الإعلام العراقي... من بغداد إلى كردستان مؤسِّسة شبكة الإعلام العراقي شميم رسام لـ الجريدة : لولا الكويت لما انطلقنا بالعمل الإعلامي في 2003 نصبنا برجاً للبث في أم قصر قبل أيام من الحرب... وبدأ بثنا في العراق من خلال خيمة وسيارة بعد سقوط التمثال (1/3)

نشر في 25-10-2010 | 00:00
آخر تحديث 25-10-2010 | 00:00
تتناول «الجريدة» على مدار ثلاث حلقات، ملف الإعلام العراقي الجديد منذ نشأته في الكويت عام 2003 بعد حرب تحرير العراق من النظام الدكتاتوري، حتى اليوم. ونلتقي ثلاثة عناصر إعلامية عراقية عاشت وواكبت تلك التجربة بكل تفاصيلها من بغداد إلى كردستان العراق، لنتعرف من خلالها على كيفية نشأة «شبكة الإعلام العراقي» في ظل الأجواء العسكرية التي سبقت الضربة المرتقبة حينئذ لنظام صدام حسين، فضلاً عن المسار الذي سلكه الإعلام في العراق بعد الحرب.وفي الحلقة الأولى نلتقي المديرة العامة لـ«شبكة الإعلام العراقي» شميم رسام، التي تتحدث عن بدء مسيرة الإعلام العراقي الجديد، وما صاحبه من صعوبات، وكيف ساعدت الكويت المجموعة الإعلامية العراقية في ذلك الوقت للانطلاق بعملها. وفي ما يلي نصّ اللقاء:

• كنتِ على رأس «شبكة الإعلام العراقي» عند تأسيسها عام 2003، هل لنا أن نأخذ فكرة عن كيفية تأسيس تلك الشبكة؟

- عندما فكرت الولايات المتحدة الأميركية بالتغيير في العراق كان الإعلام الحلقة الأهم في الموضوع، وكان لابد من وجود عناصر عراقية إعلامية متمرسة ولديها خبرة في المجال الإعلامي الحديث والمتطور كي توكل إليها المهمة، وهذا ما حدث بالفعل، إذ أوكلت إلي المهمة، وأنا على ضوئها اخترت مجموعة من الزملاء العراقيين الإعلاميين الذين يعملون خارج الوطن، من بينهم عودة التميمي، فالح حسون الدراجي، حميد الياسيري، إيمان حسين، صادق الركابي، مصطفى الكاظمي، عشتار التميمي، حميد الكفائي ومجموعة أخرى، وكانت الانطلاقة من الكويت في أواخر فبراير 2003، وهنا يجب أن أقدم كل الشكر والتقدير لدولة الكويت على الدور الكبير الذي لعبته في تقديم كل التسهيلات المطلوبة لنا لبدء بث إذاعي موجه إلى داخل العراق، وقد منحتنا وزارة الإعلام الكويتية مبنى كاملا بكل معداته لنزاول من خلاله عملنا، وهذا المبنى موجود في منطقة السالمية، ولولا الكويت لكان من الصعوبة أن نقيم «شبكة الإعلام العراقي» منذ بداية الاستعدادت للحرب وفي تلك الظروف الصعبة.

وبعد تلك التسهيلات والتجهيزات ذهبت الى ميناء أم قصر ومعي مجموعة من المهندسين الكويتيين ونصبنا برجا للبث الإذاعي، وهذا البرج أيضا منحتنا إياه الكويت، وبدأنا العمل الإذاعي في مارس قبل بدء الحرب (في 23 مارس)، وكنا نبث نشرات إخبارية وبرامج توعوية للمواطنين العراقيين وبعض البرامج الترفيهية.

وكذلك فتحنا خطا دوليا لاستقبال رسائل قصيرة من العراقيين في الخارج لأهلهم وذويهم في العراق، واستمر الوضع بهذا الشكل حتى سقط التمثال وسقط معه النظام البائد، فدخلنا نحن الى العراق كإذاعة وهناك بدأنا نبث من أرض الواقع.

وكانت وقتها مشاعرنا نحن المجموعة التي عملت في الكويت ودخلت بغداد مختلطة بين الفرح والحزن، على ما وجدناه من عبث ودمار خلّفهما النظام البائد في بغداد وبقية المدن العراقية، وكذلك مشاعرنا تجاه أهلنا وذوينا الذين فقدنا بعضهم ونحن في بلاد الغربة، والبعض الآخر عشنا على أمل لقائه، فأخذنا نبحث عنهم ونتعرف على الجديد منهم لأن أغلب العراقيين الذين كانوا في المنفى ولا يزورون العراق بسبب بطش النظام. كانت أياماً لا يمكن أن تُنسى على الإطلاق.

•  كيف تصفين الواقع الإعلامي العراقي حينئذ؟

- أعتقد أنه لا يخفى على الجميع، خصوصا في دول الخليج والكويت، أن واقع الإعلام العراقي في ظل النظام البائد كان سيئا للغاية، كونه يتحدث بلغة الفكر الواحد والنهج الواحد والرأي الواحد، فلم يكن هناك إلا ثلاث صحف عراقية يومية تصدر، هي الثورة والجمهورية والزوراء، وجميعها تابعة للحكومة.

ولم يكن هناك صحف خاصة، وإن وجدت فهي لأقطاب النظام ورموزه وكذلك تنهج نفس النهج والفكر.

أما بالنسبة للتلفزيون فلم يكن إلا التلفزيون العراقي وتلفزيون الشباب التابع لعدي صدام حسين، والاثنان يقدمان فكر الرئيس ونهجه كحال الصحف، وهناك إذاعة بغداد وإذاعة صوت الجماهير بنفس النهج.

فلما دخلنا بغداد وذهبنا بطبيعة الحال الى مبنى وزارة الإعلام في منطقة الصالحية، وجدناهم قد أحرقوا الوزارة قبل أن يغادروها، لذا لم نجد إلا ركام المواد والأشرطة والمعدات والأثاث والمبنى كان محطما تماماً، ولا يمكن أن نستخدمه، فبدأنا نبث من خلال سيارة متحركة ثم اكتشفنا أن هناك استوديوهين للإذاعة وآخر للبث التلفزيوني في مبنى قصر المؤتمرات عند فندق الرشيد، لذا قررنا العمل من هناك، وطبعا كانت الظروف صعبة للغاية في البداية حيث لا كهرباء ولا ماء.

وشغلنا الإذاعة على مولدات كبيرة أدخلها لنا الجيش الأميركي حتى تم بعد ذلك تصليح الكهرباء الخاصة بمنطقة قصر المؤتمرات وفندق الرشيد ومبنى مجلس الوزراء، الذي كان بجانب قصر المؤتمرات.

ثم بدأنا تدريب عناصر إعلامية شابة عراقية من داخل العراق على الأداء الإذاعي والتلفزيوني، والعمل الإعلامي بشكل عام، وحققت «شبكة الإعلام العراقي» التي تضمّ صحيفة «الصباح» اليومية، وإذاعة بغداد، وفضائية «العراقية» التي اتسعت فيما بعد وأصبحت لديها قنوات متخصصة.

• هل «شبكة الإعلام العراقي» اليوم على مستوى الطموح؟

- في العام الأول لولادة «شبكة الإعلام العراقي» وهو عام 2003، كانت جيدة رغم كل الظروف الصعبة والمحيطة بنشأتها، لكن بعد ذلك جاءت الـ»ال بي سي» اللبنانية عام 2004 وتسلّمت الإشراف عليها، إلا أنها قدمتها بنكهة لبنانية لا عراقية، وكان هناك عدم قبول وتذمر في الشارع العراقي لأنها بعيدة في الكثير من برامجها عن الواقع الاجتماعي والنكهة العراقية، لكنها دربت عناصر عراقية شابة في بيروت وكان هذا شيء يُحسَب لها.

بعد ذلك بعام واحد انتقلت المسؤولية والإشراف على «شبكة الإعلام العراقي» من «ال بي سي» اللبنانية الى العراقيين، واعتبرت هيئة حكومية يتم تمويلها من قبل وزارة المالية، وبذلك اعتبرت الجهة الإعلامية الرسمية الوحيدة في البلاد حتى يومنا هذا، لكن للأسف لم تكن بمستوى الطموح الذي كنا نصبو إليه عندما عدنا الى بغداد ودخلنا كي ننشئ إعلاماً عراقياً حراً.

وخلال هذه الفترة بدأت تظهر القنوات الفضائية العراقية الجديدة والصحف المحلية، حتى وصل عدد المطبوعات لدينا الى 250 مطبوعة ما بين يومية وأسبوعية وشهرية، والعشرات من القنوات الفضائية، والعديد من الإذاعات، فالتوسع أصبح لدينا أفقيا، لكنه لم يكن عموديا أو بالمستوى المطلوب، وإن كان هناك بعض الصحف أغلقت بسبب الإرهاق المادي الذي أصاب أصحابها، لكن المسيرة الإعلامية مستمرة.

• كيف تنظرين إلى الإعلام العراقي اليوم، بعد سبع سنوات من التغيير؟

- ما ينطبق على «شبكة الإعلام العراقي» اليوم ينطبق على بقية القنوات والصحف والمطبوعات والإذاعات، فقد أصبحت مسيسة أكثر منها مستقلة، إذ كل حزب وكل كيان لديه قناة وصحيفة يدعمها ماديا حتى تصبح لسانه وبوق دعايته، كذلك الأحزاب والكيانات الدينية نجدها تدعم بعض القنوات ماديا، بل ونها من أنشأ لحسابه الخاص قنوات وصحفاً تخدم مصالحه وتوجهاته.

وهناك قلة قليلة من ذلك الزخم الإعلامي، نجدها وسائل مستقلة وتعمل وفق الأجندة الوطنية والمصلحة العامة. الإعلام لدينا بحاجة  الى ضوابط وأصول وأسس كي يبتعد عن تلك الفوضى، فليس كل فوضى بالضرورة أن تكون خلاقة، بل العكس تصبح مدمرة ومدمرة جدا، خصوصاً في المجال الإعلامي فهو أخطر جهاز على وجه الأرض، لذا يجب أن تكون هناك ضوابط وأسس للعمل الإعلامي في العراق، كذلك يجب أن ينفتح الإعلام العراقي أكثر على الإعلام العربي حتى يصبح هناك نوع من التوأمة من خلال تبادل الخبرات والأفكار السليمة.  

في الحلقة الثانية، نتطرق إلى واقع الإعلام العراقي الجديد، وكيف أصبح مُسيَّساً ومغرقاً بالمصالح الضيقة، وتطغى عليه الأحداث المحلية، ولا يعتبره الكثيرون معبراً عن الهوية العراقية وعن روح المواطنة بالشكل الصحيح.

back to top