ويكيليكس: معظم مصادر تمويل الإرهاب من دول الخليج
على الرغم من أن المملكة العربية السعودية اتخذت "خطوات سباقة" على سبيل وقف تدفق التمويلات للمنظمات الإرهابية، إلا أن هذه الدولة الغنية بثرواتها النفطية ما زالت تمثل وجيرانها العرب المصدر الأكبر لتمويل الحركات المتشددة مثل القاعدة وطالبان، بحسب وثائق أمريكية مسربة.وترسم هذه الخلاصة التي تكشف عنها سلسلة من المراسلات الدبلوماسية الأمريكية الداخلية خلال عدة سنوات صورة صارخة للتحديات التي تواجهها واشنطن في سبيل إقناعها الحلفاء الرئيسيين بضرورة قطع سبل تمويل الإرهاب والتي يعتقد أن معظمه يأتي من التبرعات الشخصية داخل تلك الدول.
ولكن هذه البرقيات الدبلوماسية التي حصل عليها وكشف عنها موقع ويكيليكس توضح التوازن الدقيق الذي تحافظ عليه هذه الدول الخليجية في قمع المتعاطفين مع التطرف في ذات الوقت الذي لا تعارض فيه أداء الصدقات وتصوير أنفسها كما لو كانت أذنابا للولايات المتحدة أمام جماهير تتزايد شكوكها.وقالت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون في برقية تحمل تاريخ ديسمبر/كانون أول 2009 "رغم أن المملكة العربية السعودية تتعامل مع تهديد الإرهاب بجدية داخل السعودية فإن ثمة تحديا متواصلا يتمثل في إقناع المسؤولين السعوديين بالتعامل مع تمويل الإرهاب النابع من السعودية كأولوية إستراتيجية".وقالت البرقية إنه رغم أن المملكة بدأت في "تحقيق تقدم مهم في هذا الصدد... فإن مانحين في السعودية يمثلون المصدر الأهم لتمويل الجماعات الإرهابية السنية حول العالم".وتعرضت السعودية، موطن أغلب منفذي هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، لانتقادات لاذعة من قبل الولايات المتحدة بسبب بطء استجابتها لملاحقة تمويل الإرهاب. كما واجهت السعودية انتقادات أيضا لترددها في مواجهة الخطاب النارية التي يطلقها عدد من علماء الدين المتشددين، الذين ينظر إليهم باعتبارهم يغذون التشدد بشكل مباشر أو غير مباشر.ومعظم هذه الانتقادات والملاحظات الواردة في الوثائق الأمريكية أثارت من جديد، وإن كانت بصورة أكثر صراحة، المخاوف الأمريكية المذكورة سابقا.وفي يوليو/تموز عام 2009، قال الممثل الخاص للرئيس الأمريكي باراك أوباما في أفغانستان وباكستان، ريتشارد هولبروك، إن طالبان تحصل على مزيد من التمويل من الجهات المانحة الثرية في الخليج أكثر من تجارة المخدرات التي كانت أفغانستان تشتهر بها لفترة طويلة.وبالمثل، اشتكى مسؤولون من التبرعات المباشرة من جانب الأفراد الأثرياء، لا سيما أثناء الشهور التي تكثر فيها الأعمال الخيرية مثل رمضان، أو في موسم الحج. وما قاد إلى تفاقم هذه القضية هو الصعوبة والتردد في مراقبة الجميعات الخيرية، ناهيك عن الشبكات غير الرسمية لتحويل الأموال الوفيرة والتي تسمى الحوالات.وبرغم هذه المخاوف، ظهرت المملكة العربية السعودية في البرقيات المسربة باعتبارها أكثر دول الخليج التزاما بالتعاون مع الولايات المتحدة لوقف تمويل الإرهاب.وأفادت مذكرة في شهر فبراير/شباط من السفارة الأمريكية في الرياض أن المملكة العربية السعودية "أحرزت تقدما مهما في مكافحة تمويل القاعدة النابع من داخل البلاد." وقالت إن التقارير "تشير إلى أن قدرة القاعدة على جمع الأموال تدهورت بصورة كبيرة، وأنها الآن في أضعف حالاتها" منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول. وعلى الرغم من ذلك، قالت البرقية إن وزارة الداخلية السعودية "لا تزال معتمدة اعتمادا كليا تقريبا على وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية." ونتيجة ذلك، قالت البرقية إن "نجاحنا في مكافحة تمويل الإرهابيين في المملكة لا يزال مرتبطا ارتباطا مباشرا بقدرتنا على تقديم معلومات استخباراتية مهمة لنظرائنا السعوديين".وتحصل دول الخليج الأخرى على مراجعات أشد قسوة، وهي استنتاجات تم التوصل إليها في البرقيات وتحمل لهجة مختلفة إلى حد كبير عن اللهجة التي تبنتها واشنطن للاستهلاك العام عند التعامل مع بعض أقرب حلفائها في المنطقة.وفي برقية كلينتون، ينظر إلى الكويت باعتبارها على استعداد للقيام بتحرك ضد شبكات تهدد البلاد، لكنها "أقل ميلا تجاه القيام بتحرك ضد الممولين والمنسقين القائمين في الكويت والذين يخططون لهجمات خارج الكويت."ونتيجة لذلك، يوصف هذا البلد على أنه "نقطة عبور رئيسية" تفتقر إلى الإطار النظامي اللازم لمراقبة مثل هذه الأنشطة، وحكومة تعاني من النزاعات السياسية الداخلية.وفي الوقت الذي كتبت فيه هذه البرقية، كانت الكويت لا تزال تتصارع مع تداعيات الأزمة المالية العالمية. ولم يكن من المرجح أن الحكومة، في خضم هذه الأزمة المالية، كانت مستعدة لفتح معارك مع برلمان جريء بالفعل.وتم الاتصال بالإمارات العربية المتحدة لتتعامل مع نفس العوامل التي جعلتها شهيرة. وقالت إحدى البرقيات إن دور دولة الإمارات، المؤلفة من سبع إمارات، "باعتبارها مركز مالي عالمي متنام، بالإضافة إلى الرقابة التنظيمية الضعيفة، جعلها معرضة للاستغلال من جانب ممولي الإرهاب وشبكات التنسيق."وطالما اعتبر مسؤولون أمريكيون الإمارات أيضا مرتعا لمسؤولين أفغان فاسدين يتطلعون إلى إخفاء أموالهم في مصارفها.كما ينظر إلى قطر، تلك الدولة الصغيرة الغنية بالغاز الطبيعي، باعتبارها "مترددة في الانقضاض على الإرهابيين المعروفين من منطلق خشية الظهور بأنها حليفة للولايات المتحدة وتثير ضدها أعمالا انتقامية".غير أن الوثائق، التي انتقدت الولايات المتحدة وعدد كبير من الدول الأخرى نشرها، تعرض توضيحا بسيطا للأسباب التي جعلت حكومات هذه الدولة تتردد في التعاون مع مستوى الحماسة التي كانت الولايات المتحدة تود أن تراها منهم.وأشارت البرقية إلى أن موسم الحج الإسلامي السنوي في المملكة العربية السعودية، أو شهر رمضان الكريم، تمثل أوقات خصبة لجمع الأموال في حين تفتقر الأعمال الخيرية لجهات تنظيمية ورقابية.ومن المرجح أن حكومات دول الخليج، التي ينظر إليها تنظيم القاعدة وغيرها من الجماعات المتشددة بالفعل إلى أنها خدم للأمريكيين، لا ترغب في أن ينظر إليها باعتبار أنها تتدخل في الفروض الدينية الإسلامية الخاصة بمنح الصدقات للمحتاجين. والحجة الظاهرية في ذلك هي أن الأشخاص ربما لا يعلمون دائما بأنهم يقدمون تمويلات لجماعة تمثل وجهة لحركة متشددة.