قصيدة النثر... بين قبول المثقّفين والنقاد ورفضهم

نشر في 19-04-2011 | 00:00
آخر تحديث 19-04-2011 | 00:00
حين ظهر شعر التفعيلة، هاجمه الشعراء التقليديون ووصفوه بأنه ليس شعراً، وأنه نوع من الهروب من الوزن والقافية ويضيّع أمجاد الأجداد الذين ظلوا قروناً عدة يكتبون الشعر العمودي.

اليوم، بعد ما يزيد على نصف قرن من انتشار شعر التفعيلة أو الشعر الحر وإثبات مكانته الأدبية والفنية، يدور صراع آخر بين شعر التفعيلة وقصيدة النثر، إذ اختلفت آراء الكتاب والنقاد والشعراء حول الأخيرة، فاعتبرها الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي قصيدة «خرساء»، لأنها بلا وزن أو موسيقى، بينما رأى المدافعون عنها أنها التطور الطبيعي للعصر الذي نعيش فيه وتجديد للشعر في الشكل والمضمون يتيح لهم الخروج من الرتابة إلى فضاءات متحررة من أشكال الجمود والكبت وتتصل بلغة الإنسان العالمية.

فالبشرية، بحسب المدافعين عن قصيدة النثر، شهدت لغة جديدة نشأت عبر الوسائل التكنولوجية المختلفة لا يمكن إغفالها أو تجاهلها، وقد ناقش الشاعر والناقد المصري د. علاء عبد الهادي رؤيته النظرية حول «قصيدة النثر والتفات النوع» في هذا الكتاب الصادر عن «دار العلم والإيمان».

ذكر عبد الهادي في كتابه الذي يقع في حوالى ثلاثمائة صفحة ويتكون من مقدمة وثلاثة فصول وخاتمة، أن قصيدة النثر باستيعابها الواعي لتراثها الشعري العربي الطويل، ولتراثها الشعري العالمي المختلف، هذا الممتد المتعدد الآن على جسد العالم، هي القصيدة الناطقة الآن، كما يقول عبد الهادي في مقدمة كتابه، وأحد أهم أسباب رسوخ الصورة السلبية النمطية عنها هو أن عدداً مؤثراً من النصوص النقدية الصغرى المتداولة حولها، في شكل قوالب «كليشيهات» تحمل في طياتها أحكاماً، التصقت بمواضيع أدبية، وبقضايا شعرية مهمة تتداولها مجموعة من المثقفين والنقاد من دون تمحيص، أو مساءلة، وقد شكّل شيوع هذه القوالب، وتحولها إلى فولكلور نقدي، حالة من الصراع القائم على سطحية الفهم، والنفي المزدوج بين المتخاصمين.

عالج عبد الهادي في الكتاب مفهوم الشعر من خلال علاقات الشعر بأضلاع أربعة هي: «النثر»، و{السرد»، و{المعنى»، و{اللعب»، من خلال ثلاث علاقات: العلاقة الأولى هي علاقة الشعر بالنثر، تناولها في الفصل الأول من خلال مبحثين، الأول هو «علاقة الشعر بالنثر»، والثاني هو «الشعر في النثر»، بالإضافة إلى مفهوم الإيقاع ومعناه في الشعر عموماً، وفي قصيدة النثر خصوصاً، ثم تناول في الفصل الثاني علاقة الشعر المعاصر، قصيدة النثر خصوصاً بالسرد، من خلال رؤية جديدة تطرحها قصيدة النثر، أما العلاقة الثالثة التي اهتم بها عبد الهادي في هذه الدراسة فكانت علاقة «الشعر بالمعنى»، في ما سماه الناقد «المعنى الشعري».

يعد هذا الفصل أحد أهم فصول الكتاب، وفيه فكّك د. عبد الهادي الرؤية العربية التقليدية للشعر بصفته شكلاً للغة، من خلال مهاده المسمى «المعنى الشعري بصفته مشيرًا إلى النوع»، هذا المشير النوعي الذي غاب التفات النقد العربي إليه بسبب انشغال النقد بالجوانب الشكلية للغة الشعرية، وتساءل د. عبد الهادي: هل ثمة حقاً ما يسمى بالمعنى الشعري، وما اسم قرينه «المعنى اللاشعري» القابع في ما يثيره العنوان من أسئلة؟ وهل يمكن أن يحمل النص معنى شعرياً له «إيقاعه الدلالي»، وآخر غير ذلك؟ وماذا عن الشعر، أهو معنى، أم إيقاع المعنى؟ فكلنا يثق بأن الإيقاع أساس في الشعر، لكنه مع ذلك غير كاف لتشكيل قصيدة، فما الذي يشكلها؟ هل هو النظم؟ هذا عدد من الأسئلة التي تجيب عنها هذه الدراسة.

أكّد عبد الهادي في نهاية كتابه أن قلة من الأدباء بناؤون، يهتمون بتشكيل تربة تعيش فيها نصوصهم، يكتبون في بنية مفتوحة، ترنو إلى التجدد، يصعب استهلاكها، والتخلص منها بعد ذلك، لأنها تظل جديدة دائماً، هذا هو الفرق بين «نصّ لذةٍ يقنع، ويُفْعِم ويمنح الغبطة، ويأتي من ثقافة لا يُنفصل عنها، ونصّ متعةٍ آخر، يضع المتلقي في حالةٍ من الاستلاب، ويرهقه، ربّما إلى حَدٍّ قريب من الملل»، ذلك لأنه يهز الثوابت التاريخية، والثقافية، والنفسية، لدى القارئ، ويُبَدّل من قوام تذوقاته، وقيمه، وذكرياته، ويضع موضع الشك علاقته باللغة، إنه في النهاية الصراع بين القديم الذي يرفض دائماً الجديد ويصدر أحكاماً مسبقة ضده والحديث الذي يهز الثوابت كافة بقوة ليفرض نفسه على الساحة والحياة، لذلك يعد هذا الكتاب أحد أهم الإسهامات النقدية وأعمقها حول الشعر عموماً، وقصيدة النثر خصوصاً، في المكتبة النقدية العربية المعاصرة.

back to top