أم كلثوم... السيرة والأغاني - السيرة الفنية (الحلقة الخامسة والعشرون) تدخلَت في ألحان محمد الموجي وفي للصبر حدود لم يُسْمِعْها اللحن إلا بعد أن اكتمل كي لا تغيره بدأت علاقتهما عام 1954 في نشيد الجلاء وانتهت عام 1970 في اسأل روحك
لقد كان ذلك التحول الدرامي في حياة أم كلثوم وفريق ملحنيها الأساسيين، أشبه بالصخرة التي انزاحت من أمام الشلال الموسيقي الهادر المسمى رياض السنباطي. فانطلق يزود حنجرة أم كلثوم، التي كانت قد دخلت ذروة عصرها الذهبي في حلاوة الصوت وتهذيبه وليونته، وعظمة الأداء والتوازن الكامل فيه بين مساحة الجوابات العالية والقرارات المنخفضة، بسلسلة من القصائد الدينية والوطنية، وسلسلة أخرى من المونولوجات العاطفية المطولة، وكلها ملحنة خصيصا لحفلات أم كلثوم الحية والمذاعة مباشرة على الهواء.لقد تحولت هاتان السلسلتان إلى كنزين آخرين أهدتهما المؤسسة الكلثومية إلى خزانة الموسيقى العربية الكلاسيكية المعاصرة، إضافة إلى كنوز قصائد أبو العلا محمد، ومونولوجات القصبجي، وطقاطيق وأدوار زكريا أحمد القصيرة، ومونولوجات زكريا أحمد وطقاطيقه المطولة.
فإذا توقفنا أولا عند سلسلة القصائد السنباطية، فان من الضرورة بمكان تثبيت الملاحظة العامة التي تؤكد أن مراجعة موضوعية لما أنتجته الموسيقى العربية في فن القصيدة الغنائية في القرن العشرين، تتيح لنا أن نكتشف أنه بعد الجهد التأسيسي الرائد لأبي العلا محمد في هذا الفن بالذات (القصيدة الغنائية ) فقد عرف هذا الفن في القرن العشرين سلسلة من المجتهدين والمبدعين في مجاله، لكن زعامة هؤلاء معقودة اللواء بلا شك لفارسين من فرسان العطاء الأغزر والأرقى والأعمق والأكثر تجددا في هذا الفن، هما محمد عبد الوهاب ورياض السنباطي. وليس هذا مجرد تعبير عن تقدير شخصي لهذين الفنانين، بل أنه النتيجة الموضوعية التي يخرج بها أي دارس ممحص في رصيد ما أنتجه العرب في هذا الفن على مدى القرن العشرين بكامله.فإذا انعطفنا إلى تحليل ما أنجزه السنباطي بالذات في هذا المجال، انطلاقا من هذه الملاحظة الموضوعية العامة، فإننا نلاحظ أنه عندما بدأ السنباطي محاولته الكبيرة الأولى في فن القصيدة الغنائية (سلوا كؤوس الطلا، 1937)، كان عبد الوهاب قد قطع شوطا طويلا في هذا المجال، انطلاقا من مدرسة أبو العلا محمد، ثم تطويرا لها، وصل إلى ذروته الأولى مع قصيدة “أعجبت بي” التي أوجدت قواعد الكلاسيكية الجديدة في فن القصيدة الغنائية العربية، تم تطور الأمر بعد ذلك، على يدي عبد الوهاب، بقصائد قصيرة متطورة من نوع “الصبا والجمال” وصولا إلى روائعه المطولة فيما يمكن تسميته القصيدة- المونولوج، مثل الجندول والكرنك وكليوبترة.فإذا انتقلنا بعد هذه المقدمة القصيرة الضرورية، إلى تحليل ما أنجزه السنباطي في هذا المجال، فان أول ما يلفت النظر هو أنه كان من الصعب، بعد كل ما أنجزه عبد الوهاب في هذا المجال، باتجاه خاص به مبني على خصوصيات شخصيته الفنية، الضارية أعماقها في جذور التراث العربي (الديني والدنيوي) والمفتوحة الآفاق على مؤثرات الموسيقى الأوروبية الكلاسيكية الرفيعة، نقول أنه كان من الصعب، بعد كل ذلك، أن يأتي أي مشتغل جديد بفن القصيدة الغنائية العربية، ويقاوم مغريات التأثر بكل ما أنجزه عبد الوهاب في هذا المجال. ولكن هذا “الصعب” هو بالضبط ما حققه وأنجزه رياض السنباطي (مع كل إعجابه السابق واللاحق، الذي لا حدود له بفن عبد الوهاب موسيقيا وغنائيا).وإذا كان لنا أن نحاول تحديد جذور هذه الاستقلالية التي مارسها السنباطي بكل راحة وبكل اقتدار، فلعلنا نستنتج سببين رئيسيين أولهما بلا شك أن السنباطي (كما ثبت فيما بعد) هو عبقري موسيقي من الحجم التاريخي، وأنه مع الاستفادة المؤكدة من كل ما أنجزه من سبقوه زمنيا في تطوير فن القصيدة الغنائية، كانت لديه كلمته الخاصة التي يود تولها في هذا المجال، وهذه الكلمة الخاصة لا بد لها منطقيا من أن تكون منطلقة من مكونات الشخصية الإنسانية والفنية لرياض السنباطي، وهي مكونات يمكن وضعها تحت عنوان عام هو “التصوف”، بكل ما يستتبعه ويستكمله ذلك من صرامة مع النفس والغير، ومن سكينه نفسية عميقة، ومن ترفع عن مغريات الدنيا، وانعزال عن الصخب الاجتماعي والدنيوي بكل مغرياته.وهكذا، وبعد أن ظلت أم كلثوم بين 1937 و1946، لا تجد ما تردده من قصائد السنباطي سوى رائعتيه الأوليين (سلوا كؤوس الطلا، واذكريني)، انطلق شلال السنباطي الهادر في هذا المجال ابتداء بتحفته التاريخية “سلوا قلبي” في العام 1946، وهي الجامعة في شعرها المأخوذ عن قصيدة طويلة لأحمد شوقي، بين الغزل والتصوف والوطنية، متداخلة تحت مظلة مدح الرسول العربي.بعد ذلك، كرت سبحة القصائد السنباطية التي غلب عليها الطابع الصوفي، مهما كان موضوعها، مع بروز في بعض القصائد العاطفية لأثر المزاج الرومانسي أيضا. وهي مجموعة القصائد التي يعتبرها الناقد الكبير كمال النجمي في أحد فصول كتابه “تراث الغناء العربي”، ذروة الموسيقى العربية في القرن العشرين (7).ولعلنا نذكّر القارئ أخيرا بأهم تلك القصائد: سلوا قلبي (1946) نهج البردة (1948) النيل (1949) ولد الهدى (1949) رباعيات الخيام (1950) مصر تتحدث عن نفسها - وقف الخلق (1950) إلى عرفات الله (1951) صوت الوطن- مصر التي في خاطري (1952) ذكريات (1955) أغار من نسمة الجنوب (1957) قصة الأمس (1958) ثورة الشك (1958) أراك عصي الدمع، بلحنها الجديد لرياض السنباطي (1964) الأطلال (1966) حديث الروح (1967) أقبل الليل (1969) الثلاثية المقدسة (1971) من أجل عينيك (1972). إن من يستقرأ الأعماق الفنية لهذا الكنز الذهبي من قصائد رياض السنباطي الكلثومية، يخرج بمجموعة من الملاحظات، أهمها بنظري أن بوسع العرب المعاصرين أن يهنئوا أنفسهم بذلك الظرف التاريخي الذي جعل عملاقين في وزن رياض السنباطي ومحمد عبد الوهاب لا يتفقان على أسلوب واحد موحد في تطوير فن القصيدة الغنائية، فأغنى كل منهما الموسيقى العربية المعاصرة، ليس فقط بسلسلة ذهبية من القصائد الغنائية ذات الحجم التاريخي، بل كذلك بأسلوبين متمايزين في تلحين القصيدة، لست من أنصار التفضيل المطلق لأحدهما على الآخر، كما فعل الناقد الكبير الأستاذ كمال النجمي، لأن التفضيل سيكون كمن يفاضل بين سمفونيات موزار وسمفونيات بتهوفن في الموسيقى الأوروبية الكلاسيكية. وأنا أقصد التشبيه هنا على سبيل التحديد وليس على سبيل التعميم، كما قد يعتقد القارئ، فقد يفضل ناقد أوروبي سمفونيات موزار لأنها (مثل قصائد السنباطي) أقرب إلى روح الكلاسيكية التقليدية، بينما يفضل ناقد آخر سمفونيات بتهوفن لأنها ( مثل قصائد عبد الوهاب) تراعي الكلاسيكية التقليدية وتنطلق منها، ولكنها تفتح الآفاق واسعة رحبة أمام عناصر إضافية بالغة الغنى والتلوين مثل الرومانسية والدرامية. علما بأن من المفيد والمهم أن لا نغفل الإشارة إلى أن رياض السنباطي قد لحن خارج القصائد الكلثومية، سلسلة قصيرة من القصائد المنسوجة من قماشة النسيج الوهابي في القصيدة العربية المتطورة، غناها بصوته، مثل قصائد فجر، وأشواق، والزهرة. ولكنه حسنا فعل باختيار أسلوب آخر لتلحين قصائد أم كلثوم (كما أعتقد) لأنه أغنى الموسيقى العربية المعاصرة بنمط في تلحين القصيدة، ثبت عمليا، أنه ما كان بوسع أحد غيره أن يفعل ذلك، لو لم يفعله هو.ننتقل بعد ذلك إلى السلسلة الذهبية الأخرى في حصيلة التعاون الكبير بين السنباطي وأم كلثوم، التي أفضل أن اختار لها اسما يتجاوز التوقف عند معايير الأشكال المحددة علميا في الموسيقى العربية المعاصرة مثل الطقطوقة والمونولوج. ذلك أنني أتبنى الرأي القائل بأن ما أحدثته هذه المطولات السنباطية لحفلات أم كلثوم الشهرية من “هلت ليالي القمر” حتى “ليلي ونهاري”، مرورا بعشرات الروائع مثل غلبت أصالح وسهران لوحدي وجددت حبك ويا ظالمني وعودت عيني ودليلي احتار ولسه فاكر وأروح لمين وهجرتك وحيرت قلبي وسواها، تحمل من الغنى اللحني والتعبيري ما يتجاوز برأيي ما قد يوحي به الإصرار على تسمية هذه الأعمال بأسمائها العلمية المحددة.ولو أخذنا أغنية “عودت عيني على رؤياك”، على سبيل المثال، لتفسير ما نعنيه، فإننا سرعان ما نكتشف أن “عودت عيني” هي أقرب إلى أن تصنف “طقطوقة” إذا التزمنا حرفية الأشكال المحددة علميا، لأن كل مقطع فيها ينتهي بالمذهب القائل “ وان مر يوم من غير رؤياك/ ما ينحسبش من عمري”. ولو نحن فعلنا ذلك، نكون قد التزمنا بشكلية المعايير العلمية الصارمة، ولكننا ظلمنا القيمة الفنية للعمل، ذلك أن المعايير العلمية الشكلية تضع عودت عيني وعلى بلد المحبوب وديني في خانة الطقطوقة، فهل أن كلا الأغنيتين تحمل الدرجة نفسها من الغنى الفني، كما يوحي بذلك اشتراكهما في شكل واحد، وفقا لحرفية المعايير العلمية؟لقد أثرت هذه المسألة لأسباب جوهرية لا شكلية، لأن معظم حلقات هذه السلسلة السنباطية، كما يبدو من أسماء بعضها التي استعرضنا أعلاه، تتجاوز في الثروة الفنية التي تحملها بين طياتها، حدود الأشكال الفنية، بما في ذلك شكل المونولوج، لأن بعض هذه الأعمال تتجاوز في مادتها اللحنية وفي مضمونها التعبيري كثيرا من المونولوجات القصيرة، وتستنفر قدرات البناء الهندسي للعمل الفني لدى الملحن، أكثر بكثير مما قد يستنفره لحن قصير مستوف لكامل شروط المونولوج.إن هذا الكنز الآخر، الذي استخلصه صوت أم كلثوم من أعماق العبقرية اللحنية لرياض السنباطي، تمثل في نتاج فني غزير وغني وراق، يستحق من الدراسة ما يتجاوز بكثير مجرد اختصار الأمور بتصنيف كل من هذه الألحان في الخانة الضيقة لاسم الشكل الفني الذي تنتمي إليه.ولعل خلاصة ما يمكن قوله في ختام هذا الفصل عن رياض السنباطي، أن قوة الاسلوبين الفنيين اللذين ابتكرهما وأرسى قواعدهما رياض السنباطي في مجموعة قصائده الكلثومية، ومجموعة مطولاته الكلثومية (كما أحب تسميتها مؤقتا، ريثما ينحت لها الباحثون اسما أكثر تحديدا ودقة)، قد فتحا أبوابا كثيرة، كما فصلنا في الفصل التمهيدي للقسم الثاني من هذا الكتاب، أمام فن الارتجال لحنجرة وأداء أم كلثوم، بما أحيا وطور في خضم القرن العشرين، تلك الفلسفة الغنائية القادمة من أعماق القرن التاسع عشر، ولكن المسكوبة في أشكال فنية هي الأبنة الشرعية للفلسفة الجمالية التي سادت الموسيقى العربية في القرن العشرين، مما يعتبر إنجازا هائلا تشارك فيها السنباطي مع أم كلثوم. وان كان لا بد من تكرار التذكير بأن إعادة اكتشاف عناصر القوة والإبداع في هذا اللون الذي طغى على فن أم كلثوم في العقود الثلاثة الأخيرة من حياتها، لا يجوز أن يحجب عن أنظار المستمعين والباحثين من أبناء الجيل الحالي والأجيال القادمة، الإبداعات الكبرى التي أنجزتها أم كلثوم مع فريق ملحنيها الأساسيين الأوائل، قبل طغيان نمط الحفلات الشهرية المطولة على فنها وعلاقتها بالجمهور، ذلك أن في إهمال تلك الإنجازات السابقة، في العقود الثلاثة الأولى من حياة أم كلثوم، ظلما فادحا لأم كلثوم نفسها ولملحنيها العباقرة الأوائل، وظلما أفدح لتاريخ الموسيقى العربية المعاصرة، ومستقبلها.محمد الموجيما أن انتصف عقد الخمسينيات، حتى كانت أم كلثوم قد استقرت استقرارا تاما في المجالين الأساسيين:مجال الشهرة والمجد، حيث مر زمان على إمساكها بزمام زعامة الغناء النسائي العربي، كما أن حفلاتها الشهرية تحولت إلى مؤسسة فنية كبرى لفن الغناء الارتجالي على المسرح، ينعقد لواء الزعامة فيها لأم كلثوم، على جميع الأصوات النسائية والرجالية.مجال الصيغة الفنية التي اختارتها لنفسها بقرارها الشخصي، وبالاتفاق والمشاركة مع رياض السنباطي، الذي بقي لسنوات أساسية في العصر الذهبي لصوتها، ملحنها الأساسي بل الوحيد.غير أن طول مرحلة الاستقرار (حتى على قمة المجد) يولد لدى الفنان الحقيقي المجتهد نوعا من الملل، والتطلع إلى التغيير والتنويع. فإذا أضفنا إلى هذه الحالة التحولات الاجتماعية والثقافية التي بدأت تطرأ على الحياة في مصر، بفعل استقرار ثورة 23 يوليو، واندفاعها في اتجاهات تغيير شاملة، فإننا نكون قد وضعنا أيدينا على الدوافع التي بدأت منذ منتصف عقد الخمسينيات تحرك أم كلثوم باتجاه التغيير والتجديد، بعد أن بقي مشروع تعاونها مع عبد الوهاب مؤجلا، وبعد فشل محاولات التعاون بينها وبين بقية الملحنين البارزين مثل فريد الأطرش ومحمد فوزي ومحمود الشريف وأحمد صدقي.لقد تمخضت التحولات الناجمة عن مفاعيل ثورة 23 يوليو عن ظهور أصوات جديدة وملحنين جدد، وما لبث التعاون فيما بين هؤلاء المغنين والملحنين أن بدأ ينتج فنا ذا نكهة جديدة تشد الأسماع.فكان أن برز بسرعة اسما الملحنين محمد الموجي وكمال الطويل، مع أصوات عبد الحليم حافظ ونجاة الصغيرة ثم فايزة أحمد وفايدة كامل ومحمد قنديل.هذه المرة، تجاوزت أم كلثوم فريق الجيل السابق من الملحنين، وبدأت تتحرك بثقة الأستاذة، والمطربة التي يتمنى أي ملحن اقتران اسمه باسمها، نحو المواهب الجديدة في التلحين، ووقع اختيارها الأول على محمد الموجي.لقد شمل تعاون محمد الموجي مع أم كلثوم بين 1954 و1970، سبعة ألحان:ثلاثة ألحان لمناسبات وطنية: “نشيد الجلاء” (1954)، وأهزوجة “محلاك يا مصري” (1956)، وأغنية “يا صوت بلدنا” (1964).لحنان للبرنامج الإذاعي رابعة العدوية، في العام 1955: حانة الأقدار، وأوقدوا الشموس.لحنان عاطفيان مطولان، في إطار حفلات أم كلثوم الشهرية: “للصبر حدود” (1964) “واسأل روحك” 1970.من الواضح، حسب الخارطة الزمنية لظهور تلك الألحان أن أم كلثوم قد تصرفت بشيء من التعقل في مغامرة التعامل الأول مع محمد الموجي، ذلك أنه لم يكن ملحنا جديدا تتعاون معه للمرة الأولى فقط، بل كان (في العام 1954) ملحنا ناشئا، صاحب موهبة واضحة، ولكن خبرته ضئيلة جدا. ويبدو أن هذا التعقل هو الذي جعل أم كلثوم تبدأ تعاملها معه بأغنية وطنية، حيث تكون مفاعيل الفشل أو النجاح المحدود، محصورة المدى. كما أنها، زيادة في الحرص، لم تلجأ في كلام الأغنية إلى شاعر جديد، بل اعتمدت على شاعرها المخضرم المجرب أحمد رامي. وبالفعل، جاءت النتيجة على قدر حذر أم كلثوم، فقد صاغ الموجي، المتهيب حتما تعامله الأول مع سيدة الغناء، صاغ اللحن من نسيج الألحان الوطنية لرياض السنباطي، فجاء العمل جميلا متماسكا، ولكن من غير لمعة فنية تذكر.ويبدو أن الحذر المتبادل في هذا التعاون الأول، قد زال عندما تجرأت أم كلثوم، وكلفت محمد الموجي (مع زميله وتوأمه في الإبداع كمال الطويل) بمشاركة رياض السنباطي (ملحنها الأثير والكبير) في وضع أربعة ألحان لأربع قصائد من شعر طاهر أبو فاشا (لحنان للموجي، ولحنان للطويل).وهنا، أخذ الموجي فرصته الحقيقية مع صوت أم كلثوم، فأطلق بلا أي حذر أو وجل خياله الفني حرا طليقا بتعامل مع شعر طاهر أبو فاشا، الذي امتاز في تلك القصائد، بدرجة عالية ورفيعة من “الفنتازيا” الفنية الجريئة والجديدة، فترجم الموجي ذلك بقدر مواز من “الفنتازيا” اللحنية الجديدة والجريئة، خاصة في لحن “حانة الأقدار”، ذي الأجواء الغرائبية فعلا. وقد روى لي الموجي في لقاء شخصي مطول، أن أم كلثوم لم تخف مشاعر الغيظ عندما انتهى من إسماعها لحن “حانة الأقدار، فبادرته بقولها: “اللحن دا غايظني”.فلما خاف الموجي سوء العاقبة، سألها: “ألم يعجبك اللحن، يا ست”، فردت بقولها: “بالعكس، إنه يغيظني لأني لم أجد فيه أي جملة قابلة للتعديل أو التبديل”.والحقيقة أننا لا نحتاج إلى وثائق (أو إلى مصدر ثالث محايد كما يقال في لغة الأخبار) حتى نتأكد من دقة رواية الموجي لذلك الحوار مع أم كلثوم، يكفي الاستماع إلى الجرأة اللحنية التجديدية، والمادة اللحنية البالغة الدسامة، والبنيان اللحني المتماسك والمتكأ على إيقاعات منوعة، من صميم خزانة الإيقاعات العربية، لنثق برواية الموجي. ولم يكن لحن “أوقدوا الشموس” يقل في لمعانه الفني عن “حانة الأقدار”، وان كان لا يصل إلى المدى الغرائبي الذي تميز به شعر ولحن “حانة الأقدار”.بعد “رابعة العدوية” بعام (1956) انفتحت أجواء تأميم قناة السويس، ورحيل المرشدين الأجانب ردا على التأميم، ونجاح المرشدين المصريين في التحدي وسد الفراغ. ويبدو أن حرارة الأجواء القومية العامة التي أثارتها عملية تأميم القناة في الوطن العربي كله يومها، وليس في مصر وحدها، (إضافة إلى نجاح الموجي والطويل في الحان رابعة العدوية، نجاحا مبهرا مع شريك في وزن وحجم وخبرة رياض السنباطي)، يبدو أن هذه العوامل مجتمعة قد أزالت كل دواعي الحذر والتردد لدى أم كلثوم في مغامرتها مع الملحنين الشبان، وحتى الشعراء الشبان، فغنت من شعر صلاح جاهين ولحن الموجي، أهزوجته البديعة للمرشدين المحليين لقناة السويس المؤممة: محلاك يا مصري وانت عالدفة، وفيها القفلة البديعة كلاما ولحنا:ريسنا قال، ما فيش محالراح الدخيل، وابن البلد كفّىللصبر حدودومع النجاح الواضح الذي صادفه هذا اللحن، إضافة إلى لحني الموجي الممتازين في رابعة العدوية، فلا شك بأن الموجي كان ما زال يحلم بدخول “جنة” حفلات أم كلثوم الشهرية، ولا شك بأنه شعر بشيء من الإحباط عندما قفزت أم كلثوم عنه في هذا المجال وكلفت بليغ حمدي، الأصغر منه سنا والأقل تجربة (في ذلك الوقت على الأقل) بوضع لحنه الأول لحفلاتها الشهرية في العام 1960.وقد امتد انتظار محمد الموجي لفرصته في حفلات أم كلثوم الشهرية حتى مطلع العام 1964 عندما غنت له في يناير / كانون الثاني من ذلك العام، لحنه العاطفي المطول الأول لحفلاتها الشهرية “للصبر حدود”.ويروي الموجي في حديث إذاعي مطول تجربته مع أم كلثوم في لحنية الطويلين العاطفيين للصبر حدود، واسأل روحك (1970)، فيؤكد أنه ترك المبادرة كاملة بيد أم كلثوم في اللحن الأول، فكان كلما انتهى من تلحين جملة أو مقطع، يسارع بعرضه عليها، ولكنه لاحظ أنه بذلك إنما يفتح الباب أمامها واسعا للتدخل في كل جملة، وطلب تعديل هنا، وتبديل هناك، فتنبه لذلك قبل إنجاز المقطع الأخير في الأغنية ما تصبرنيش ما خلاصأنا فاض بي، ومليـــتفلم يسمعها أي شيء، إلا عندما أنجز المقطع الأخير كاملا. فلما سألته عن ذلك رد بصراحة: “لقد شعرت أن كل ملاحظاتك السابقة قد ألغت محمد الموجي (المحرر: يعني طبعا الشخصية الفنية للموجي)، فأحسست أني السنباطي أو زكريا أحمد ولست الموجي، لذلك أردت أن ألحن المقطع الأخير وفقا لمزاجي الفني الخاص وشخصيتي الخاصة. ويضيف الموجي أنه كان لذلك نتيجتان مختلفتان:لقد جاء المقطع الأخير الذروة الفنية في اللحن، لأنه أنجزه بحرية تامة.لقد أغضب ذلك التصرف “ الاستقلالي” أم كلثوم، فتوقفت عن التعامل معه، إلا في مناسبة أخيرة في العام 1970، كانت ثمرتها “اسأل روحك”.ولو عدنا إلى لحن للصبر حدود، فلا بد من التوقف عند مسألتين على علاقة بهذا اللحن:كان رأي الناقد الكبير كمال النجمي، الذي أتيح لي الاستماع إليه مباشرة منه، وقراءته في إحدى مقالاته الصحفية، أن الموجي قد حقق نجاحا فنيا كبيرا في هذا اللحن، وأنه لو وضعه لأم كلثوم قبل عشر سنوات (عندما كان لمعان صوتها في ذروته)، لكان للأغنية شأن آخر مع الجمهور.لقد قدر لي أن أقابل الموجي شخصيا، للمرة الأولى، في بيروت في العام 1967، وكان عبد الوهاب قد وصل في مسيرته الكلثومية إلى لحن “فكروني”، فسألت الموجي عن رأيه في ألحان عبد الوهاب لأم كلثوم التي كانت في ذلك الوقت قد بلغت خمسا (إذا أضفنا اللحن الوطني “على باب مصر”). فقال لي بلا تردد: انت عمري، هي أقوى تلك الالحان وأجملها، وراح يستعرض بالتفصيل قوة وتماسك البناء الموسيقي في ذلك اللحن، سواء داخل كل مقطع، أو في اللوازم الموسيقية ومقدمات المقاطع الواصلة فيما بينها. فابتسمت وطرحت على الموجي سؤالا صريحا:“إذا كان هذا هو رأيك الحقيقي، فلماذا قابلت لحن “انت عمري” عند ظهوره، انت وزميلك بليغ حمدي، بهجوم صحفي كاسح؟فابتسم الموجي، ثم قهقه ضاحكا، وأجاب بلا تردد:“طبعا، لأني كنت قد انتظرت طويلا حتى أحصل على فرصة وضع اللحن الأول لحفلات أم كلثوم الشهرية، وما أن بدأت “للصبر حدود” تلقى قبولا ونجاحا (غنتها أم كلثوم مرتين قبل انت عمري) حتى جاءت انت عمري واكتسحت الموقف، فماذا تريدني أن أفعل، هل أقول لعبد الوهاب: شكرا؟”وبقدر ما احترمت الموجي على صراحته الكاملة، فقد كانت تلك الواقعة إحدى التجارب التي أغنت معرفتي بكواليس الفن والفنانين، خاصة عندما نسمع فنانا يقيم فنانا آخر، في ظرف من ظروف التنافس العملي بينهما. وان كانت الظروف التي هيأت لي لقاء مطولا مع محمد الموجي قبيل رحيله، قد أتاحت لي الاستماع إلى تقييم صريح شامل منه لعبد الوهاب بالذات، بلغ أعلى درجات التقدير والاحترام والإعجاب.فلو انتقلنا بعد ذلك إلى لحن الموجي الأخير لأم كلثوم، “اسأل روحك”، فقد أوضح الموجي في تلك المقابلة الإذاعية التي قدم فيها تحليلا كاملا لعلاقته الفنية بأم كلثوم، أنه وضع اللحن كاملا، ولم يعرضه على أم كلثوم إلا بعد اكتماله، لذلك فهو يعتبر هذا اللحن ثمرة شخصيته الفنية المستقلة، وهذا يبدو فعلا لدى إعادة سماع اللحن بعد انقضاء ثلث قرن على ولادته، فقد جاء معادلة ممتازة بين خصائص اللحن الكلثومي المطلوب للحفلات الشهرية الحية، وبين الرومانسية العميقة التي تعتبر العنصر الأهم في الشخصية الموسيقية لهذا الفنان المبدع. وإن كانت “اسأل روحك” برغم ذلك، واجهت ظروفا معاكسة أخرى، فحصدت نجاحا محدودا، مثل شقيقتها الأولى “للصبر حدود”، ولكن الظروف هذه المرة لم يكن مصدرها عبد الوهاب بل أم كلثوم، التي كان صوتها قد بدأ يشيخ ويعجز عن أداء الطبقات العالية، خاصة عندما لا يقوم الملحن بخفض الدرجة التي يبدأ منها اللحن. وقد روينا تفاصيل ذلك في القسم الأول من الكتاب.وإذا كان من كلمة أخيرة في تقييم الحصيلة العامة لتعاون الموجي مع أم كلثوم، فخلاصة القول أن الموهبة الموسيقية العميقة والغزيرة لمحمد الموجي كانت تستحق فرصة أوسع في التعامل مع أم كلثوم، وهو ما أثبته الموجي في المحصلة العامة لنتاجه الموسيقي، بل حتى في العدد القليل من الأعمال التي أتيح له إبداعها لأم كلثوم، وأخص بالذكر “اسأل روحك”، ولحني رابعة العدوية، وأنشودة محلاك يا مصري. غير أن انشغال أم كلثوم بتعامل مكثف مع المخضرم الكبير محمد عبد الوهاب والشاب الفائر النشاط بليغ حمدي في العقد الأخير من حياتها الفنية، قد شغلها عن محمد الموجي، إضافة إلى أن صوتها كان قد دخل مرحلة الشيخوخة، فلم يعد يسمح لصاحبته بتوسيع دائرة نشاطها الفني بأكثر مما فعلت.على أي حال، فان حصيلة التعامل الكلثومي مع الموجي، قد منحته فرصة إضافية لإثبات عمقه وغزارته ومقدرته، وأكسبت الرصيد الكلثومي والموسيقى العربية المعاصرة أعمالا غنية، يستحق معظمها، على قلته، الحياة الطويلة. إلياس سحاب