أم كلثوم... السيرة والأغاني - السيرة الفنية (الحلقة الحادية والعشرين) زكريا أحمد حـافظ على الأصـالة وبـدأ مشواره معها في اللي حبك يا هناه والسنباطي افتتح العلاقة بـ على بلد المحبوب ودّيني عاد بيرم التونسي من المنفى وفي 1939 قدّم الأمل ثم في عام 1947 أغنية حلم
إذا كان محمد القصبجي يمكن اعتباره فارس مرحلة الفن الكلثومي الذي انتج ضمن مواصفات التسجيل لمدة زمنية محدودة تفرضها الاسطوانة،لأن لحنا واحدا له فقد انضم إلى عصر الحفلات الحية لأم كلثوم (رق الحبيب)، فإن زكريا أحمد هو الفارس المخضرم بين المرحلتين، ذلك أنه شارك زميله محمد القصبجي في إبداعات فنية تاريخية، عندما كانا يلحنان لأم كلثوم في إطار التسجيل لاسطوانات (في الثلاثينيات)، ولكنه انطلق فيما بين 1937 و1947، يغذي رصيد أم كلثوم المطلوب لحفلاتها الحية، بسلسلة من المونولوجات المطولة، التي تفرغ بيرم التونسي لكتابتها والتخصص لها، هي من صميم الرصيد الذهبي التاريخي لفن أم كلثوم، إضافة لألحان زكريا أحمد الأولى للاسطوانات.ومع أن ملحني أم كلثوم الثلاثة الرئيسيين (وشأنهم على أي حال شأن كل الملحنين والمطربين الكبار فيما بين منتصف القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين) قد تلقوا تكوينهم الفني الأساسي في حضن التجويد القرآني والإنشاد الديني، قبل أن ينطلق كل منهم في طريقه الخاص، فأن الشيخ زكريا أحمد يمتاز عن زميليه (القصبجي والسنباطي)، أنه كان أكثرهم تمرسا في فرق الإنشاد الديني، مرورا ببطانة كبار المشايخ، ثم مؤسسا لبطانته الخاصة، مما أدخله في ممارسة طويلة لتلحين الابتهالات الدينية له ولسواه، إضافة إلى إنشاد ما وضعه غيره بصوته. لذلك، كانت جذور التكوين الفني لكل من زكريا أحمد وأم كلثوم، تضرب في أعماق التراث الديني، وهي جذور لم تكن بعيدة على أي حال عن تكوين محمد القصبجي.
غير أن زكريا أحمد، افترق بعد ذلك عن زميله القصبجي، وحتى عن بقية زملائه من ملحني أم كلثوم، وعن بقية كبار الملحنين في عصره، أنه بقي خارج نطاق التأثر بالموسيقى الأوروبية، الكلاسيكي منها والخفيف.ومع ذلك، ومع أن زكريا أحمد كان سابقا للقصبجي في التعرف إلى صوت الموهبة الصغيرة أم كلثوم، وهي في مرحلة التكون الفني الأول في الريف، ومع أنه ساهم مع صديقه وزميله أبو العلا محمد في إقناع الشيخ إبراهيم البلتاجي بضرورة الانتقال بابنته الموهوبة إلى القاهرة، فأنه لم يبدأ لقاءه الفني الفعلي الأول بها، إلا بعد مرور ثماني سنوات على استقرارها في القاهرة، في وقت متزامن مع وفاة والدها الشيخ إبراهيم كما أسلفنا.هذا عن الفوارق، أما عن القواسم المشتركة التي تستحق التسجيل، بين زكريا أحمد ومحمد القصبجي، أنهما، برغم فارق السن بينهما وبين أم كلثوم، فان عبقريتهما الموسيقية لم تنتج شيئا يذكر قبل لقائهما الفني بأم كلثوم، كما أعمالهما لغير صوت أم كلثوم بعد ذلك، بقيت تمثل النسبة الأضعف في رصيدهما التاريخي.لقد انخرط زكريا أحمد، مثل زميله القصبجي، قبل التلحين لأم كلثوم (الذي تأخر كما أسلفنا حتى العام 1931) في التلحين لأصوات عديدة، وفقا للجو الفني الترفيهي السائد، فاشتهرت لزكريا أحمد الحان كثيرة أشهرها طقطوقة «إرخي الستارة اللي في ريحنا» الشهيرة، التي لم يبق صوت شهير بين الرجال والنساء في ذلك العصر إلا وغناها. ومع ذلك فكل تلك الألحان الشهيرة في حينها، لم يدخلها غربال الزمن، فيما بعد، في الرصيد التاريخي الجاد لصاحبها.من هنا يمكن اعتبار نشاط زكريا أحمد، قبل أن يلحن لأم كلثوم، نوعا من التدريب أو التحفيز، الذي كان صاحبه يتهيأ ويحتشد تمهيدا لشيء ما، وكان هذا الشيء هو بداية التعاون الفني بينه وبين أم كلثوم.ولم يكن زكريا أحمد بحاجة إلى كبير جهد في تعامله الأول معها. فإضافة إلى الجذور المشتركة، وإلى المعرفة الشخصية القديمة، فإن الشخصية الموسيقية التلحينية لزكريا أحمد كانت لا تعرف لها جذورا أو امتدادا أو تفرعا أو تأثرا خارج نطاق الإنشاد الديني وتراث الغناء العربي الكلاسيكي القادم من القرن التاسع عشر.أما أم كلثوم، فكانت عند لحظة اللقاء الفني الأول بزكريا أحمد، قد أضافت إلى خبرتها الطويلة في التمرس بالإنشاد الديني في الريف، خبرة اختزان ما تيسر من تراث القرن التاسع عشر على يد الشيخ أبو العلا محمد، إضافة إلى التدريبات الصوتية الجديدة مع أستاذها الثاني محمد القصبجي، يضاف إلى ذلك كله درجة من النضج في تكوين أدواتها الصوتية من أوتار الحنجرة إلى ممارسة احترافية في تهذيب هذا الصوت، وحسن استخدام النفس والحجاب الحاجز، وسوى ذلك من تقنيات احتراف الغناء، مع خبرة أيضا في ممارسة الغناء الحي أمام الجمهور، والغناء داخل الاستوديو لتسجيل الاسطوانات.إذن عندما دنت ساعة اللقاء الفني الأول بينهما، كان زكريا أحمد الملحن في عز جهوزيته، وكذلك كانت أم كلثوم المطربة. لذلك، لم يكن ذلك اللقاء متميزا فقط بسلسلة من الطقاطيق والأدوار الفائقة الجمال اللحني والمتينة البنيان الهندسي، بل كان منذ البداية فاتحة لعمليات تطوير تاريخي، كان الشيخ زكريا أحمد صاحب المبادرة والفضل فيها، في شكلي الطقطوقة والدور، بشكل خاص. وهنا نتوقف في لحظة مقارنة بين القرن العشرين في الموسيقى الكلاسيكية العربية، والقرن التاسع عشر في الموسيقى الكلاسيكية الأوروبية، لنفهم تماما طبيعة ما قام به زكريا أحمد من تطوير، بينما يصنفه البعض خطأ، في خانة الموسيقيين الذين لم يتطوروا، ولم يطوروا.عندما ظهر نجم الموسيقار الألماني العظيم برامز، كان التيار الكلاسيكي في الموسيقى الأوروبية قد بدا وكأنه استوفى جميع أغراضه، وكانت الثورات السياسية القومية قد أطلقت تيار الرومانسية في جميع أنواع الفنون، من الرواية إلى الشعر إلى المسرح إلى الموسيقى إلى الفنون التشكيلية.وكان الموسيقي الشاب برامز يؤمن بنظرية تقول أنه بما أن تطور الشكل في كل الفنون يسير بوتيرة أبطأ بكثير من تطور المضمون، فان المضمون الرومانسي الزاحف على كل الفنون الاوروبية، قابل للتعبير عنه في إطار الأشكال الكلاسيكية التقليدية، وأن التعبير عن المضمون الرومانسي في الموسيقى، لا يستدعي بالضرورة تحطيم الأشكال الموسيقية الكلاسيكية أو الخروج عليها. ولم يكتف برامز بالمناظرات الكلامية الحادة مع كل من يعارض نظريته هذه (وهم الأكثرية)، بل نذر فنه الموسيقي ليكون دليلا عمليا على صحة نظريته.طبعا، لم يكن زكريا أحمد على علم بتلك المعركة الفنية الأوروبية التي سبقت ولادته بنصف قرن، ولا هو سمع حتى الثمار الموسيقية لتلك المعركة، ولكن بما أن تاريخ الفنون يسير لدى الشعوب في خطوط متوازية حينا، ومتناقضة حينا آخر، فقد شاءت ظروف تطور الموسيقى العربية الكلاسيكية في الثلث الأول من القرن العشرين، أن يمارس فيها زكريا أحمد دورا متعاكسا تماما مع الدور الذي قام به برامز في الموسيقى الأوروبية الكلاسيكية. فقد عكس زكريا أحمد الآية، وانتج أعمالا فنية شامخة جاء فيها المحتوى ينضح بالروح التقليدية المحافظة التي كانت تملأ جوانح زكريا أحمد، ولكن يبدو أن ثورة سيد درويش (التي كان زكريا أحمد من بين المأخوذين بها، المتحمسين لها) لم تفجر لديه إلا ثورة على الشكل، مع الاحتفاظ بالروح التقليدية للمضمون. ولعل هذا التزاوج الغريب بين ثورية الشكل وتقليدية المضمون، هي التي أعطت نتاج زكريا أحمد الموسيقي (وأعظم ثماره سجلت بصوت أم كلثوم) تلك النكهة المميزة، التي الصقت به لقب «شيخ الملحنين»، ودفعت محمد عبد الوهاب إلى أن يطلق عليه لقب «متحف الموسيقى العربية».ففي شكل الطقطوقة، أحدث زكريا أحمد في لحنه الأول لأم كلثوم «اللي حبك يا هناه»، ثورته الكبرى التي أخرجت عملاق الطقطوقة من القمقم، وأطلقته في الفضاء الرحب، شكلا واسعا يمكن أن يحمل من المعاني والتعابير الموسيقية ما يجعله يضاهي أفخم الأشكال في الموسيقى العربية، بما في ذلك شكل الدور. وخلاصة ما فعله زكريا أحمد، أن الطقطوقة كانت قبل «اللي حبك» تعتمد شكل المذهب الذي يتكرر في لحن واحد وكلام واحد، والمقطع (أو الغصن) الذي يتكرر في لحن واحد، مع اختلاف الكلام، الأمر الذي كان يحصر الطقطوقة، مهما كانت مادتها اللحنية دسمة، في حدود ضيقة لا يمكن لخيال الملحن أن يتجاوزها.أما زكريا أحمد، فقد دشن للطقطوقة شكلها الجديد، الذي يتبدل فيه اللحن مع كل مقطع (غصن) فيكون لكل مقطع لحن جديد، وعلى مقام جديد في الغالب الأعم.طبعا اكتسبت الطقطوقة بعد ذلك، على يد الذين أفادوا من ثورة زكريا أحمد، أشكالا ِأخرى من التطوير والإضافة، ولكن زكريا أحمد هو الذي أنجز المنعطف الكبير في حياة هذا الشكل الموسيقي الهام.أما في شكل الدور، الذي كان سيد الموسيقى العربية الكلاسيكية في القرن التاسع عشر، وحتى أواخر الثلث الأول من القرن العشرين، فمع أن ذلك الشكل كان يعيش آخر مراحل ازدهاره، فقد توج زكريا أحمد تلك المرحلة، ليس فقط بسلسلة ذهبية من الأدوار، التي تنافس بعضها بعضا في جمالها وجزالة ألحانها، وقوة معمارها الهندسي، ولكنه أخذ يلعب باقتدار الفحول في الشكل التقليدي للدور، حتى أن معظم أدواره جاءت بتنويع جديد ما، في الإيقاع أو الشكل الهندسي، على الشكل التقليدي للدور. ويمكننا الآن، بعملية استعراض شامل لكل الأصوات التي كانت تتسيد الساحة الغنائية في ذلك الوقت، أن ندرك تماما أن زكريا أحمد ما كان يحلم بصوت في مستوى صوت أم كلثوم يعبر من خلاله عن كل تلك الخواطر الفنية التي كانت تعتمل في أعماقه، وهذا ما كان زكريا أحمد لا يكف عن ترديده حتى في أشد لحظات خصامه الممض مع أم كلثوم. ومع أن زكريا أحمد كان مقلا في تلحين القصائد، إلا أن لحنيه لقصيدتي الشريف الرضى: أبها الرائج المجد (1935) وقولى لطيفك (1939)، يعتبران من عجائب الموسيقى العربية المعاصرة في فن القصيدة بالذات، ولعلهما كانا من بين الحوافز التي أطلقت عبقرية رياض السنباطي بعد ذلك، في إنجازه التاريخي في شكل القصيدة الدينية والعاطفية.فإذا عدنا إلى شكلي الدور والطقطوقة، يكمن القول أن زكريا أحمد قد اغرق أم كلثوم بسلسلة ذهبية من الأدوار التي وصلت في عنائها إلى ذرى معجزة. ويبدو أن شهية زكريا أحمد قد بقيت مفتوحة على هذا اللون، حتى بعد أن توقف الجميع عن تعاطيه، وحتى بعد أن اكتفت أم كلثوم فيه بما سجلته حتى منتصف الثلاثينيات. ذلك أنه قد وصلنا ثلاثة أدوار رائعة من ألحان زكريا احمد مسجلة بصوته على اسطوانات، يبدو أنه وضعها بعد أن زهدت أم كلثوم في هذا اللون الكلاسيكي الكبير، وهذه الأدوار الثلاثة هي: مصير عقلك، إنت فاهم، الفؤاد ليله ونهاره.أما في شكل الطقطوقة، فمن النادر أن نجد لحنا واحدا لزكريا أحمد فيها لم يجد رواجا جماهيريا في حينه، ولسنوات طويلة بعد ذلك. نكتفي هنا بمثال واحد هو أحد أواخر ألحانه لأم كلثوم في هذا الشكل: الورد جميل، التي لحنها لفيلم فاطمة 1947/1948. كما أننا لا ننسى جهده المميز معها في فيلم «سلامة» الذي أرادته ردا على مزاج التغرب الفني للقصبجي والسنباطي في فيلم عايدة، فأطلق فيه زكريا أحمد كل فنون الفنتازيا الفنية التي كان يغرفها من الألوان البدوية مثل «غني لي شوي شوي» وحوارية «سلام الله على الأغنام»، وحوارية «الفوازير» وأغنية «عن العشاق سألوني».غير أن كل ما تطرقنا إليه حتى الآن من ثمار اللقاء الفني الغني بين أم كلثوم وزكريا أحمد، يختصر تحت عنوان واحد هو مرحلة الاسطوانات.غير أن الظروف تدخلت بعد ذلك، لتمهد السبيل أمام مرحلة ثانية من التعاون بين زكريا أحمد وأم كلثوم، ولم يكن الاختلاف بين المرحلتين (الأولى والثانية) في الشكل فقط، بل في المضمون أيضا، كما سنرى فورا.احتكار بيرم التونسيلقد كان زكريا احمد، في مرحلة إنتاج الاسطوانات لدى أم كلثوم، يعتمد على عدد من شعراء الأغنية، في مقدمتهم حسن صبحي واحمد رامي، أما بيرم التونسي، فكان يعيش في فرنسا منفيا.وما أن أنهى بيرم التونسي فترة منفاه، وعاد إلى مصر، حتى كانت أم كلثوم قد افتتحت عصر الحفلات الغنائية الشهرية الحية المذاعة على الهواء مباشرة، وبدأت تتجه إلى إنتاج أغنيات خاصة بهذه الحفلات المطولة، بعد أن ظل اعتمادها في الحفلات الأولى على الأغنيات الملحنة للأفلام أو للاسطوانات.ويمكن القول أن السنوات الثماني بين 1939 (تاريخ ظهور أغنية الأمل) و 1947 (تاريخ ظهور أغنية حلم)، شهدت الانطلاقة الكبرى في التعامل بين زكريا احمد وأم كلثوم، وهي المرحلة التي احتكر فيها بيرم التونسي كتابة الشعر الغنائي الخاص بذلك الإنتاج.وقبل الدخول في تفاصيل هذا التعاون، لا بد هنا من الإشارة إلى واقعة تاريخية كان بطلها بيرم التونسي، الذي أفتتح عودته من المنفى إلى خضم إنتاج الشعر الغنائي، بقصيدة من الشعر العامي، ذات صفة هجومية، هي التي يقول في مطلعها الشهير:يا أهل المغنى دماغنا وجعنادقيقة سكـــــوت للـهومع أن عرب النصف الثاني من القرن العشرين كثيرا ما استخدموا هذه القصيدة (وخاصة مطلعها) في مهاجمة ألوان الغناء الهابط (كلاما ولحنا) في الربع الأخير من القرن العشرين، معتقدين أن بيرم قد كتبها قديما في مهاجمة هذا النمط من الشعر الهابط واللحن الهابط، غير أن المفارقة التاريخية التي لا يعرفها الكثيرون، هي أن بيرم إنما كتب هذا الهجاء الفظيع لمهاجمة غناء محمد عبد الوهاب (تصوروا!) غامزا من قناة من كانوا يكتبون له كلام أغانيه في الثلاثينيات، وعلى رأسهم احمد رامي. ومن يقرأ النص الكامل لقصيدة “يا أهل المغنى”، يكتشف أن الهجاء كله مبني على أغنية “يا وابور قلي رايج على فين”، التي كتبها أحمد رامي، ولحنها وغناها عبد الوهاب في فيلم “يحيا الحب” (1937).بعد هذا الدخول الهجومي الذي أعلن فيه بيرم التونسي عودته إلى ساحة كتابة الأغاني، انطلق في أجمل وأقوى تجاربه في هذا المجال، من خلال سلسلة ذهبية أخرى من الحان زكريا أحمد لأم كلثوم، يكفي أن نستذكر منها (وفقا لتسلسل الترتيب الزمني لظهورها): الأمل، الآهات، حبيبي يسعد أوقاته، أهل الهوى، أنا في انتظارك، الأولة في الغرام، حلم، وأخيرا “هو صحيح الهوى غلاب”، بعد انقطاع بين زكريا أحمد وأم كلثوم استمر من العام 1947، إلى العام 1960. ومع أن القطيعة الدرامية بين أم كلثوم وأستاذها الثاني محمد القصبجي، كانت بلا جدال لأسباب فنية (كما رجحنا وفصلنا)، فان الأسباب الفنية كانت أبعد ما يكون عن القطيعة الكبرى الثانية في حياة أم كلثوم، التي تمت بينها وبين زكريا احمد.فهناك ألف سبب وسبب تدعو إلى الاعتقاد بأن الألوان التي كان زكريا احمد يبدعها لأم كلثوم، سواء في ذلك سلسلة الطقاطيق الرائعة والأدوار الرائعة في مرحلة التسجيل على اسطوانات، أو ألحانه لأغنيات أفلامها، أو سلسلة المونولوجات والطقاطيق المطولة الملحنة خصيصا لحفلاتها الشهرية الحية، هذه الألوان كانت كلها من صميم النشأة الفنية لأم كلثوم، سواء في الإنشاد الديني (على يد والدها) أو الغناء المحترف (على يد أبي العلا محمد).غير أن زكريا احمد، كان ذا شخصية قوية وله مواقف متطرفة في معايير الكرامة الشخصية، والحفاظ على تلك الكرامة.ولعله كان يدرك، برغم شهر العسل الفني الذي كانت تقضيه أم كلثوم مع محمد القصبجي في عقد الثلاثينيات، أن اللون الذي يقدمه هو لأم كلثوم، أحب إلى أم كلثوم وإلى الجمهور. وكان لذلك يعتز بألحانه اعتزازا بلا حدود، ويعتبرها، في تصريحات علنية، أعظم ما تغنيه أم كلثوم. خاصة أن كل ذلك كان يتم إما قبل ظهور السنباطي في حياة أم كلثوم، أو بعد ظهوره الأول الذي لم يكن قد أصبح فيه منافسا جديا للقصبجي وزكريا احمد.لقد أدى اعتزاز زكريا احمد المتشدد بفنه، إلى أن يتوقع معاملة خاصة من أم كلثوم، معنويا وماديا. وهكذا، تراكمت الأسباب الموضوعية في المعاملات اليومية بينهما، التي جعلت من التعايش بين فنانين يتنافسان في قوة الشخصية، وفي الاعتداد الكبير بالنفس أمرا صعبا. فكانت “حلم” الرائعة عنوانا للقطيعة الكبرى بين أم كلثوم وزكريا احمد، تماما كما كانت “رق الحبيب” الرائعة عنوانا للقطيعة بينها وبين القصبجي. وكأن كل هذه الظروف كانت تمهد كل شئ لرياض السنباطي ، ليصبح السيد المطلق في ساحة حنجرة أم كلثوم، وهي في ذروة عصرها الذهبي، صوتا وأداء وشهرة ومجدا فنيا.لم تكن تلك هي النتيجة الوحيدة لتلك القطيعة، فقد اختفت من برنامج الحفلات الشهرية لأم كلثوم أغنية “حلم” بشكل خاص، كما اختفت من برامج الإذاعة المصرية، غالبا بإيعاز من أم كلثوم، الأمر الذي أحدث دهشة فنية لدى الجمهور، عندما عادت إذاعة القاهرة إلى بث التسجيل الرائع لتلك الأغنية، الذي غنته أم كلثوم بصوتها الذهبي في الأربعينيات، فحار البعض في موعد ولادة هذه التحفة الفنية المفاجئة.أما بالنسبة لزكريا أحمد، فمع أن قوة شخصيته لم تكن تسمح له بالانطواء والانزواء الفني والاجتماعي، كما حصل لمحمد القصبجي، فإن قوة صدمة القطيعة، وشدة إعجاب زكريا احمد بصوت أم كلثوم (حتى في أيام الخصام)، جعلاه مقلا إلى درجة كبيرة في التلحين لأصوات أخرى، مع أنه أبدع ألحانا رائعة لعبد المطلب (آه م العيون) ولنجاة الصغيرة (ناداني الليل) ولفايزة أحمد (من نظرة تملكني)، ولكنها لم تنس الجمهور، كما لم تنس زكريا احمد نفسه روائعه الكلثومية السابقة.من ثمار تلك القطيعة أيضا، أن زكريا احمد المصدوم، انصرف ِإلى عقد اتفاق مع القسم العربي في هيئة الإذاعة البريطانية، قام بموجبه بتسجيل عدد من ألحانه السابقة لأم كلثوم، بصوته، وبتفسير لحني جديد، لعل أروعها تسجيل “أهل الهوى يا ليل”، وتسجيل “الورد جميل”.طبعا، فان مرحلة القطيعة لم تنقض بلا مشاحنات جانبية بينهما، وبلا محاولات متكررة لإنهاء القطيعة قبل فوات الأوان. ولكن تلك المحاولات بقيت عقيمة، إلى أن فعل الزمن فعله في تذويب حدة الخصام، فانعقد الصلح بينهما على أهون الاسباب، وفي قاعة المحكمة، عندما كان القاضي ينظر في دعوى رفعها زكريا احمد لتحصيل حقوقه على ألحانه التي كانت أم كلثوم تغنيها طوال تلك الفترة بلا إذن منه أو تنازل. لقد لعب الذوق الفني الرفيع للقاضي يومها دورا حضاريا مشهودا في انتزاع اعتراف من أم كلثوم بعظمة زكريا أحمد الموسيقية، واعتراف مقابل من زكريا أحمد بعظمة أم كلثوم الغنائية، فكان الصلح الذي أثمر اتفاقا على ثلاثة الحان، لم يطل العمر بزكريا احمد إلا لصياغة أولها وآخرها “هو صحيح الهوى غلاب”، وكأنه يقدم “رقصة البجعة”الأخيرة قبل موتها.والذين عايشوا زكريا احمد في الفترة القصيرة التي فصلت بين الحفلة الأولى ل”هو صحيح” ووفاته المفاجئة بعد ذلك، يروون قصصا عن السعادة التي كانت تغمره لعودة المياه الفنية إلى مجاريها بينه وبين أم كلثوم. ومن مصادفات القدر العجيبة أن بيرم التونسي، شاعر الأغنية، رحل هو الآخر بعد أيام من صديق عمره.وقد تردد كثيرا بعد ذلك أن زكريا قد بدأ بتلحين مطلع قصيدة مأمون الشناوي “أنساك دا كلام”، التي ظهرت بعد ذلك كثاني الحان بليغ حمدي لأم كلثوم (بعد “حب ايه”). غير أن هذه الروايات ما زالت غير موثقة نهائيا إلى هذه اللحظة، علما بأن مطلع اللحن، تشيع فيه رائحة زكريا احمد بوضوح وقوة، فإما أنه الملحن الفعلي لذلك المطلع، أو أن بليغ حمدي كان ينسج نسجا كاملا على منوال شيخ الملحنين.فإذا عدنا إلى السلسلة الذهبية لألحان زكريا احمد المسرحية لأم كلثوم، فإننا نذكّر بأنه صاغ لها ألحانا أخرى غير تلك التي دخلت التاريخ، منها ايه اسمي الحب (1939) وأنا وانت أنا وانت (1942)، كل الأحبة اثنين اثنين (1942) واكتبلي اكتبلي كثير (1943)، ولكنها اختفت حتى من التسجيلات المتداولة لأم كلثوم، وحتى من برامج إذاعة القاهرة لأسباب غير معروفة إلى الآن.وعلى أي حال، فان الحلقات الثماني في السلسلة الذهبية التي تبدأ بالامل، وتنتهي بالهوى غلاب، تعتبر كنزا آخر من الكنوز التي أنتجتها عمليات التعاون الكبير بين أم كلثوم. وثلاثي ملحنيها الأساسيين، في صياغات لحنية تجاوزت الأشكال الفنية التي كتبت بها ( الطقطوقة أو المونولوج)، لتغني هذه الأشكال بمضمون من الإبداع الموسيقي المتجول بحرية تامة في الثروة المقامية والثروة الإيقاعية للموسيقى العربية، في نماذج ستبقى ذخرا سمعيا ودراسيا لا ينضب، للأجيال العربية المقبلة.ريـــــاض السنبــاطـيلقد كانت البدايات تاريخية بالفعل، عندما نعيد النظر إليها الآن، بعد مرور ثلاثة أرباع القرن عليها: بدأ زكريا أحمد تعاونه مع أم كلثوم بلحنين على شكل الطقطوقة (اللي حبك يا هناه، وجمالك ربنا يزيده)، لم يدخلا فقط الرصيد الذهبي لأغنيات أم كلثوم الخالدة في مادتهما اللحنية وقوتهما الانفعالية المؤثرة، بل دخلا تاريخ الموسيقى العربية المعاصرة من أوسع الأبواب، لأن زكريا أحمد حقق فيهما إنجازه التاريخي بتطوير وتوسيع شكل الطقطوقة، كما شرحنا.السيناريو نفسه تكرر مع رياض السنباطي، فذلك الشاب الذي كان يكمل عامه الثلاثين، والذي حاول الانتساب إلى المعهد الموسيقي تلميذا (في نهاية العشرينيات) فعينوه أستاذا لآلة العود، عندما استمع أساتذة الآلة إلى عزفه، بدأ طريقه بالانتساب إلى فرقة محمد عبد الوهاب الموسيقية، (في فيلم الوردة البيضاء 1933)، ثم بمحاولات تلحينية محدودة. وتشاء الظروف أن يدعى السنباطي، كملحن ناشئ في ذلك الوقت، إلى مشاركة العملاقين محمد القصبجي وزكريا أحمد، في وضع لحنين لفيلم أم كلثوم الأول «وداد» (1935)، الأول لأغنية «حيوا الربيع» التي عنتها أم كلثوم في الفيلم، ولكن تسجيلها اختفى من التداول فيما بعد، والثاني لأغنية «على بلد المحبوب وديني»، الذي رفضت أم كلثوم غناءه في الفيلم، تتم تسجيله بصوت المطرب عبده السروجي (صاحب الأغنية الشهيرة فيما بعد «غريب الدار»). غير أن الشهرة المدوية للأغنية، دفعت أم كلثوم إلى تسجيلها بصوتها على اسطوانة بعد ذلك.هل كانت تلك هي البداية ؟ لا، البداية الحقيقية لتعاون أم كلثوم مع الملحن الناشئ رياض السنباطي كانت أكبر من ذلك وأهم.ففي فيلمها الثاني «نشيد الأمل» (1936/1937) تقاسم السنباطي ألحان أغنيات الفيلم مع محمد القصبجي، فوضع منها ثلاثة عرفت كلها نجاحا مدويا، ودخلت خزانة الموسيقى العربية الكلاسيكية الكبيرة فورا، بغض النظر عن صغر سن ملحنها، وحداثة تجربته وخيرته، وهي:نشيد الجامعة (يا شباب النيل)، الذي كان تأثر السنباطي فيه واضحا بنشيد «أيها الخفاق» (لحن وغناء عبد الوهاب في فيلمه الثاني «دموع الحب» 1935).لحن قضيت حياتي، وهو مونولوج ذو مقدمة موسيقية مدهشة، وبناء هندسي متكامل فخم، ومادة لحنية في غاية الدسامة، من يستمع إليه دون قراءة اسم ملحنه، ينسبه فورا لمحمد القصبجي، لأنه صيغ من نسيج مونولوجاته المدهشة.لحن افرح يا قلبي، الذي أعلن فيه رياض السنباطي عن شخصيته المستقلة. وهكذا، شهد فيلم «نشيد الأمل» الولادة الكاملة لملحن كبير، كانت كل ملامح حجمه التاريخي واضحة وكاملة حتى في ألحانه الأولى، بما في ذلك ملامح تأثره الطبيعي بالرائدين اللذين سبقاه، إضافة إلى ملامح شخصيته المستقلة، التي بدأت تظهر وتنضج بوتيرة سريعة، ما لبثت أن ضمته إلى فريق عظماء الملحنين.فعلى موجة ألحان السنباطي لفيلم نشد الأمل، وضع لأم كلثوم لحن المونولوج الخالد «النوم يداعب عيون حبيبي»، الذي يعتبره عبد الوهاب واحدا من أعظم ألحان السنباطي، ومن أهم الحان الموسيقى العربية المعاصرة.مرة أخرى، يبدأ التعاون بين أم كلثوم وملحن جديد، بطريقة وبمستوى يكشفان عن أن كلا الفنانين (المطربة والملحن) كانا يحتشدان لذلك اللقاء ويتهيآن له، حتى إذا دقت ساعته، جاءت ثماره كأنها نتاج تعاون يختمر ويعد له من سنوات طويلة.لم يتوقف الأمر عند البدايات الكبيرة، فقد مهدت هذه البدايات بسرعة غير متوقعة، لظهور المعالم الأولى للثنائي الفني الذي سرعان ما تكون من أم كلثوم ورياض السنباطي، والذي سرعان ما بدأ يرسم ملامح أشكال إبداعية جديدة ومتطورة وعميقة في رصيد الموسيقى العربية الكلاسيكية المعاصرة.لقد كان رياض السنباطي الحلقة الثالثة في سلسلة عباقرة الموسيقى العربية المعاصرة الذين ليس بوسعنا أن نتخيل ماذا كانوا سيفعلون بمخزونهم الموسيقي العبقري، لو لم يظهر أمامهم صوت أم كلثوم.فالسنباطي، الذي ولد في العام 1926، ترعرع، كسائر أترابه في ذلك الفريق الذهبي، في حضن الإنشاد الديني، كما أنه سرعان ما طلع على تراث القرن التاسع عشر، الذي كان قد بدأ ينتشر بأصوات كبار المطربين المخضرمين بين أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.لكن ما أن بلغ السنباطي سن الفتوة، حتى راحت أذناه وأحاسيسه تستقبل الموجات المتلاحقة لرواد القرن العشرين الأوائل الذين سبقوه، ابتداء بسيد درويش، ثم القصبجي وعبد الوهاب.لقد ظل السنباطي في أحاديثه القليلة للإذاعة والصحف، وحتى بعض الجلسات الخاصة، لا يكف عن الإعراب عن إعجابه بريادة سيد درويش، وعن تقديره اللامحدود لمحمد عبد الوهاب، ملحنا ومطربا. كما أن ألحان السنباطي الأولى تشي بتأثره الواضح بهؤلاء الرواد الثلاثة، خاصة بمحمد القصبجي الواضح البصمات على السنباطي فيما وضع من ألحان في النصف الثاني من عقد الثلاثينيات وبداية الأربعينيات.لقد بدأ السنباطي عازفا في فرقة عبد الوهاب الموسيقية (1933)، ثم أخذ يجرب موهبته في مونولوجات من نسيج مونولوجات القصبجي، غير أن الموهبة الكبيرة الدفينة في أعماقه، ما كان يمكن لها أن تتوقف عند هذه البدايات. ولم يكن أمامه طريق سوى الانخراط في فريق ملحني صاحبة الصوت العظيم، الذي يبحث عن ملحنين، في مواجهة محمد عبد الوهاب، الذي تكاملت فيه عبقرية اللحن والغناء، في حالة اكتفاء ذاتي على أرفع مستوى.وفي رأيي أن حفلة أم كلثوم في أواخر العام 1937 (7 أكتوبر)، قد شهدت ولادة الشخصية المستقلة لرياض السنباطي، وولادة ملامح الألوان السنباطية- الكلثومية التي ستطبع أم كلثوم بطابعها القوي والخاص، حتى نهاية مسيرتها الفنية.الوصلات الثلاث في تلك الحفلة كانت موزعة بالعدل والقسطاس على مونولوج «النوم يداعب» (الذي يشي بتأثر السنباطي بالقصبجي كما أشرنا)، غير أن الوصلة الثانية «فاكر لما كنت جيني» كانت إعلانا عن ولادة المونولوج السنباطي المسرحي المطول، الذي ستكون حلقته الثانية «يا طول عذابي» (1938)، وحلقته الثالثة البالغة الأهمية «هلت ليالي القمر» (1940)، واكتمل عقد تلك السهرة التاريخية في مسيرة ثنائي أم كلثوم ورياض السنباطي، بظهور قصيدة «سلوا كؤوس الطلا»، التي تضمنت – برأيي- في وقت مبكر كل ملامح القلعة الشامخة التي بناها السنباطي (بعد ذلك) بعبقرية متميزة لصوت أم كلثوم الاستثنائي، من القصائد الدينية والعاطفية، متابعا ما أنجزه عبد الوهاب في هذا المجال تطويرا لقصيدة أبو العلا محمد التقليدية، ولكن متمايزا عن عبد الوهاب بالنفس الصوفي الذي لم يقتصر أثره على القصائد الدينية للسنباطي، بل ظهر حتى في قصائده الوصفية أو العاطفية أو الغزلية، كما اتضح تماما في “حجر الأساس” لتلك العمارة الموسيقية الشاهقة “سلوا كؤوس الطلا”، التي ما لبث أن ألحقها في مطلع العام 1939 بقصيدته الرومانسية الرائعة “اذكريني”، فاختصر بهاتين القصيدتين الأوليين كل العناصر التي شاد منها فيما بعد روائع ألحانه للقصائد الدينية والعاطفية والوصفية.وكأن هذا الاختمار الكبير لمواهب السنباطي، كان يتكامل في نضجه وتطوره، تحسبا لذلك المتعطف الدرامي الذي شهد قطيعة أم كلثوم مع محمد القصبجي.فمع أن السنباطي كان قد “تورط” في فيلم “عايدة” بتلحين مقطع أوبرالي، على طريقة القصبجي، بلغ فيه السنباطي مرحلة من التغرب، اتضح فيما بعد أنها كانت دخيلة على طبيعته الموسيقية، حتى في ألحانه غير الكلثومية، التي ظهرت فيها مؤثرات واضحة للموسيقى الاوروبية الكلاسيكية، ولكن بجرعة بالغة الاعتدال والتوازن، فأن أم كلثوم كانت على ما يبدو قد اتخذت قرارها التاريخي بأنها فيما لم قاطعت الحان محمد القصبجي، فإن البديل العصري المتطور جاهز، بالصيغة المتوازنة التي توافق هواها ومزاجها وذوقها الفني (رياض السنباطي)، إلى جانب البديل التقليدي المتطور، المتمثل في ألحان زكريا أحمد .إلياس سحاب