إذن... مَن انتصر في الحرب في العراق؟ إيران

نشر في 03-09-2010 | 00:01
آخر تحديث 03-09-2010 | 00:01
وتّرت إراقة الدماء الطائفية في العراق العلاقات السنُّية-الشيعية في أنحاء الشرق الأوسط المختلفة. فيشعر السنّة حالياً بالقلق من بروز النظام الشيعي الإيراني في المنطقة، وبرنامجه النووي، وتأثيره المتنامي في القيادة العراقية، وتدخله في شؤون بلدان أخرى تضم شريحة شيعية كبيرة، وخصوصاً لبنان.
 Mohamad Bazzi  في شهر فبراير عام 2003، أعلن الرئيس جورج بوش الابن، الذي كان يقود الولايات المتحدة إلى الحرب: "سيشكل نظام جديد في العراق مثالاً دراماتيكيا ملهماً للحرية تقتدي به الأمم الأخرى في المنطقة".

ولكن مع إنهاء الجيش الأميركي اليوم دوره القتالي في العراق (وهذا ما أعلنه الرئيس باراك أوباما رسمياً من البيت الأبيض يوم الثلاثاء)، صار هذا البلد يجسّد بالفعل مثالاً دراماتيكيا للشرق الأوسط، إنما ليس المثال الذي أراده بوش وإدارته. فلم يتحول العراق إلى منارة للديمقراطية، ولم يتسبب في "تأثير دومينو" يؤدي إلى الإطاحة بأنظمة دكتاتورية أخرى في العالم العربي. بدلاً من ذلك، أطلقت حرب العراق موجة جديدة من الكره الطائفي وزعزعت التوازن الاستراتيجي في الخليج العربي، مما ساعد إيران على تعزيز دورها كقوة إقليمية مهيمنة.

أكدت إدارة بوش أن هدفها كان حماية مصالح الولايات المتحدة وأمنها على الأمد الطويل. غير أن المنطقة باتت أقل استقراراً وأكثر قابلية للاشتعال مما كانت عليه عندما بدأت القوات الأميركية زحفها نحو بغداد قبل سبع سنوات. فقد وتّرت إراقة الدماء الطائفية في العراق العلاقات السنّية الشيعية في أنحاء الشرق الأوسط المختلفة. فيشعر السنّة حالياً بالقلق من بروز النظام الشيعي الإيراني في المنطقة، وبرنامجه النووي، وتأثيره المتنامي في القيادة العراقية، وتدخله في شؤون بلدان أخرى تضم شريحة شيعية كبيرة، وخصوصاً لبنان.

تُعتبر إيران المستفيد الأكبر من الإخفاق الأميركي في العراق. فقد أطاحت الولايات المتحدة بعدو طهران اللدود، صدام حسين. ثم ساهمت واشنطن في تشكيل حكومة شيعية للمرة الأولى في تاريخ العراق الحديث. وبينما كان الجنود الأميركيون منشغلين بمحاربة التمرد واحتواء الحرب الأهلية، وسّعت إيران رقعة نفوذها لتشمل كل الفصائل الشيعية العراقية.

ترسم مجموعة من الحروب بالنيابة مشهد الشرق الأوسط اليوم. ففي العراق، تدعم الأنظمة السنّية المجاورة المجاهدين السنّة، في حين تؤيد إيران الميليشيات الشيعية. وفي لبنان، يساند تحالف واشنطن وعدد من الأنظمة العربية السنّية (مصر والأردن والمملكة العربية السعودية وغيرها من دول الخليج) الحكومة التي يرأسها السنّة في مواجهتها ضد "حزب الله"، ميليشيا شيعية تمولها إيران. أما في الأراضي الفلسطينية، فتدعم إيران وسورية حركة "حماس" المجاهدة، في حين أن الولايات المتحدة وحلفاءها العرب يؤيدون رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس وحركة "فتح". خلال ذروة التمرد والصراع الطائفي في العراق في عام 2007، قصدتُ مروان قبلان، أستاذ علوم سياسية في جامعة دمشق، فأوضح لي التفاعلات الإقليمية أفضل من أي شخص آخر. أخبرني قبلان: "يخوض الجميع معارك بالنيابة في المنطقة. ويشبه الوضع حالياً مرحلة الحرب الباردة. تدرك كل الأنظمة في الشرق الأوسط أن الولايات المتحدة خسرت الحرب في العراق. لذلك تقوم بشتى المناورات لتحمي مصالحها وتحقق مكسباً ما من الهزيمة الأميركية".

مع تراجع النفوذ الأميركي وبروز إيران كقوة إقليمية، لاتزال الدول الأخرى المجاورة للعراق تسعى إلى الفوز ببعض المكاسب من تشكيل الحكومة الجديدة في بغداد. على سبيل المثال، تعتبر العائلة المالكة في المملكة العربية السعودية نفسها القائد الشرعي للعالم الإسلامي. غير أن إيران تتحدى حالياً قيادتها هذه. صحيح أن أغلبية سكان السعودية من السنّة، ولكن يخشى حكامها تأثير إيران المحتمل في الشريحة الشيعية الكبيرة والمتذمرة أحياناً التي تتركز في المنطقة الشرقية الغنية بالبترول في المملكة. وفي البحرين (حليف آخر للولايات المتحدة في الخليج العربي)، تتبرم الأغلبية الشيعية من حكامها السنّة، الذين يخافون أيضاً التأثير الإيراني.

علاوة على ذلك، أطلقت الحرب الضروس بين الأغلبية الشيعية والأقلية السنّية في العراق كراهية طائفية بات من المستحيل احتواؤها. وقد بدا تأثير هذه الاضطرابات جلياً في لبنان، بلد صغير يحفل تاريخه بالصراعات الدينية. فخلال الحرب الأهلية اللبنانية التي دامت خمس عشرة سنة وانتهت عام 1990، كان الانقسام الطائفي بين المسلمين والمسيحيين. أما اليوم، فقد تحول الصراع إلى خلاف بين السنّة والشيعة. ومن الأسباب التي تؤجج هذا الخلاف حمام الدم في العراق.

عقب إعدام صدام حسين في ديسمبر عام 2006، اعتبر السنّة أن الولايات المتحدة والحكومة العراقية التي يهيمن عليها الشيعة قتلتا آخر رموز القومية العربية. صحيح أن صدام كان سابقاً حليفاً للغرب يُعتمد عليه، لكنه في تسعينيات القرن الماضي كان من بين قادة عرب قلائل تحدوا الولايات المتحدة والقوى الأوروبية. ويرى السنّة أن الولايات المتحدة وحلفاءها قضوا على فكرة الماضي العربي العريق من دون تقديم أي بديل لها غير الطائفية.

بين عامي 2007 و2008، شعر السنّة في لبنان أنهم محاصرون، بينما راحوا يشاهدون أخبار العراق عن فرق الموت الشيعية التي قتلت السنّة وطردتهم من أحياء بغداد. وكان "حزب الله" يحاول في الوقت عينه الإطاحة بالحكومة اللبنانية، التي يرأسها السنّة، من خلال التظاهر في الشوارع وتنفيذ اعتصام كبير شلّ وسط بيروت. وحين واجهت مجموعات سنّية أنصار "حزب الله" في إضراب شامل في شهر يناير عام 2007، لوحت بصور لصدام وهتفت باسمه أمام كاميرات المحطات التلفزيونية.

بدا ذلك تناقضاً معبّراً. فقد حمل السنّة الموالون للولايات المتحدة في لبنان صور صدام، دكتاتور أنفق الأميركيون ملايين الدولارات وخسروا آلاف الأرواح بغية الإطاحة به، لكن هذه الصور شكّلت أيضاً إعلان حرب. قتل صدام مئات الآلاف من الشيعة في العراق. وللكثير من الشيعة في لبنان أقارب في ذلك البلد. غير أن الفصائل السياسية اللبنانية توصلت في النهاية إلى تسوية بشأن حكومة جديدة. رغم ذلك، لايزال التوتر الطائفي الخفي قائماً. ويراقب الجميع بحذر آخر التطورات في العراق.

فيما يتجادل السنّة والشيعة والأكراد في العراق بشأن تشاطر السلطة وثروة البلد النفطية، يعاود العنف تزايده. فقد أدت الانتخابات الأخيرة إلى أزمة برلمانية في بغداد، التي عجزت عن الاتفاق بشأن تأليف حكومة جديدة. وهكذا بدلاً من أن يتحول العراق إلى نموذج للحرية والتعايش الديني، مازال يشكل فتيلاً قد يُشعل صراعاً طائفياً في أنحاء الشرق الأوسط المختلفة.

* بروفيسور في مجال الصحافة في جامعة نيويورك وباحث بارز متخصص في دراسات الشرق الأوسط في مجلس العلاقات الخارجية.

back to top