الشعريّة المفقودة... عن فرادة محمود البريكان

نشر في 16-09-2010 | 00:00
آخر تحديث 16-09-2010 | 00:00
صدر عن «منشورات الجمل» كتاب «الشعرية المفقودة»، وهو عبارة عن دراسات وشهادات عن الشاعر محمود البريكان، جمعها الدكتور حسن ناظم وحررها.

يعتبر حسن ناظم أن شعرية البريكان خطت طريقاً آخر لم يتبنَّ قوانين اللغة الشعرية المستنبطة عبر تاريخ حقل شعرية الشعر، ذلك في قسم كبير من أشعاره الناضجة التي غادرت تجربة البدايات، فبداياته لها مشتركات أساسية مع حركة الشعر الحر، والمقصود تحديداً هنا قصائده ذات اللغة التي تبدو لأول وهلة أشد مباشرية كي تصلح لتجسيد قصيدة، وذلك واضح في جملة من قصائد اعتمد فيها على ما في اللغة العادية من لغة شعرية مختلفة. ويتابع المؤلف بأنه على رغم ذلك فإن شعريته مفقودة، فأحد معاني الشعرية المفقودة أنها بقيت بعيدة عن التأثير في حركة الحداثة الشعرية العربية.

يسلط هذا الكتاب بدراساته وشهاداته الـ16 ، الضوء على عالم شعري غامض وغير معروف معرفة واسعة بين القراء العرب. فالبريكان ابن الجيل الخمسيني، جيل بدر شاكر السياب، وعبد الوهاب البياتي، ونازك الملائكة، وبلند الحيدري... لكن فرادته تكمن في أنه عقد جدل وعيه ونصه عقداً فريداً، ليس بعيداً جداً عن جدل وعي الريادة ونصها، ريادة الشعر الحر (فهو باشر مع الرواد كتابة الشعر الحديث والمطولات الشعرية مثل مطولة المجاعة الصامتة وأعماق المدينة، بل قريب منه بعض الشيء وبعيد عنه بعض الشيء. لذلك يأتي نصه تارة ضمن سياق نص الريادة الشعرية إبان الخمسينات، وتارة نصاً شارداً عن هذا السياق. وهذا التصنيف لا ينتظم جميع الأشعار التي كتبها البريكان، فهو شأنه شأن أي شاعر، له بدايات وخواتيم متباينة وذات تنوع أسلوبي ورؤيوي.

لغة

يرى حسن أن لغة البريكان تعيش معلقة على حافة حادة، فهي تلامس عتبة اللغة العادية، ومنوط بها في الوقت عينه أن تجسد قصيدة متميزة. وهذا أصعب وضع تعيشه القصيدة، وأعقد مهمة تناط بشاعر. فذلك الجزء المكتوم أم المرجأ في قصيدة البريكان هو الذي يشكل قوام شعريتها، وهنا يكمن معنى الشعرية المفقودة الثاني. فذلك الجزء مفقود وبحاجة إلى دربة القارئ لإظهاره. والفشل في تعقبه ومعرفته فشل للقصيدة والقارئ في آن. فقارئ قصيدة البريكان حين يعجز عن إدراك المكتوم والمرجأ فيها، ذلك الذي يجعل منها قصيدة، ذلك الجزء المفقود، لن يرى في النص قصيدة، بل سيجد كلاماً عادياً يصف شيئاً، واقعة، مشهداً. وهنا يجب أن ننتبه إلى أن هذه إحدى العلامات الفارقة بين قصيدة البريكان والقصائد الأخرى التي تعتمد البعد الاستعاري استراتيجية للشعر. ففشل القارئ في إدراك العلاقات الاستعارية يدخل القصيدة في إدراك المفقود في قصيدة البريكان إلى كلام عادي، أي يجردها من شعريتها، لكنه لا يخرجها من حد المعقولية بالمطلق. ببساطة حين يخفق القارئ في إدراك التوتر الذي يخلفه الجزء المكتوم من قصيدة «رحلة القرد»، يبقى النص يصف بمعقولية طاغية رحلة القرد.

دراسات

يأتي هذا الكتاب على قسمين، دراسات وشهادات. بعض هذه الدراسات والشهادات منشور سابقاً وبعضها ينشر للمرة الأولى. وتمثل دراسة الدكتور حيدر سعيد فاتحة للدراسات، لما تتمتع به من توصيف نظري شامل لـ{ظاهرة البريكان». فهي تقوم مقام أرضية تعريفية ذات اتجاهات متنوعة تطول التاريخ وعلم النفس والمعرفة التي شملت حقبة الشاعر، إلى جانب مقارنات تسلط الضوء على فرادة شعر البريكان. ويرى ناظم حسن بأن دراسة حيدر سعيد هي مدخل لبقية الدراسات في هذا الكتاب، فقد بحثت في الأصول وامتداداتها، وهذه الدراسة لبت حاجة ملحة لإعادة موضعة البريكان في تاريخ الشعر العراقي.

ويضيف ناظم حسن بأن فوزي كريم يحاول أن يتلمس شعرية البريكان عبر مجساته الخاصة، فيعقد حواراً مع شعره، هو المعني به في دراسة أخرى، والذي يلحقه بعظماء القصيدة الحديثة كالسياب وصلاح عبد الصبور وخليل حاوي ويوسف الخال.

يرصد فوزي كريم في أشعار البريكان غياب الأنا، ويمثل قصيدته كراصد لمشهد، ويقارنه بالشاعر البرتغالي بيسوا. كذلك يصف لغته في بعض أشعاره «بتجرد بارد قد ينطوي على حرارة بالغة التأثير». وهنا يدرك فوزي كريم عمق الشعرية في اللغة التي تبدو غير شعرية، ويدرك أيضاً مدى خطورة هذه اللغة، لأنه يراها تنأى بإرادة البريكان التي يصفها بالحديدية عن معهود عناصر الفن الشعري. وفي غياب هذه العناصر المعهودة، يشكل البريكان عناصر جديدة لقصيدته لا تركن إلى ما يعبر عنه كريم بـ{طبقة الصوت الشعرية، والخيال الشعري، والعاطفة الشعرية»...

أما دراسة سعيد الغانمي فقد جسدت البعد الكياني الصميم في التجربة الشعرية البريكانية. والمؤلف له أكثر من هذه الدراسة عن البريكان، فهو هنا يعاود تأمل أشعار البريكان، يقرأها مجدداً طلباً لخلاصات ولنتائج أخرى، فيرى تبعاً لقراءاته أن هذا الشاعر «عراف» و{راءٍ». وبهذا التوصيف يصل إلى تسويغ، يمر عليه سريعاً على رغم أهميته، للتأرجح بين النطق والصمت لدى البريكان، فهو ابن حقبة مشحونة بالأيديولوجيا.

تحتل دراسة علي حاكم صالح قسطاً وافراً من صفحات الكتاب، فهي الأطول، ومنطلقه فيها استبطان البريكان، فيتمثل تجربته الشعرية فكرة فكرة، ويعيد صياغتها نقدياً فكرة فكرة محاولاً مشاركة الشاعر تأملاته في رحلة عمره الشعرية. يفتت صالح هذه الرحلة العميقة، يجملها ويفصلها، متأملاً مع البريكان ومن خلال الأفكار الكبرى عن الوجود والماهية والحقيقة والمصير، وينطق بفم البريكان بعد أن يستنطقه. إنه بهذا يمارس استنطاقاً لنصوصه الشعرية، ثم يشرع برحلة النطق الخاص، لتنساب كلماته بهدوء، وثقل، تنشد قاع الأشياء، وأعماق الظواهر، على إيقاع يناسبها ثقلاً وعمقاً.

قبضة الزمن

أما دراسة ناظم عودة فتشدد على بعد الانفلات من قبضة الزمن في قصائد البريكان، ومعها يعالج رؤيته الشعرية التي يرى أنها تحررت من التنميط الشكلاني، وعلى هذه النظرة يبني فكرة عن قارئ البريكان، إذ يرى (وهو المعني ببعد القراءة والتلقي في الشعر، وله كتاب الأصول المعرفية لنظرية التلقي) أن قارئ شعر البريكان يجب أن يكون متحرراً من الموروث البلاغي. وتلك لفتة لا بد من تكريسها لزحزحة النمطية المهلكة التي باتت تهيمن على ذوق قراء الشعر العربي. ولا شك في أن قصائد البريكان لا تروق، للجمهرة القارئة من العرب، فهي لا تنشد شد القارئ عبر الإبهار البلاغي، ولا أيديولوجيا مكرسة، في وضعه كهذا، وهو وضع يبدو شاذاً بالمقارنة، من العسير تحشيد جمهور له، ناهيك عن التفلسف في هذه الشعرية الغريبة، والمفقودة. شعرية ما لفتها كلياً أكبر حركة حداثة شعرية عربية أواخر الأربعينات وخلال الخمسينات: حركة الشعر الحر، في الأقل من ناحية الهموم الأيديولوجية التي طبقت الآفاق، أو البحث المحموم عن الأساليب الجديدة لغوياً. فقد دأب البريكان على تكريس خصوصيته، وحقق انفلاتاً من أسر قوة هائلة مارست تأثيرها على الجميع. وأحد مرامي هذا الكتاب هو تجلية هذا الانفلات، ليس من تلك القوة الهائلة فحسب، أي من أسر الشعرية السائدة، بل من أسر الشعرية الحداثية المبتكرة آنذاك: من أسر حركة الشعر الحرة.

back to top