جيش الإمام لأحمد شوك... يثير قلق السلطات التركيّة

نشر في 15-04-2011 | 00:00
آخر تحديث 15-04-2011 | 00:00
يُعتبر فتح الله غولن، وهو داعية ومفكّر إسلامي، أحد أقوى الرجال في تركيا، مع أنه يعيش في المنفى في الولايات المتحدة. يُظهر اعتقال الصحافي التركي البارز، أحمد شوك، أخيراً ما قد يحدث لمَن يعارضوا حركة غولن. فكان شوك يستعد لنشر كتاب يدّعي فيه أن أنصار غولن قد نجحوا في اختراق صفوف الشرطة.

{شبيغل} تناولت القضية.

يبدو فكرت إلكيز رجلاً أنيقاً بشعره الرمادي وملامح وجهه الدقيقة وبذلته الباهظة الثمن. يتحدّث هذا المحامي باقتضاب إنما بدقة نافذة معبّرة.

يمثّل إلكيز أحد أشهر المعتقلين في تركيا، الصحافي والكاتب المخضرم أحمد شوك. ألقي القبض على شوك وزميله نديم شينار في 3 مارس (آذار) الفائت. وفيما يعمل شوك في الصحيفة اليسارية الليبرالية Radikal، يكتب شينار في Milliyet، صحيفة تتوجه تقليدياً إلى المفكرين والمثقفين الأتراك. وصار هذان الصحافيان ذائعَي الصيت بفضل كتبهما، وتحوّلا من خلال كتاباتهما إلى رمز للصحافة الاستقصائية في تركيا وفازا بجوائز كثيرة في الوطن والخارج. لذلك، كان وقع الصدمة كبيراً في تركيا حين اعتُقلا من منزليهما فجر 3 مارس. ففتّش رجال الشرطة مسكنيهما وصادروا أجهزة كمبيوتر، أقراصاً مدمجة، وكامل أرشيفيهما.

اتهامات سخيفة

سرعان ما تحوّلت هذه الصدمة إلى غضب، حين أُعلن عن التهم الموجهة ضد هذين الصحافيين. فقد اتُّهما بأنهما عضوان في منظمة {إرجينيكون} القومية المتشدّدة. ويُقال إن هذه المنظمة المزعومة، التي تضم أعضاء من الجيش وبعض أنصار فكر مصطفى كمال أتاتورك المتطرّفين، حاولت الإطاحة بحكومة رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان الإسلامية المحافظة منذ العام 2003، مستخدمة الإرهاب والترويج لمعلومات خاطئة.

ذكر إلكيز في اجتماع ضمّ بعض أصدقاء شوك وشينار، فضلاً عن عدد من الصحافيين: {يدرك الجميع أن التهم الموجهة ضد الصحافيين سخيفة. فعملهما يعبّر عن هويتهما}. وقد أصاب بقوله هذا. إذ كان شوك أحد محرري المجلة الأسبوعية Nokta، التي كانت السباقة عام 2007 إلى نشر تقرير مفصّل عن خطط الجيش لتنفيذ انقلاب. في هذا التقرير، نشرت المجلة مقتطفات من يوميات سرية لأميرال رفيع الشأن شملت معلومات عن خطط الانقلاب. وباتت هذه اليوميات تشكّل راهناً جزءاً من أدلة الإثبات في قضية إرجينيكون. وها أحد الصحافيين الذين نشروها متّهم اليوم بأنه عضو في هذه الشبكة.

صحيح أن التّهم الموجّهة ضد شوك وشينار سخيفة، لكنها تشكّل نقطة تحوّل في ما يُدعى {عملية نشر الديمقراطية} التي تنفّذها حكومة {حزب العدالة والتنمية} برئاسة أردوغان، علماً أن هذا الحزب أمسك بزمام السلطة منذ عام 2002. اتسمت السنوات الأولى من عهد هذه الحكومة، التي نجحت آنذاك في تقريب تركيا من الاتحاد الأوروبي، بمواجهات مستمرة مع الجيش، بعد أن كان هذا الأخير يتمتّع بسلطة كبيرة.

خلال تلك الفترة، وقف صحافيون، مثل شوك وشينار، إلى جانب {حزب العدالة والتنمية}. فكتبوا التقارير عن انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبها الجيش ووكالات الاستخبارات في البلد. ولكن بعد الحدّ من سلطة الجيش بفضل جهود القوات الديمقراطية وترسيخ حزب العدالة والتنمية قدميه في مؤسسات الدولة، تحوّلت الصحافة الاستقصائية إلى مصدر إزعاج للحزب الحاكم. حتى أن الصحافيين باتوا يُعتبرون خطراً، خصوصاً راهناً لأن البلد سيشهد بعد شهرين انتخابات برلمانية مفصليّة.

مواد متفجّرة

صحيح أن بعض أجزاء قطاع الصحافة التركي تحوّل إلى مجرد دمية في يدّ الحكومة، لكن صحافيين، مثل شوك وشينار، بقوا مخلصين لقضيّتهم. ومع أن المدّعي الخاص، الذي يتولى التحقيق في قضية إرجينيكون منذ عام 2007، شدّد على أن هذين الكاتبين لم يُعتقلا بسبب عملهما الصحافي، نُشرت في الآونة الأخيرة سجلات تحقيق تُظهر العكس.

عندما أوقف شوك، كان قد شارف على إنهاء كتاب جديد يُفترض أن يُنشر في شهر مايو (أيار). يحمل هذا الكتاب عنوان {جيش الإمام} (Imamin Ordusu) ويحتوي على معلومات خطيرة. فيصف بالتفصيل كيف نجح أتباع الداعية الإسلامي فتح الله غولن في اختراق، حسبما يُفترض، صفوف الشرطة التركية منذ منتصف ثمانينات القرن الماضي. ويشكّل أتباع غولن راهناً الجماعة الإسلامية الأوسع نفوذاً في تركيا. تشتهر حركة غولن خارج تركيا بسبب المدارس التي أنشأتها حتى في ألمانيا. يعيش فتح الله غولن في المنفى في الولايات المتحدة منذ محاكمته في تسعينيات القرن الماضي. ويسعى غولن خلال المقابلات التي تُجرى معه إلى الظهور بمظهر الداعية الإسلامي المسنّ الحكيم والمتسامح.

يوضح فكرت إلكيز أن شوك اكتشف أن 80% من رجال الشرطة التركية ينتمون إلى حركة غولن. ولكن هل نسبتهم حقاً عالية إلى هذا الحد؟ لا يشكّل هذا السؤال المشكلة الرئيسة. فالمشكلة الحقيقية تتمحور حول واقع أن كل مَن يتجرأ على انتقاد هذه الحركة بات اليوم معرضاً للخطر في تركيا.

يُعتبر حنفي أفشي آخر مَن وضع كتاباً انتقد حركة غولن. كان هذا المسؤول البارز السابق في الشرطة أحد داعمي حركة غولن. في الخريف الماضي، نشر كتاباً مميزاً يحتوي على معلومات مهمّة عن تعامله مع هذه المنظمة. باع هذا الكتاب نحو مليون نسخة حتى اليوم. غير أن أفشي لم يستطع التنعّم بنجاحه لأنه يقبع في السجن منذ شهر نوفمبر، بعد أن اتُّهم بدعم منظمة إرهابية يسارية متشدّدة.

يبدو أن شينار تحوّل أيضاً إلى مصدر إزعاج لحركة غولن. إذ يتناول كتابه الأخير الكذبة المزعومة التي روتها الأجهزة الأمنية التركية عن خلفية قاتل الصحافي الأرمني البارز هرانت دينك عام 2007. فاتّهم شينار عناصر في الجيش، فضلاً عن عدد من كبار المسؤولين في سلك الشرطة يتعاطفون مع حركة غولن، بالتورّط في هذه الجريمة.

نُشر على الإنترنت

سلّطت الأسابيع التي تلت عملية التوقيف مدى القلق الذي أثاره كتاب {جيش الإمام} داخل حركة غولن وحكومة حزب العدالة والتنمية. إذ ادّعى المدعي العام وقضاة التحقيق أن الكتاب أُعدّ بتفويض من شبكة إرجينيكون بغية نشر الاضطرابات في الفترة التي تسبق الانتخابات. واعتبروا أن امتلاك نسخة من هذا الكتاب غير المنشورة جريمة يُعاقب عليها القانون. لذلك، يعمل مئات رجال الشرطة راهناً على التفتيش على أي نسخ منه.

نتيجة لذلك، قُلبت مكاتب المحامي فكرت إلكيز رأساً على عقب. وفُتّشت دار نشر أحمد شوك، فضلاً عن مكاتب طاقم التحرير في صحيفة Radikal، حيث يعمل شوك.على رغم ذلك، عجزت السلطات عن منع نشر كتاب {جيش الإمام} بكامله على شبكة الإنترنت. وبنهاية اليوم الأول لصدوره، كان قد نُزّل أكثر من 100 ألف مرة. وفي اليوم التالي، عُقدت جلسة عامة لمناقشته في ساحة تقسيم وسط اسطنبول حضرها مئات من داعمي هذا الصحافي.

كان ردّ الفعل تجاه هذا الكتاب عارماً إلى حدّ أن المدعين العامين اضطروا إلى الإعلان أنهم (في البداية على الأقل) لن يُلاحقوا مَن أنزلوا الكتاب عبر الإنترنت. والأهم من ذلك إعادة تعيين المدّعي الخاص الرئيس في هذه القضية، ذكريا أوز، في منصب آخر، بعدما أمضى في هذا المنصب نحو أربع سنوات.

ما انعكاس ذلك على التحقيقات؟ يوضح محامي شوك، خيرت إلكيز، أن تغيير الموظفين دليل على انهيار الجهاز القضائي التركي.

back to top