي أن أم كلثوم ذهبت في رحلتي علاج إلى الولايات المتحدة الأميركية، الأولى في العام 1949، والثانية في العام 1953، التي اضطرت خلالها إلى إنهاء موسمها الغنائي مبكرا في شهر مارس /آذار، وحدث في أثناء هذه الرحلة أن توفي شقيقها خالد في شهر يوليو/تموز.

وفي كتاب الدكتورة نعمات أحمد فؤاد رواية عن الاهتمام الدولي والمحلي الذي أثاره مرض أم كلثوم ورحلتها العلاجية محليا ودوليا، والحرارة الاستثنائية التي استقبلت بها عند عودتها معافاة سالمة:

“عرضت أميركا على مصر أن تعالج أم كلثوم بمستشفى البحرية الأميركية. وهذا المستشفى لا يعالج به (من غير رجال البحرية الأميركية) إلا عظماء العالم من الشخصيات ذات الحيثيات الخاصة، وبأمر من رئيس الولايات المتحدة. بل إن البحرية الأميركية أوفدت إلى القاهرة الأدميرال براوف، كبير أطباء البحرية ليدعو أم كلثوم إلى العلاج في مستشفى البحرية.

قبلت مصر الدعوة، وقبلتها أم كلثوم..كان سفير مصر يسأل المستشفى عن تطور العلاج صباح مساء (..) وكان مئات المصريين الذين يعيشون في أميركا لا يكاد المستشفى يخلو من أفرادهم، وكذلك العرب الذين يقيمون في أميركا أو يزورنها. وتلقت المستشفى آلاف البرقيات والرسائل وعشرات المكالمات التلفونية التي تسأل كل يوم عن أم كلثوم عبر البحار (..) وفي طريق عودتها مرت بأوروبا، فأعلن راديو باريس النبأ (..) وفي إنجلترا أقام النادي المصري في لندن حفلة تكريم لها .

(المحرر: ويبدو أن القسم العربي في الإذاعة البريطانية .بي.بي. سي. قد انتهز فرصة مرور أم كلثوم بلندن، فدعاها إلى إذاعة رسالة بصوتها إلى مصر وأهل مصر، وقد أتيح لي أن أستمع إلى تسجيل لهذه الرسالة الصوتية، التي تعيد إذاعة لندن بثها في بعض المناسبات، فإذا بنبرة أم كلثوم، على تواضعها في الكلام وفي الإلقاء، مفعمة بروح إحساسها بقيمتها لدى شعبها وأمتها، كأنها أحد المسؤولين الرسميين).

نتابع الآن التفاصيل الواردة في كتاب الدكتورة نعمات أحمد فؤاد:

“وباتت مصر تترقب وصول باخرتها. فلما لاحت من بعيد، استقل الكثيرون الزوارق لتحيتها في عرض البحر، ووصفت إحدى الصحف الكبرى استقبالها، فقالت:

وقد استقبلت في الإسكندرية استقبالا شعبيا رائعا، فخرجت اللنشات البخارية والزوارق إلى عرض البحر، انتظارا لوصول الباخرة. وكان من أجملها لنش بخاري كبير امتلأ بالفنانين والفنانات من الإسكندرية والقاهرة، وقد أخذوا يغنون أغنية وضعوها خصيصا مطلعها (حمد الله عالسلامة).

ولما وصلت الباخرة أطل ركابها، وفي مقدمتهم أم كلثوم، على هذا المشهد الجميل، وراحوا يحيون هذه المظاهرة الموسيقية البحرية الرائعة. وعندما رست “أسبيريا” على الميناء، احتشدت جموع غفيرة تحي أم كلثوم وتهتف لها، واشتد الزحام حتى اضطر بوليس الجمارك إلى التدخل عدة مرات لإنقاذها. وبينما كانت العاصمة الثانية تستقبل وتهلل، كانت العاصمة الأولى تتأهب لمهرجان تقيمه من أجل أم كلثوم”.

ويبدو أن المهرجان كان خطابيا غنائيا، شارك فيه عباس محمود العقاد وعلي الجندي وتوفيق دياب، وكان بين من غنوا فيه فتحية أحمد. ومن البديهي أن يذكرنا الوصف التفصيلي لاستقبال الزوارق البحرية المليئة بالفنانين وجموع المعجبين لباخرة أم كلثوم في الاسكندرية في العام 1949، بالمشهد المشابه الذي استقبلت به جماهير بيروت باخرة أم كلثوم قبل ذلك بما يقارب العشرين عاما (في العام 1931). ويلاحظ في كلا المشهدين أن الاستقبالات الشعبية التي كانت تقابل بها أم كلثوم في بعض رحلاتها الفنية والشخصية، كانت تفوق في فخامتها وحرارتها واحتشاد الناس فيها، أي استقبال رسمي.

بهذا الموقع الاجتماعي الذي لم يعرفه فنان قبلها، في علاقاتها بهرم الطبقات الاجتماعية والسياسية والثقافية في مصر، وباتساع قاعدتها الجماهيرية التي كانت تعاملها كأحد أبطال الأمة، وليس فقط كأحد كبار فنانيها، اختتمت أم كلثوم مرحلة صعودها الاجتماعي والفني في عهد مصر الملكية، وكانت آخر روائعها في المجال الوطني، في تلك المرحلة، رائعة حافظ إبراهيم ورياض السنباطي “مصر تتحدث عن نفسها” التي أنشدتها للمرة الأولى في حفلة عامة، يوم الخميس في ديسمبر /كانون الأول 1950، أما في المجال الديني والعاطفي، فكان من بين ما أنشدت في آخر مواسمها الغنائية في عهد مصر الملكية، ولد الهدى وإلى عرفات الله، ورباعيات الخيام وجددت حبك ليه والآهات والأمل وأنا في انتظارك ورباعيات الخيام وغلبت اصالح وسهران لوحدي ورق الحبيب.

مرحلة الانطلاق الكبير:

عقدا الخمسينيات والستينيات

من أسهل الأمور التي يمكن الوقوع فيها عند أي قراءة سطحية لوقائع حياة أم كلثوم، على الصعيدين الفني والإنساني، القول بأن هذه الفتاة الريفية التي قضت الشطر الأول من عمرها في حياة بسيطة في الظل (أو ما يشبه الظل) في قريتها طماي الزهايرة وما يجاورها، قد حققت في القاهرة، خلال ما يقارب الثلاثين عاما (بين 1923و1952)، سلسلة من الإنجازات التي تفوق كل تصور، سواء في حياتها الفنية التي وصلت بها إلى عرش الغناء العربي الكلاسيكي دون أن ينازعها فيه أحد من عشرات الأصوات النسائية الممتازة، وفي حياتها الاجتماعية التي رفعتها إلى أعلى المواقع، في مختلف البيئات الاجتماعية التي كانت القاهرة تزخر بها في النصف الأول من القرن العشرين، والتي تكونت عبر مخاض اجتماعي وسياسي وحضاري طويل وعميق على مدى قرن ونصف من الزمن، انطلاقا من أوسع الطبقات الشعبية في العاصمة، صعودا إلى الطبقة المتوسطة، فالطبقة الاجتماعية العليا بكل طيوفها الاجتماعية المتنوعة بين المحافظة والتقليدية الصارمة، وألتغرب الكامل، والوسطية المتوازنة بين الشخصية الوطنية الأصلية، والمؤثرات العميقة للاحتكاك بالغرب، وقد توج كل ذلك بعلاقة مميزة مع قمة الهرم الاجتماعي والسياسي في ذلك الوقت: الأسرة المالكة.

إن نجاحا بهذا المستوى، على هذه الجبهة العريضة من المواقع الاجتماعية والفنية، في عاصمة بوزن القاهرة، كان حريا به أن يعصف بتوازن أم كلثوم في سلوكها الاجتماعي، وأن يجعلها تستمرئ حالة الانتماء إلى مواقع الصدارة في حياتها الفنية والاجتماعية التي لا تكف الأضواء عن التسلط عليها، فتصبح أسيرة هذه الحالة، حتى لو دفعت ثمنا لذلك تماسكها النفسي وتصالحها مع نفسها.

لذلك، قلت أن من أسهل الأمور-عند تأريخ حياة أم كلثوم- الوقوع في فخ القراءة السطحية لوقائع هذه الحياة، والقول بأن أم كلثوم التي استمرأت العيش ثلاثة عقود كاملة في وسط أسطع أضواء الشهرة الفنية والارتقاء الاجتماعي في عاصمة باذخة الثراء بظواهرها الاجتماعية والثقافية الشديدة التنوع والغنى، فانتقلت بسرعة هائلة (وربما بانتهازية) من علاقة حميمة مميزة بالسلطة في العهد الملكي، إلى علاقة حميمة مميزة، بالمستوى نفسه، بالسلطة السياسية الجديدة في العهد الجمهوري الجديد، بدليل أنها غنت لعبد الناصر كما غنت للملك فاروق.

هنالك طبعا أكثر من وسيلة ومعيار لتحليل هذه المسألة في محاولة استكشاف المحرك الأساسي، أو المحركات الأساسية التي كانت تحدد مواقف أم كلثوم في حياتها العامة وفي خيارتها الفنية، غير أني سأعتمد هنا ما أعتبره المعيار الأقوى والأصدق والأشد موضوعية، وهو معيار استنطاق النتاج الفني لأم كلثوم، فهذا النتاج هو في النهاية اللسان الفصيح الذي كانت تعير به أم كلثوم (مثلها مثل أي فنان في حجمها) عن مشاعرها ودوافعها الحقيقية، ما ظهر منها وما استتر، ما عبرت عنه بصراحة كاملة (عندما تتيح لها الظروف) وما كانت تلمح له تلميحا (عندما كانت الظروف لا تسمح بالصراحة).

هذا إضافة إلى أن النتاج الفني لأي فنان، هو ما سيبقى منه، بعد أن يغربل التاريخ كل ما يتعلق بهذا الفنان.

لقد استعرضنا في صفحات سابقة مجمل النتاج الذي صدر عن أم كلثوم في مديح فاروق والأسرة المالكة، فإذا به يتضمن عشر أغنيات. فلنحاول أن نستقرأ، على ضوء النتاج العام لأم كلثوم، حتى العام 1952، ما تمثله هذه الأغنيات من قيمة بالنسبة لمجمل رصيدها الفني في تلك المرحلة، ونراقب كيف كانت أم كلثوم تتعامل مع «أغنياتها الملكية»، في إطار أدائها الفني العام:

غياب الأغاني الملكية

يلاحظ كل من يراجع سجل حفلات أم كلثوم الشهرية، التي كانت قناة الاتصال الأقوى والأصدق بين وجدان أم كلثوم وجمهورها الفني، كانت خلوا من أغنياتها الملكية، بمعنى أن تلك الأغاني كانت محصورة في التسجيلات الإذاعية، والحفلات الخاصة في القصور الملكية.

إن مراجعة عناوين هذه الأغنيات الملكية، تشير إلى أنها كانت تكتب وتلحن في إطار مناسبات متعلقة بالحياة الخاصة لأفراد الأسرة الملكية (كالزواج والولادة) وليس في إطار مناسبات وطنية عامة.

يلاحظ أن كتابة هذه الأغنيات ظلت محصورة في السنوات العشر الأولى لولاية فاروق (1936-1946)، وهي السنوات التي كان فيها الملك يتمتع، في خضم الصراعات الداخلية للسياسة المصرية، بنسبة ما من الشعبية، وأن هذا النوع من الأغنيات الملكية توقف تماما في نتاج أم كلثوم (كما في نتاج عبد الوهاب على أي حال) في السنوات السبع الأخيرة للملكية في مصر، وهي أسوأ سنوات حكم الملك فاروق، مع اشتداد فساد الحاشية الملكية، وفساد قطاع واسع من الطبقة الحاكمة، وتزايد التململ الشعبي من النفوذ الإنجليزي، وتفاقم أخطار السياسة البريطانية. الصهيونية في فلسطين.

يلاحظ أن أيا من هذه الأغنيات الملكية الكلثومية لم يعش في وجدان الجمهور، بحيث لم تعرف أي من هذه الأغنيات أي مدى من الشهرة الشعبية (لا عند ظهورها ولا بعد ذلك)، مما يتيح لنا الاستنتاج بافتقادها إلى القيمة الفنية. وإن كان تكوين رأي نهائي في هذا الصدد ينتظر احتمال وجود تسجيلات لهذه الأغنيات، قد يكشف عنها النقاب ذات يوم. ولكن يحق لنا هنا أن نقارن بين الغياب الكامل لتلك الأغنيات الملكية من ذاكرة الشعب المصري، وبقية الشعوب العربية، في مقابل الشهرة الكاملة التي ظلت أغنية عبد الوهاب الملكية الشهيرة “الفن” تتمتع بها في ذاكرة الناس، حتى وهي ممنوعة من الإذاعات العربية منذ قيام ثورة 1952، ونحاول تفسير ذلك.

يلاحظ من يراجع سجل حفلات أم كلثوم الشهرية (وهو أصدق سجلاتها وأفصحها بيانا عن مكنوناتها كفنانة)، أنها في الفترة التي توقفت فيها عن إنشاد أغنيات ملكية جديدة، فيما بين 1945و1952، أصبحت حفلاتها الشهرية تتضمن، بمعدل كل حفلة تقريبا، وحتى قيام الثورة، إحدى قصائدها الدينية الشهيرة، مثل ولد الهدى وإلى عرفات الله ونهج البردة، وكأنها كانت تستقوي بهذه القصائد وتحتمي بها من أي غضب أو إزعاج محتمل، من هذه الجهة أو تلك.

وهي عادة ظلت أم كلثوم محتفظة بها حتى أواخر العام 1953 (أي بعد مرور عام ونصف على قيام ثورة يوليو فقط)، فقد كان أخر عهدها بتكرار القصائد الدينية في حفلاتها الشهرية في ديسمبر/كانون الأول 1952 (عندما غنت نهج البردة للمرة الثانية في حفلة حية بالقاهرة) ويناير/كانون الثاني 1954 (عندما غنت قصيدة إلى عرفات الله للمرة الرابعة في حفلة حية بالقاهرة).

ومن الملاحظ في حفلاتها الشهرية بعد الثورة، الدور الذي كانت تلعبه القصائد الدينية (في العهد الملكي) في تلوين المذاق الفني للحفلات الشهري بلون آخر غير اللون العاطفي أو الوصفي أو الوجداني العام.

ولكن لنعد بعلاقة أم كلثوم بالعهد الجديد في مصر إلى بدايتها، ليس لاستكشاف “المواقف السياسية” لأم كلثوم، بل لما هو أهم من ذلك بكثير، بالنسبة لفنانة في حجم أم كلثوم وتأثيرها، وهو استكشاف أثر التحولات الاجتماعية والثقافية العميقة التي كانت لثورة يوليو على الحياة الاجتماعية والثقافية العامة في مصر بالذات، على نمط علاقة أم كلثوم بالأوضاع العامة في بلدها على مستوى السلطة والشعب، ونمط تطور أساليب ومواضيع التعبير الفني في نتاجها الذي عرف في عقدي الخمسينيات والستينيات، مزيدا من التوسع والتحول والتطور، وصولا إلى مرحلة الغروب والرحيل، عندما تلازمت شيخوخة أم كلثوم في الحياة وفي الفن، مع مرحلة التراجع في مد العهد الجديد في مصر، بعد هزيمة 1967 ورحيل عبد الناصر في العام 1970.

ولنبدأ الحكاية من بدايتها.

لقد كان لانطلاقة أم كلثوم في المرحلة الجديدة بدايتان هامتان، تحملان أهم الخصائص الجديدة التي طرأت على حياة أم كلثوم الشخصية والفنية، في ربع القرن الأخير من حياتها.

البداية الأولى كانت مع الظهور السريع لأول أغنية وطنية أنشدتها أم كلثوم في الأسابيع الأولى لثورة 23 يوليو، وكانت هذه البداية تحمل أكثر من إشارة ذات مغزى، ظهرت “صوت الوطن” (مصر التي في خاطري وفي فمي)، شعر أحمد رامي ولحن رياض السنباطي:

السرعة القياسية التي ظهرت فيها الأغنية. فبينما قامت الثورة يوم 23 يوليو/ تموز 1952، وهو أول الأشهر الثلاثة التي كانت أم كلثوم تتوقف فيها عن الغناء (يوليو، سبتمبر، أكتوبر/تموز، آب، تشرين الأول)، فقد عمدت أم كلثوم إلى تقديم بداية موسمها الغنائي من نوفمبر، كعادتها منذ موسم 1947-1948، فقدمته إلى أكتوبر (وكانت ليلة الخميس الأول من الشهر تقع في اليوم الثاني منه)، وكانت وصلتها الأولى في افتتاح الموسم، أعظم أغنياتها الوطنية (حتى ذلك الوقت) “مصر تتحدث عن نفسها”، ثم أتبعتها بأغنيتها الوطنية الجديدة (التي كانت تقدم للمرة الأولى في حفلة عامة) “صوت الوطن”، وعادت في الوصلة الثالثة والأخيرة إلى أجوائها المعتادة برائعة السنباطي “سهران لوحدي”.

معنى ذلك عمليا أن الأغنية الوطنية الجديدة التي قدمت في الثاني من أكتوبر/تشرين الأول، لا بد أن تكون قد أعدت، شعرا ولحنا وتسجيلا إذاعيا، في شهر سبتمبر/أيلول، أي بعد قيام الثورة بأسابيع، وربما بأيام.

2- إن تاريخ الغناء الوطني عند أم كلثوم لا يتضمن قبل “صوت الوطن” إلا على لحنين مميزين هما نشيد الجامعة “يا شباب النيل” (من فيلم نشيد الأمل)، ثم تحفة السنباطي “مصر تتحدث عن نفسها”. فصوت الوطن لم تكن فقط أول أغنياتها الوطنية في الأيام الأولى لثورة يوليو، بل بقيت حتى بعد أن زاد رصيد أم كلثوم من الأغنيات الوطنية بكثافة قياسية في آخر مراحلها الفنية، كمّا ونوعا، واحدة من أنضج وأعمق الأغنيات التي قدمتها طيلة عمرها الفني، سواء في ذلك الأغنيات العاطفية أو الدينية أو الوطنية. الأمر الذي يسمح لنا أن نبقي تماما عن مثل هذا النتاج الفني الرفيع شبهة مسايرة أو مداهنة رجال العهد الجديد، فمثل هذه الحوافز لا يمكن أن تنتج شعرا في مستوى وصدق “من منكم يحبها مثلي أنا” أو لحنا في فخامة الهيكل الهندسي للحن “صوت الوطن”، وعمق وجزالة جمله، مقطعا بعد مقطع، ولا في مدخله اللحني العظيم الذي ظل واحدا من أروع المداخل اللحنية في رصيد رياض السنباطي، بل في رصيد الموسيقى العربية الكلاسيكية في القرن العشرين.

أما البداية الثانية التي تستحق التوقف عندها في علاقة أم كلثوم بالعهد الجديد في مصر، وبكل ما حمله من تحولات اجتماعية وثقافية وسياسية كبرى، فتتلخص في القصة الشهيرة عن منع أغنياتها في الإذاعة المصرية في الأيام الأولى للثورة.

من المدهش أن هذه القصة ما زالت مطروحة بصيغ مختلفة، مع أن نصف قرن قد مر عليها، ومع أن حسم وقائعها من محفوظات الصحافة اليومية وسجلات الإذاعة المصرية أمر في غاية السهولة. والأغرب من ذلك أنه برغم كون الرواية الأكثر رواجا عن هذا الموضوع تؤكد أن المنع كان لأيام قليلة، وأنه تم بتصرف من ضابط صغير، وأن تدخلا حاسما من جمال عبد الناصر قد أنهى الأمر في مكالمة هاتفية، فان مقالة في مجلة “الهلال” في عدد نوفمبر/تشرين الثاني من العام 2001، قد أعادت فتح هذا الملف، وتوسعت في طرح احتمالاته إلى درجة الإشارة إلى صراع بين عبد الناصر وعبد الحكيم عامر على صوتي أم كلثوم وعبد الحليم حافظ، علما بأن المقال لا يقدم أي دليل حاسم على أي من الاحتمالات التي بسهب في شرحها وتفريعها.

سنعتمد هنا على مرجع أساسي لحسم الموضوع والكشف عن حقيقته الموضوعية، وهو حديث مسجل للصحافي مصطفى أمين في سياق فيلم وثائقي عن أم كلثوم أنتج للتلفزيون الفرنسي، وهو حديث يستحق الثقة التامة لأنه أولا صادر عن الشخص صاحب العلاقة المباشرة بالموضوع (مع أم كلثوم وعبد الناصر)، ولأن مصطفى أمين قد تحول منذ خروجه من السجن بعد رحيل عبد الناصر، إلى أحد أشد منتقديه، فلو كان في الرواية أي خروج على الموضوعية، فالمنطقي أن يكون ذلك ضد عبد الناصر لا معه.

إلياس سحاب

back to top