قصة مصرين... وثلاثة مبارك

نشر في 05-02-2011
آخر تحديث 05-02-2011 | 00:00
 عصام الدسوقي في فتر الاسترخاء نجح مبارك ببناء «مصرين»: «مصر المخملية» التي يتهيأ قاطنوها للرحيل والهرب على متن طائراتهم الخاصة، و«مصر الأخرى» التي يكافح شبابها الآن في «ميدان التحرير» أملاً في غد ديمقراطي تنتقل فيه السلطة مدنياً، غد يعود فيه العسكر إلى ثكناتهم، وينزع فيه رجال الأمن قناع الرعب والقمع الذي مارسه النظام على الشعب.

على مدار ما يزيد على 10 آلاف «ليلة وليلة»، أي نحو 30 عاماً، أو ثلاثة عقود، أو بالأحرى ما يقارب من ثلث قرن كامل من عمر المحروسة- كما يحلو للمصريين أن يلقبوها- برع الرئيس المصري حسني مبارك في رسم صورة بانورامية يصعب أن تراها بوضوح وتحديد معالمها ورتوشها الحقيقية إلا إذا شاهدتها عبر عيون صقر يحلق في السماء.

سترى مشهداً رائعا لدولة تتلألأ على نحو يخطف الأبصار لا يمكن أن ينكره إلا جاحد، لن تخطئ عين أي مراقب أو إنسان موضوعي محايد أن أرض مصر شهدت تحولات هائلة وعديدة وذات تفاصيل رائعة لن تستطيع حصرها إلا من خلال تلك النظرة البانورامية من نافذة طائرة.

ستدهشك تلك اللؤلؤة المضيئة التي تعج بالحيوية والحركة ومظاهر العمران والتحضر الشديدة الفخامة والتأنق، ففي أنحاء متفرقة على أرض مصر سترى: بنايات شاهقة فاخرة تقترب من مضاهاة ناطحات نيويورك، أحياء ومدنا جديدة عامرة بـ»الفلل» والقصور التي لن ترى مثيلها في العالم، ملاعب غولف، سلاسل فنادق، قرى سياحية ومنتجعات سياحية وعلاجية عالمية يتحاكى عن روعتها كثيرون، سلاسل مطاعم عالمية، سيارات فارهة، ليالي قاهرية وساحلية عامرة بحفلات السمر والكرنفالات، أضواء ومرحا ووجوها باسمة رائقة خاصمها الشقاء، لا ترى مثيل لها إلا بين نجوم السينما العالمية ونجماتها وهم يسيرون على البساط الأحمر في مهرجانات السينما العالمية.

تلك صورة حقيقية شديدة الصدق خالية تماما من أي مسحة مبالغة لشكل مصر التي كان المصريون جميعهم يتابعونها في أي ليلة من ليالي المحروسة خلال الـ10 آلاف «ليلة وليلة» التي أمضاها مبارك في رسم تضاريس «مصر المخملية» تلك الأم «البهية» الحانية التي احتضنت حفنة من القلة «الأولغارشية» من المصريين.

نجح مبارك بأعوامه الثلاثين كثاني أكبر حاكم «مصري» يعتلي عرش مصر منذ عهد رمسيس الثاني الذي قضى في الحكم 67 عاماً (بعد استبعاد محمد علي الألباني الأصل الذي أمضى في الحكم قرابة 50 عاما)، في رسم تلك الصورة الرائعة لـ«مصر المخملية»، إلا أنه خلّف وراءه «مصر أخرى» يعيش فيها أنهار من البشر الذين يسكنون قراها ومدنها، يستيقظون كل يوم من أيام مبارك يتساءلون ويفكرون متى سيكون «الفرج»؟ متى ستصل إليهم ثمار «إصلاح» يتحدث عنه أهل الصفوة منذ عشرات السنوات من انفتاح، وباب مفتوح، وإنجازات، ومؤشرات، ومعدلات مرتفعة، واستقرار، وضبط هيكلي، وخطط تنموية، وأهداف اجتماعية، جميعها اصطلاحات ملأت أفواه وزراء ومسؤولين ورجال مال وأعمال تتابعوا الواحد تلو الآخر... تغيرت وجوههم، لكن لم تتغير رطانتهم ولغتهم وكبسولاتهم الخاصة التي عاشوا فيها يتنسمون هواء «مصر المخملية»، بعيداً عن هموم، وتلوث بل رائحة، سكان «مصر الأخرى».

تشكلت تفاصيل «مصر الأخرى» التي لم يرها مبارك بوضوح في أثناء تحليقه عالياً من السماء على مدى الثلاثين عاما الماضية، فتحولت إلى مناطق (عشوائيات، سكان مقابر، أحياء شعبية، مدن جديدة فقيرة الخدمات، قرى صفيح، قرى ونجوع نائية ومهملة)، آهلة بفيض من القنابل الموقوتة نظراً لانتشار ملايين العاطلين من الشباب، ووجود ملايين آخرين من المحبطين من أجيال السبعينيات والثمانينيات من جيل الوسط الذي اصطدم بحواجز «تكلس الدولة» وتقزمها على المستويات الثقافية والفكرية، علاوة على ملايين آخرين من شباب وشابات من الأجيال التي ولدت، ولم تر سوى مبارك رئيساً لها، وقد راعها هذا «الهيكل المحنط» لشكل الدولة بإداراتها ومؤسساتها وتيبسها المطبق، واستشراء الفساد والمحسوبية في أركانها، في وقت انقطعت فيه سبل التوظيف والتشغيل الحكومي، وقفزت فيه معدلات الفقر إلى مستويات فلكية؛ حيث يعيش أكثر من 50 في المئة (43 مليون مصري) على أقل من دولارين في اليوم، فيما تعج قوائم أثرياء العالم والعرب بأسماء وأسر مصرية شديدة الثراء ورجال أعمال حصدوا ثروات طائلة ونبتت قصورهم الفارهة وأموالهم المهربة إلى الخارج وطائراتهم الخاصة فقط في عهد مبارك.

خلقت تلك السنوات المتتالية داخل «مصر الأخرى» طوفاناً من المشاعر السلبية (عنف- إحباط- مخدرات) بين أجيال الشباب وأجيال الوسط بفعل الانسداد السياسي والمجتمعي اللذين ترافقا مع حدوث انهيارات متتالية ومنتظمة، إن لم تكن ممنهجة، في المنظومة القيمية للمجتمع تحت تأثير البطالة والعنوسة والبلطجة وتزوير الانتخابات والممارسات البوليسية القمعية والفساد المستشري.

وهذا ما أفرز حالة من اليأس غذاها مبارك باقتدار خلال عقود حكمه، التي اتسمت بسياسات «اعتباطية تمييزية» انحازت إلى فئة كبار رجال الدولة وأعوانهم ورجالهم من أصحاب «الدم الأزرق» من سكان «مصر المخملية»، والذين كانوا هم فقط أصحاب الحق في الحصول على امتيازات الاستثمار وتسهيلاته، ورخص الاستيراد الميسرة، والمناقصات الجاهزة، والأراضي شبه المجانية أو بأسعار رمزية تفضيلية، وإعفاءات ضريبية وجمركية سخية.

قرارات صعبة وخيارات قاتلة

بوجه عام، خلقت سياسات مبارك «ازدواجية» حرجة على أرض مصر؛ بدت كما لو كان يدير بلدين مختلفين وبلغتين مختلفتين؛ نظرا للتفاوت الطبقي المرير والانعزال التام عن المطالب الشعبية، وباستعراض الثلاثين عاماً التي أمضاها في الحكم، يمكننا القول إن شخصية مبارك الحاكم مرت بثلاثة أشكال، تجلى أولها في العقد الأول من ولايته التي حرص فيها على ما سمي بـ«الاستقرار»، فقد برع مبارك في تلك الفترة في طمأنة المجتمع بتياراته المختلفة فكرياً ودينياً وسياسياً، وغزل- مستندا إلى المؤسسة العسكرية- تحالفاته مع بقية مراكز المجتمع المصري بتأن شديد، وقد أمهلته النخب المصرية الكثير من الوقت لإعانته على امتصاص صدمة اغتيال السادات وملاحقة تداعياتها خشية سقوط مصر في دوامة العنف، وانطلق مبارك من الداخل المستقر نسبيا صوب الدائرة العربية ساعيا إلى استعادة علاقات مصر العربية التي مزقها السادات، وشرع في توطيد علاقته بالحلفاء الأساسيين في واشنطن وأوروبا وإسرائيل، ونجح في أداء مهمته وهدفه في تلك المرحلة وبرز كرئيس دولة متواضع على المستوى الشخصي والفكري، لكنه يستطيع تسيير المركب، حسب قول البعض.

أما ملامح «مبارك الثاني»، فقد بدأت في أعقاب حرب تحرير الكويت عام 1991، حيث اتسمت تلك الفترة بالحصاد الشخصي لجملة قرارات ساهمت في رفع أسهمه على المستوى المحلي كرئيس قادر على اتخاذ قرارات صعبة، وكداعم على المستوى الإقليمي، وحليف مهم على المستوى الدولي.

زادت ثقة مبارك بنفسه، وبدا أكثر ميلاً واندفاعاً للالتفات إلى الداخل المصري لكنه انطلق من منظور دائرة ضيقة تضم عددا محدوداً من المستشارين والأصدقاء المقربين، ممن صوروا له حجم الإنجاز الذي تحقق على يديه بإسقاط نصف ديون مصر الخارجية بما يقارب 20 مليار دولار، وكانت تلك نقطة الانطلاق لذريعة الفساد بين دوائر الحكم في مصر، وتدشيناً لمرحلة مهمة من تاريخ «مؤسسة الفساد» المصرية، باعتبار أنه ما من رئيس مصري كان قادراً على إتمام تلك المهمة التاريخية من وجهة نظرهم.

فترة الاسترخاء

وهكذا بدأت مرحلة مبارك الثالث مع «القلة الأوليغارشية» من معاونيه وأصدقائه وبعض أقاربه التي «شرعنت» الفساد والانتفاع من ثمار الخطوات الجليلة التي تحققت بإسقاط جانب مهم من ديون مصر، بدعم من دوائر مستجدة لصنع القرار الاقتصادي في مصر تمثلت في بروز طبقة رجال الأعمال، ومجلس رجال الأعمال المصري الأميركي، والغرفة التجارية الأميركية، ومجموعة ما عرفوا بـ«كهنة آمون» الذين أخضعوا الاقتصاد المصري لتجربة الانفتاح الكامل ومهزلة برنامج الخصخصة «الفضائحي»، وإطلاق يد أنصار «الفكر الشركاتي» داخل الاقتصاد المصري، وسيطرة عرّابي «مدرسة شيكاغو» وأفكار «ميلتون فريدمان» الداعية إلى تغليب الفكر الرأسمالي الحر الخالي من الضوابط، وانسحاب الدولة عن بكرة أبيها من النشاط الاقتصادي.

ولم يدر مبارك أن هناك أشكالا أخرى من الرأسمالية الرحيمة وفق النمط الإسكندنافي الذي طالما نادى به البعض؛ لتوفير شبكات أمان اجتماعي للشعب؛ تمكنه من تحمل فاتورة التحول الرأسمالي، والحؤول دون انسحاق المهمشين وانزلاقهم في دوائر الفقر.

طوفان الغضب

ومع مطلع القرن الحادي والعشرين وعقب مرور مبارك بضغوط أميركية وغربية ملحوظة (في أعقاب أحداث سبتمبر وقبل غزو العراق وبعده) تحولت إلى نسبية مع ولاية جورج بوش الابن الثانية، وشرع مبارك في تفويض بعض مناطق السلطة إلى مقربين ودوائر ومؤسسات خاصة، وهي الفترة التي برز فيها عمر سليمان كلاعب مهم على صعيد السياسة الخارجية والدبلوماسية.

ومع بداية الألفية الجديدة نبتت سيناريوهات أخرى لعل أكثرها إثارة للجدل كان سيناريو التوريث الذي أخذ مبارك في استنباته واستنساخه، وبدأ بالخطوات العملية له في عامي 2004 - 2005، ثم فترة الاسترخاء التي نجح فيها مبارك ببناء «مصرين»؛ «مصر المخملية» التي يتهيأ قاطنوها للرحيل والهرب على متن طائراتهم الخاصة، و»مصر الأخرى» التي يكافح شبابها الآن في «ميدان التحرير» أملاً في غد ديمقراطي تنتقل فيه السلطة مدنياً، غد يعود فيه العسكر إلى ثكناتهم، وينزع فيه رجال الأمن قناع الرعب والقمع الذي مارسه النظام على الشعب، غد خالٍ من الخداع والألاعيب القذرة والانتخابات المزورة والفساد المستشري وانتهاك كرامة الإنسان... غد يصنع أجيالاً تبني دولة، ودولة تحتضن أجيالاً لا تبتلعها.

 

كتاب الجريدة يردون على تعليقات القراء

يمكنك متابعة الكاتب عبر الـ RSS عن طريق الرابط على الجانب الايمن أعلى المقالات السابقة

back to top