أميركا... مدت يد الحوار سابقاً وتستعد اليوم للدور القيادي

نشر في 05-10-2010 | 00:01
آخر تحديث 05-10-2010 | 00:01
تحولت الإدارة الأميركية من الفكرة المبهمة حول توفير "الطمأنة الاستراتيجية" للصين إلى السياسة الملموسة التي تقضي بطمأنة الحلفاء والشركاء الذين ستدافع عنهم الولايات المتحدة ضد الضغط العسكري الصيني المتعاظم.
 Robert Kagan ها نحن نشهد تحولاً ملحوظاً في سياسة الإدارة الأميركية الخارجية بعد مرور عامين تقريباً على تولي أوباما الرئاسة.

فإن كانت المرحلة الأولى تتمحور حول تحسين صورة الولايات المتحدة في أنحاء العالم عبر إظهار الوجه البشوش للجميع، لاسيما الخصوم، فإننا سنرى الولايات المتحدة تجدد فرض نفوذها في المرحلة الثانية، حتى إن كان ذلك يعني تحدي البعض وتخييب ظن البعض الآخر. إن كانت المرحلة الأولى تتعلق بـ«إعادة ضبط» العلاقات مع القوى العظمى، لاسيما روسيا والصين، فستركّز المرحلة الثانية على اكتشاف حدود عملية إعادة الضبط هذه والتعامل بحزم أكبر مع الخلافات التي تنشب بيننا. إن كانت المرحلة الأولى تشدد على التعاون بين القوى العظمى وعلى مفهوم «عالم مجموعة العشرين» الغامض، فستتمحور المرحلة الثانية حول تحالفات أميركية جوهرية مع دول ديمقراطية. إن كانت المرحلة الأولى تشدد على عدم التشبه ببوش، فسيتمثل الهدف في المرحلة الثانية في التحرر من ذلك القيد المفروض ذاتياً والسعي وراء المصالح والمبادئ الأميركية التقليدية حتى تلك التي سعى وراءها جورج بوش.

كل ذلك بلا شك مجرد تكهنات، إنما الأدلة على هذا التحول كثيرة.     

- عودة الحلفاء: على ضوء المقارنة بين الخطاب الأخير لوزيرة الخارجية الأميركية، هيلاري كلينتون، أمام مجلس العلاقات الخارجية وذلك الذي أدلت به الصيف الماضي، بدا خطابها في عام 2009 أشبه بحلم أستاذة في العلاقات الدولية، إذ تحدثت عن استخدام «القوة الذكية» لحل «المشاكل التي تتطلب تحركاً جماعياً» في «عالم متعدد الشركاء». وبينما شددت على أهمية العلاقات مع روسيا، والصين، والبرازيل، وغيرها من «القوى الناشئة»، مرت مرور الكرام على الحلفاء الديمقراطيين القدامى في فقرة واحدة لا روح فيها. لكن هذا العام، تخلت عن لهجتها كأستاذة في العلاقات الدولية، وتقصدت الحديث عن روسيا والصين دون غيرهما لكونهما «دولتين متسلطتين» كما بسبب قلة تعاونهما. في المقابل، خصصت كلينتون عشر فقرات للثناء على العلاقات الجيدة مع «أقرب حلفائنا، الدول التي تشاطرنا أهم القيم والمصالح» في أوروبا، وأميركا الشمالية، وآسيا.

ذلك ليس مجرد خطاب. ففي شرق آسيا، تحولت الإدارة الأميركية من الفكرة المبهمة حول توفير «الطمأنة الاستراتيجية» للصين إلى السياسة الملموسة التي تقضي بطمأنة الحلفاء والشركاء الذين ستدافع عنهم الولايات المتحدة ضد الضغط العسكري الصيني المتعاظم. تلا البيانات الشديدة اللهجة التي أطلقتها كلينتون في هانوي في يوليو ضد سعي الصين إلى السيطرة على بحر الصين الجنوبي اجتماع عقده الرئيس أوباما الأسبوع الماضي مع قادة جنوب شرق آسيا، فتحسنت العلاقات مع الهند التي عانت في المرحلة الأولى مع استعداد أوباما لزيارة نيودلهي. كذلك توطدت العلاقات مع اليابان وكوريا الجنوبية. صحيح أن عدائية بكين الأخيرة دفعت بجيرانها القلقين إلى أحضان الولايات المتحدة، لكن كلينتون ومساعدها، كورت كامبل، أحسنا لعب أوراقهما. بنتيجة الأمر، باتت مكانة الولايات المتحدة في شرق آسيا أفضل مما كانت عليه خلال سنوات بوش الأخيرة.

أما في أوروبا، فبدأت كلينتون تظهر اهتماماً أكبر بتلك الأمم التي تخشى النوايا الروسية، فانتقدت إلى جانب الرئيس «الاحتلال» الروسي لجورجيا، وقامت في يوليو بزيارة إلى جورجيا وبولندا كجزء مما قد يُسمّى إعادة ضبط عملية إعادة ضبط العلاقات.

- عودة الديمقراطية: من كان سيصدق، منذ عام، أن يخصص أوباما ثلث خطابه تقريباً في الأمم المتحدة للحديث عن الديمقراطية أو استخدام مفردات مثل «حرية» و«طغيان»؟ على ما يبدو، تُعزى سمعة بوش السيئة إلى كثرة استخدامه كلمة ديمقراطية. لكن كلينتون أيضاً جعلت من الديمقراطية هدفاً رئيساً. فانتقدت، في كراكوف في يوليو، الدول الاستبدادية التي تسحق «ببطء المجتمع المدني والروح البشرية»، منتقيةً الصين، وروسيا، ومصر دون غيرها. يشير النقاد من جهتهم إلى أن خطابات الإدارة حتى الساعة تتخطى بكثير أفعالها، لكن ذلك قد ينطبق أيضاً على إدارتي رونالد ريغان وجورج بوش الابن. لكن على حد اعتقادي، سيُقابَل هذا الخطاب الجديد بسياسات صارمة في الوقت المناسب.     

- عودة الولايات المتحدة: منذ عام، تركز الحديث حول عالم ما بعد الولايات المتحدة. فبدا أوباما رئيس هذا العالم العازم على بذل كل ما استطاع من جهد لمواجهة الظروف السيئة المحيطة به. لكن المسؤولين اليوم يبدون حساً أكبر بالتفاؤل. في هذا الإطار، تتحدث كلينتون عن «لحظة جديدة للولايات المتحدة»، وتعتقد، بأسلوب لغوي كان سيُعتبر على الأرجح متعجرفاً منذ سنة، أن «العالم يعتمد علينا لقيادته». أشارت بذكاء إلى أن سمة المرحلة الأولى، أي التحاور، لم تعد كافية، إذ لا يتطلع العالم إلى الولايات المتحدة «لمد يد الحوار فحسب، إنما للقيادة أيضاً».

لمَ هذا التحول؟ يشكل جزئياً تكريماً لمساعي أوباما الناجحة لتغيير صورة الولايات المتحدة، إذ بات من الأسهل التفكير بأن الولايات المتحدة تستعيد دورها القيادي اليوم مما كان عليه الأمر عند نهاية ولاية بوش. يمثل أيضاً جزئياً رداً على الوقائع العالمية. بدا موقف إيران متصلباً تجاه سياسة الحوار، وأثبتت الصين أنها القوة العسكرية الناشئة النموذجية التي تستعرض عضلاتها أكثر منه «المساهمة المسؤولة»، ويشعر حتى مسؤولو أوباما بأن «إعادة ضبط» العلاقات مع روسيا بلغت ذروتها مع معاهدة «ستارت» للحد من الأسلحة النووية والجولة الأخيرة من العقوبات على إيران، وأنها آيلة إلى الانهيار. يُعزى التحول جزئياً أيضاً إلى أن الولايات المتحدة ليس أمة من «الواقعيين»، والقناعات الراسخة بشأن تفوق الديمقراطية على غيرها من الأشكال الحكومية ترسم دوماً سياستها الخارجية.

في مثل هذه الظروف، يبدو الحلفاء الديمقراطيون القدامى في آسيا وأوروبا أساساً أفضل لتبني الولايات المتحدة سياستها عليها؛ والديمقراطية حلاً أفضل لكثير من مشاكل العالم من الاستبداد؛ والقيادة الأميركية خياراً أفضل من التحالف مع قوى عظمى استبدادية. استعدوا إذن للمرحلة الثانية.

* أستاذ بارز في «مؤسسة بروكينغز» ومحرر شهري في صحيفة «واشنطن بوست».

back to top