الحلم بعصر إيدو الجديد

نشر في 11-11-2010 | 00:01
آخر تحديث 11-11-2010 | 00:01
إن عصر إيدو الثاني هذا قد يبدو وكأنه يوتوبيا شعرية، ولكنه يتمتع ببعض النفوذ: حيث يلاحظ ساكاكيبارا أن الطلاب اليابانيين أقلعوا عن الدراسة في الخارج، وأن «لا أحد يتعلم اللغة الإنكليزية»، فبينما أصبحت كوريا الجنوبية أكثر تكيفاً مع العولمة، وأكثر حرصاً على تعليم أبنائها اللغة الإنكليزية، فإن اليابان تدخل في «عملية إزالة العولمة».
 غاي سورمان في منتصف شهر نوفمبر سوف تتحول الأنظار باتجاه سيول، حيث من المقرر أن يجتمع زعماء مجموعة العشرين لأول مرة في عاصمة كوريا الجنوبية، وهو اختيار طال انتظاره، نظراً لقصة النجاح المذهلة التي تمثلها كوريا الجنوبية: ففي غضون جيل واحد تمكن أهل كوريا الجنوبية، بعد أن أوهنتهم الحرب الأهلية، ورغم حياتهم في ظل التهديد المستمر من جانب إخوتهم الشيوعيين في الشمال، وبعد الفقر المدقع والحكم الدكتاتوري العسكري طيلة أربعين عاما، تمكنوا من احتلال المرتبة الثالثة عشرة بين البلدان صاحبة الاقتصاد الأضخم على مستوى العالم، فضلاً عن تحويل بلدهم إلى الديمقراطية الأكثر نشاطاً وقوة في قارة آسيا.

والواقع أن كوريا الجنوبية، التي ظلت تاريخياً محصورة بين عملاقين- الصين واليابان- كان العالم ينظر إليها باعتبارها دولة مستضعفة ذات هوية ثقافية مزخرفة. ولكن في آسيا لا ينتظر قادة اليابان فرصة قمة سيول لإلقاء نظرة فاحصة على كوريا الجنوبية، التي كانت سابقاً مستعمرة يابانية (1910-1945)، والتي كان مواطنوها يعاملون وكأنهم من جنس أدنى، واليوم، كان اقتصاد كوريا الجنوبية يسجل نمواً سنوياً بلغ 5% في المتوسط طيلة الأعوام العشرة الماضية، في حين سجل اقتصاد اليابان نمواً سنوياً بلغ 0.42% في المتوسط خلال نفس الفترة.

قد يكون بوسعنا أن نزعم أن اقتصاد كوريا الجنوبية ليس اقتصاداً ناضجاً بعد، وأنه لا يزال يحاول اللحاق بالاقتصاد الياباني الأكثر تقدما. كانت هذه هي الحال في سبعينيات القرن العشرين، ولكن ليس الآن، وفي حين تغذى نمو الصين على العمالة الرخيصة مع دخول الملايين من الفلاحين إلى الاقتصاد الصناعي، فلم تكن هذه هي وصفة كوريا الجنوبية للنجاح، الذي كان مدفوعاً بالمشاريع الخاصة، والإبداع، والمنتجات ذات الجودة العالية: إن شركات مثل سامسونغ وهيونداي، وليس الأجور الزهيدة، كانت بمنزلة محركات النمو في كوريا الجنوبية.

وهناك مفتاح آخر لقصة نجاح كوريا الجنوبية يتلخص في العلاقة المتوازنة بين الحكومات المستقرة والقطاع الخاص، ولقد تجلى هذا بوضوح في أواخر العام الماضي عندما فاز اتحاد شركات من كوريا الجنوبية بعقد بناء أربعة مفاعلات نووية في الإمارات العربية المتحدة، متفوقاً بذلك على الفرنسيين.

كان اليابانيون يعرفون كيف ينسقون بين أهداف الدولة والقطاع الخاص في السبعينيات، ولكنهم في وقت لاحق ضلوا الطريق، حتى أن إيسوكي ساكاكيبارا، رجل الاقتصاد الياباني البارز الذي كان أحد مهندسي "المعجزة" اليابانية في الثمانينيات، يقول: "يتعين علينا الآن أن نحاكي كوريا الجنوبية"، والآن يرتحل اليابانيون الباحثون عن المعجزة إلى سيول.

ويقول رجل الاقتصاد المناصر لاقتصاد السوق الحرة فوميو هياشي: "في اليابان أطلق على الفترة من عام 1990 إلى عام 2000 وصف العقد الضائع، والآن تكمل اليابان عقدها الضائع الثاني"، والواقع أن هياشي وساكاكيبارا- بل أغلب خبراء الاقتصاد في اليابان- يتفقون بشكل أو بآخر على السبب الجوهري وراء هذا الركود المروع: ألا وهو أن اليابانيين توقفوا عن العمل الجاد المنضبط، فبسبب ساعات العمل الأقل، والإجازات الأطول، والانحدار السكاني (منذ عام 2005)، تدهور النمو الياباني. ولتحويل هذا الوضع في الاتجاه المعاكس يقول ساكاكيبارا: "يتعين على اليابانيين أن يزيدوا من ساعات عملهم، وأن ينجبوا المزيد من الأطفال، وأن يسمحوا بالهجرة". ولكن الحوافز التي قد تدفع اليابانيين إلى مثل هذا التحول لا وجود لها ببساطة.

فاليابانيون ما زالوا يعيشون في رغد، وحالهم أفضل من حال الكوريين الجنوبيين بما لا يقل عن الثلث، وذلك بفضل استثماراتهم في الماضي، ولا تزال الشركات اليابانية في الخارج قادرة على تحقيق الربح ولا تزال اليابان تحتل المرتبة الأولى على مستوى العالم في مجال إنتاج التكنولوجيا الفائقة مثل الإلكترونيات أو الألياف الكربونية. على سبيل المثال، يعتمد جهاز الآي فون من آبل وأحدث طائرات شركة بوينغ بشدة على ابتكارات حاصلة على براءات اختراع يابانية، وهذه الميزة النسبية قد تساعد في الإبقاء على اليابان طافية، ولكن فقط إلى أن تتمكن الصين وكوريا الجنوبية من اللحاق بها.

لذا فمن الطبيعي أن يتوقع المرء أن يعاني اليابانيون القلق الشديد، ولكن هذه ليست الحال. صحيح أن أشكالاً جديدة من الفقر والبطالة أصبحت في ارتفاع في اليابان، ولكن هذه الأشكال تظل مستترة وراء التضامن الأسري أو العادات والتقاليد الراسخة للشركات، فقد تخفض الشركات من المكافآت الزائدة التي يحصل عليها موظفوها سنويا، ولكنها لا تستغني عنهم، ولا يميل الشباب في اليابان إلى العمل قبل سن الثلاثين، والنساء المتزوجات يفضلن البقاء في بيوتهن.

ولا تستسلم الأحزاب السياسية التي تعتمد على ناخبين متقدمين في السن لإغراء الدعوة إلى التغيير، أما التحالفات السياسية الهشة القصيرة العمر التي تحكم اليابان في أيامنا هذه فإنها تفضل كسب الوقت من خلال ما يطلق عليه التحفيز العام، أو الحفاظ على الشركات التي تفتقر إلى الكفاءة بتقديم الإعانات لها، وبعد عشرين عاماً من هذه السياسات القصيرة النظر، أياً كان الحزب الذي يتولى السلطة، تضخم الدين الحكومي، الأمر الذي أدى إلى عرقلة الاستثمار الخاص.

والأمر اللافت للنظر هنا هو أن الركود وجد من يروج له في اليابان ذاتها، فقد أعلن ناوكي إينوز، المفكر العام البارز، والذي يشغل أيضاً منصب نائب محافظ مدينة طوكيو، أعلن أن عصر النمو قد ولى وانتهى، وهو يقول إن اليابان عندما كانت مهددة بالإمبريالية الغربية اضطرت إلى الانفتاح والتحديث (في عام 1868). ولقد اكتملت هذه العملية. فالآن أصبحت اليابان مستعدة لإعادة الاتصال بتقاليدها القديمة المتمثلة في الوئام الاجتماعي والنمو بنسبة صفر.

وفي الإشارة إلى الفترة 1600-1868، يطلق إينوز على هذا المستقبل وصف عصر إيدو الجديد: "حيث يتمتع عدد أقل من السكان بالثروة الكافية التي تراكمت، والتي من الآن فصاعداً سوف تستثمر اليابان إبداعها في صقل ثقافتها". لقد انهار عصر إيدو الأول عندما فتحت البحرية الأميركية السوق اليابانية بوصول "السفن السوداء" التابعة للعميد البحري بيري في عام 1853، ولكن هل يتمكن عصر إيدو الثاني من مقاومة الطموحات الصينية؟ يعترف إينوز بأن عصر إيدو الجديد يحتاج إلى جيش ياباني قوي.

إن عصر إيدو الثاني هذا قد يبدو وكأنه يوتوبيا شعرية، ولكنه يتمتع ببعض النفوذ: حيث يلاحظ ساكاكيبارا أن الطلاب اليابانيين أقلعوا عن الدراسة في الخارج، وأن "لا أحد يتعلم اللغة الإنكليزية". وبينما أصبحت كوريا الجنوبية أكثر تكيفاً مع العولمة، وأكثر حرصاً على تعليم أبنائها اللغة الإنكليزية، وأكثر ترحيباً بعدد متزايد من المهاجرين، فإن اليابان تدخل في "عملية إزالة العولمة".

وهو في واقع الأمر اتجاه يبعث على القلق والانزعاج، وليس فقط بالنسبة لليابان: ذلك أن كوريا الجنوبية لا تستطيع أن تقف وحدها بوصفها الديمقراطية الوحيدة في آسيا. وإذا لم يفق اليابانيون من حلم إيدو القديم فقد تتحول آسيا إلى إمبراطورية صينية.

تُرى هل يكون هذا موضوعاً للنقاش في إطار اجتماع قمة مجموعة العشرين؟ ربما ليس علنا، ولكن من المؤكد أن هذا النقاش سوف يدور في الأروقة والكواليس.

* فيلسوف ورجل اقتصاد فرنسي، ومؤلف كتاب

«الاقتصاد لا يكذب».

«بروجيكت سنديكيت» بالاتفاق مع «الجريدة».

back to top