إيران تقوم بما يحلو لها في العراق

نشر في 10-11-2010 | 00:01
آخر تحديث 10-11-2010 | 00:01
منذ عام 2004، انتقل الصراع السياسي بين الولايات المتحدة وإيران للتأثير في مجرى الأحداث في العراق إلى ساحة المعركة، فقدم الإيرانيون الأسلحة والتدريب والملجأ لعدد من الميليشيات العراقية التي عملت أحياناً كتابع لإيران، وفق ما ورد في وثائق "ويكيليكس" السرية.
 Mohamad Bazzi  في الخامس عشر من يوليو، قدم مسؤولون عسكريون أميركيون لوزير الداخلية العراقي مفتاحاً كبيراً ذهبي اللون كإشارة إلى انتقال معسكر كروبر، آخر سجن في العراق خاضع للسلطة الأميركية، إلى العراقيين، وذكر مسؤول عراقي خلال هذا الاحتفال: «سنحظى من اليوم فصاعداً بشيء من حكم القانون».

ولكن ما هي إلا خمسة أيام حتى فر أربعة مساجين يُعتبرون من قادة إحدى أعنف المجموعات المتمردة العراقية، ويشك المسؤولون العراقيون في أن يكون آمر السجن الجديد قد نقل المعتقلين (الذين ينتمون إلى «دولة العراق الإسلامية»، أحد فروع «القاعدة») بالسيارة إلى خارج معسكر كروبر. لا شك أن هرب هؤلاء المساجين المشين أحرج المسؤولين العراقيين والأميركيين على حد سواء، كذلك، أظهر أن الشلل السياسي في العراق يفاقم الفراغ الأمني الخطير، فبسبب رغبة المسؤولين العسكريين الأميركيين في الالتزام بالموعد المحدد لسحب القوات المقاتلة الأميركية من العراق (31 أغسطس)، سارعوا إلى تسليم المؤسسات إلى النظام العراقي، مع أنه مازال يعاني الفوضى.

رغم مرور نحو ثمانية أشهر على الانتخابات البرلمانية التي عُقدت في السابع من مارس، لايزال القادة العراقيون عاجزين عن اختيار مَن سيقود البلاد، فرئيس الوزراء نوري المالكي وخصمه الأبرز، إياد علاوي، رئيس الوزراء السابق الذي فاز ائتلافه في الانتخابات بفارق مقعدين، يصران على أن لهما الحق في تشكيل الحكومة التالية. وفيما راحت المجتمعات العراقية السنّية والشيعية والكردية تتجادل بشأن تشاطر السلطة وثروة البلد النفطية، عاد العنف ليضرب بقوة. فقبل أيام، أدت سلسلة من الانفجارات، التي تركزت في المناطق الشيعية من بغداد، إلى مقتل ما لا يقل عن 64 شخصاً وجرح مئات آخرين. فشكل ذلك دليلاً إضافياً على أن المجاهدين الموالين لـ»القاعدة» يحاولون استغلال حالة الشلل الراهنة بغية زعزعة استقرار العراق.

تريد الولايات المتحدة إنهاء حالة الجمود هذه بسرعة لكي يبدأ العراقيون بإعادة بناء مؤسسات الدولة، ويتمكن أوباما من الوفاء بوعده بسحب الخمسين ألف جندي المتبقين بحلول العام المقبل. غير أن بعض جيران العراق، خصوصاً إيران، لا يريدون ظهور دولة مركزية قوية في بغداد، فإذا لم ينجح النظام الإيراني في السيطرة بالكامل على العراق، يرغب عندئذٍ في تشكُّل حكومة عراقية ضعيفة ومجزأة. تعمل إيران راهناً لتضمن ألا يتحول العراق مجدداً إلى خطر يهددها، كما حدث حين غزا صدام حسين إيران عام 1980.

سلط تسريب موقع «ويكيليكس» نحو 400 ألف تقرير عسكري ميداني أميركي سري ضوءاً جديداً على الدمار والأذى الذي ألحقه الغزو الأميركي بالعراق، وتجلت هذه الحقائق للعراقيين وللمنطقة برمتها، فقد شددت هذه الوثائق على أن الصراع العراقي أطلق موجة جديدة من الكره الطائفي وأحدث خللاً في التوازن الاستراتيجي في منطقة الخليج العربي، مما ساعد إيران على البروز كقوة إقليمية مهيمنة.

منذ عام 2004، انتقل الصراع السياسي بين الولايات المتحدة وإيران للتأثير في مجرى الأحداث في العراق إلى ساحة المعركة، فقدم الإيرانيون الأسلحة والتدريب والملجأ لعدد من الميليشيات العراقية التي عملت أحياناً كتابع لإيران، وفق ما ورد في وثائق «ويكيليكس» السرية.

علاوة على ذلك، كان للنظام الإيراني اليد الطولى في المناورة السياسية الأخيرة، فقد نجحت إيران في توحيد اثنين من أقرب حلفائها الشيعة، المالكي والسيد مقتدى الصدر. ففي الأول من أكتوبر، التاريخ الذي كسر فيه العراق الرقم القياسي العالمي لأطول فترة ممتدة بين انتخابات برلمانية وتشكيل حكومة (207 أيام)، دعمت كتلة الصدر أخيراً المالكي في نضاله للبقاء في السلطة. صحيح أن المالكي لم يحظَ بعد بأغلبية الثلاثمئة والخمسة والعشرين مقعداً في البرلمان، غير أن دعم الصدر له سيقوي على الأرجح موقفه للتوصل إلى صفقة مع الفصائل الأخرى، خصوصاً الأكراد.

لكن بروز الصدر السياسي يهدد بتأجيج التوتر الطائفي، فقد نفذ أتباعه بعض أسوأ الفظائع التي ارتُكبت ضد السنّة خلال الحرب الأهلية الأخيرة في العراق، وأطلقت ميليشيا الصدر، جيش المهدي، فرق قتل اغتالت السنّة وهجرتهم من الأحياء الشيعية. ويُعتبر جيش المهدي إحدى الميليشيات الشيعية العراقية العديدة التي تلقت تدريباً مكثفاً وأسلحة من إيران، حسبما يُذكر في الوثائق الأميركية المتوافرة في أرشيف «ويكيليكس». وتشمل هذه الأسلحة صواريخ وقنابل مغناطيسية وبنادق رشاشة متطورة، فضلاً عن صواريخ أرض جو استُخدمت لمهاجمة الطائرات المروحية الأميركية.

بالانضمام إلى هذا التحالف الشيعي، حاول المالكي التغلب على خصمه علاوي، الذي حظي ائتلافه العلماني بدعم قوي من الأغلبية السنّية في العراق، لكن هذه المناورات السرية تهدد بأن تشعل مجدداً الحرب الطائفية التي مزّقت العراق. كذلك، تفضّل واشنطن وحلفاؤها العرب أن يتولى علاوي قيادة العراق، في حين تريد إيران أن يبقى المالكي أو أي من حلفائها الشيعة في السلطة.

في هذه الأثناء، تطول لائحة المشاكل التي تواجه الحكومة الجديدة، فيشعر العراقيون بالاستياء لأن البلد مازال يفتقر إلى خدمات كهربائية ملائمة، رغم مرور سبع سنوات على الغزو العراقي واستثمار 5 مليارات دولار في هذا القطاع. حتى أن بعض البلدات والمدن العراقية لا ينعم بالتيار الكهربائي إلا أربع إلى ست ساعات يومياً. ومع تخطي الحرارة الثماني والأربعين درجة مئوية في شهر يونيو، حطم العراقيون مكاتب الحكومة في البصرة وعدداً من المدن الجنوبية.

أخفق القادة العراقيون حتى اليوم في ابتكار خطة تحمي وتؤمن الوظائف لعشرات آلاف المقاتلين السنّة السابقين، الذين استُميلوا بعيداً عن حركة التمرد. لذلك، يزداد استياء هؤلاء من الحكومة، التي يرأسها الشيعة، ويشعر كثيرون منهم أن الجيش الأميركي خانهم. بالإضافة إلى ذلك، فشل البرلمان في الاتفاق على قوانين جديدة لتقاسم عائدات النفط والتفاوض بشأن العقود مع شركات النفط الأجنبية.

رغم المخاطر الكبيرة التي تهدد العراق، يبدو السياسيون العراقيون عاجزين عن وضع خلافاتهم الإثنية والطائفية جانباً ليحكموا بفاعلية. نتيجة لذلك، تنامت اليوم المخاوف من أن يتطلب الجمود الراهن في مسألة اختيار رئيس الوزراء وتشكيل الحكومة تدخلاً دولياً، صفقة أدت فيها واشنطن والأمم المتحدة دور الوسيط.

غير أن المسؤولين الأميركيين لا يتمتعون راهناً بتأثير كبير في المجموعات العراقية، التي باتت اليوم أكثر انهماكاً في تقديم الخدمات للقوى الإقليمية، خصوصاً إيران. ففيما عمل النظام الإيراني على قمع التمرد الداخلي الذي نشأ السنة الماضية بسبب إعادة انتخاب الرئيس محمود أحمدي نجاد المثيرة للجدل، عمل على الحفاظ على تأثيره في الفصائل الشيعية العراقية. وبعدما تخطى هذا النظام تحدي «الثورة الخضراء»، صارت مغامراته في الخارج أكثر قوة وجرأة.

منذ انتخابات السابع من مارس، أضحت الولايات المتحدة مهمشة في الخطط والمؤامرات السياسية في العراق. فبما أن الجنود الأميركيين المتبقين سينسحبون بحلول عام 2011، لا تتحلى إدارة أوباما بنفوذ يُذكر كي تتمكن من إرغام القادة العراقيين على التوصل إلى تسوية، ولا شك أن إيران تنتظر بصبر تحقيق مآربها.

* بروفيسور متخصص في الصحافة في جامعة نيويورك وأحد الباحثين البارزين في مجال دراسات الشرق الأوسط في مجلس العلاقات الخارجية الأميركي.

back to top