أم كلثوم... السيرة والأغاني - السيرة الشخصية (الحلقة الحادية عشرة) أصيبت بالغدة الدرقية فنصحها الأطباء بالزواج لكن شهرتها كانت عائقاً أحبها خال الملك فاروق (شريف صبري باشا شقيق الملكة نازلي) فرفضت الأسرة الملكية زواجهما
إن قصة الزواج (أو الخطوبة) التي تستحق التوقف عندها في الفترة السابقة لزواجها الفعلي الطويل بالدكتور حسن الحفناوي، هي القصة التي ربطت بين اسمي أم كلثوم والملحن الكبير محمود الشريف (صاحب نشيد الله وأكبر، أشهر أناشيد معركة تأميم قناة السويس في العام 1956).تروي الدكتورة نعمات أحمد فؤاد قصة “خطوبة” أم كلثوم لمحمود الشريف بتفاصيل مطولة على مدى سبع صفحات في كتابها (268-274). وخلاصة هذه الصفحات أن أم كلثوم بدأت تشعر بأمراض الغدة الدرقية (التي لازمتها مدة غير قصيرة من حياتها واضطرتها إلى السفر لأميركا لإجراء عملية جراحية) وبالتهديد الذي تشكله هذه الأمراض لعينيها. وتشير الرواية إلى أن الأطباء المصريين نصحوا أم كلثوم بأن شفاءها من هذه الأعراض مرهون بممارسة حياتها الطبيعية من خلال الزواج، وتؤكد الرواية أن عددا من أصدقاء أم كلثوم تطوع للبحث لها عن عريس يليق بها. غير أن الشهرة الطاغية لأم كلثوم كانت على ما يبدو سببا في “تهريب” العرسان المرشحين. الأمر الذي حز في نفس أم كلثوم، حتى انفجرت ذات يوم تشكو همها إلى الفنان محمود الشريف في دار نقابة الموسيقيين (وكان يومها وكيلا للنقابة) فاندفع بشهامته المعروفة عنه (كما تؤكد رواية الدكتورة نعمات) يعرض نفسه زوجا لأشهر مطربات العرب، ولكن الرواية تؤكد بعد ذلك أن الأمر لم يتعد إعلان “الخطوبة” لمدة تعرضت خلالها أم كلثوم لضغوط كثيرة لفسخ الخطوبة، لفارق المستوى الفني بينها وبين محمود الشريف في تلك الأيام التي كان ما يزال فيها ملحنا ناشئا، بينما تتربع هي على عرش الغناء العربي في مصر وفي الوطن العربي كله. غير أن الضغط الأقوى الذي مورس على أم كلثوم – كما تؤكد الرواية – كان من شريف صبري باشا، خال الملك، الذي كانت تربطه علاقة حب بأم كلثوم، ولكن العائلة الملكية لم توافق على زواج أحد أبنائها من إحدى بنات الشعب، برغم شهرتها الفنية المدوية. ويبدو أن ضغوط شريف صبري باشا هي التي دفعت أم كلثوم إلى إنهاء علاقتها بمحمود الشريف. غير أن روايات أخرى تؤكد أن تلك العلاقة لم تتوقف عند حدود الخطوبة، بل تعدتها إلى الزواج، الذي امتد في بعض الروايات غير المؤكدة إلى سنة كاملة.
ولقد أتيح لي في العام 1969 التعرف شخصيا إلى الفنان الكبير (في ذلك الوقت) محمود الشريف، في منزل الشاعر العبقري صلاح جاهين، عندما كانا يعدان لأغنيات مشتركة في مهرجان احتفال القاهرة بعيدها الألفي (969-1969). فحاولت دفع الفنان الشريف إلى رواية الحقيقة كاملة عن قصة زواجه وطلاقه من أم كلثوم.ولكني قرأت على وجهه يومها ما يؤكد أن القصة تركت في نفسه جروحا لا تندمل. وكان كل ما حصلت عليه ردا على سؤالي تأكيده غير المباشر لخبر الزواج، عندما أكد لي أن الأمر قد تجاوز العلاقة العاطفية يومها إلى مشروع بينه وبين أم كلثوم، على إعادة الحياة لأمجاد المسرح الغنائي كما كانت أيام سيد درويش. غير أن الضغوط التي مورست على أم كلثوم جاءت تقضي على كل شيء: الزواج، ومشروع المسرح الغنائي.بوسعنا طبعا، وقد استمعنا إلى جزء من الحقيقة المؤكدة في هذا الموضوع، على لسان مصدر رئيسي هو صاحب الشأن الفنان الراحل محمود الشريف، أن تتخيل الثمار الفنية الكبرى التي كانت ستؤثر تأثيرا كبيرا على حياة أم كلثوم الشخصية والفنية، وعلى مجرى الموسيقى والغناء العربيين المعاصرين، فيما لو تحقق ذلك المشروع واندفعت أم كلثوم إلى إحياء المسرح الغنائي، مع محمود الشريف، وربما مع بقية ملحنيها الكبار، فيما لو شكل لهم ذلك المشروع إغراء كافيا أو تحديا واستفزازا لمواهبهم الفنية.غير أن الجانب الآخر الهام في حياة أم كلثوم الذي تكشفه قصة زواجها القصير بمحمود الشريف، هو علاقتها بالأسرة المالكة، التي وصلت إلى حدود احتمال زواجها من خال الملك فاروق (شقيق الملكة نازلي). لعل هذا الجانب من القصة يكشف لنا أن تلك الفلاحة البسيطة القادمة من أعماق الريف، لم تستطع فقط بقوة شخصيتها وبمواهبها الفنية الاستثنائية (التي عرفت كيف تصقلها وتحيطها بأفضل شروط النجاح الفني)، لم تستطع فقط أن تفرض نفسها داخل منزلها العائلي أولا، في مجتمع شديد المحافظة، كانت المرأة فيه (وما زالت في بيئات اجتماعية معينة حتى يومنا هذا) تلزم المواقع الخلفية في عائلتها، كما في مجتمعها، بل تجاوزت ذلك إلى أن تفرض نفسها اجتماعيا (وفنيا طبعا قبل ذلك) في موقع ممتاز ومميز على هرم الطبقة الاجتماعية السياسية والثقافية في المجتمع المصري في النصف الأول من القرن العشرين، بل على رأس هذا الهرم، إلى حد احتمال الزواج من خال الملك، رأس الهرم السياسي والاجتماعي في مصر يومها.العلاقة مع القصروالحقيقة أنه عندما اعتلى الملك الشاب فاروق عرش مصر في العام 1936، كان شابا وسيما فيما بين السادسة عشرة والسابعة عشرة من عمره، فرافقت السنوات الأولى لحكمه هالة من الاستبشار الشعبي شملت قطاعات واسعة من الطبقات الاجتماعية المختلفة في مصر. ومع أن انعكاس هذا الواقع على علاقة كبار الفنانين بالقصر الملكي والأسرة الحاكمة قد التصق باسم محمد عبد الوهاب، أكثر من التصاقه باسم أم كلثوم (ربما لأن الأغنيات القليلة التي غناها عبد الوهاب للملك فاروق فاقت أغنيات أم كلثوم الفاروقية في شهرتها الفنية، خاصة “أنشودة الفن” الشهيرة، ومطلعها “الدنيا ليل والنجوم طالعة تنورها”)، فأن جردة تاريخية موضوعية لتراث أم كلثوم الغنائي، المتداول منه وغير المتداول، الشهير والأقل شهرة، يؤكد أن أغنياتها التي كتبت ولحنت خصيصا في مناسبات تخص الملك شخصيا، وبعض أفراد أسرته، لا تقل عن عشر أغنيات، هي حسب تاريخ ظهورها:أغنية “عيد الدهر”، بمناسبة جلوس الملك فاروق على العرش، في الموسم الغنائي 1935 –1936.أغنية “يا مليكي الحسن سجد لك”، في الموسم الغنائي نفسه.أغنية “ميلاد الملك” (اجمعي يا مصر أزهار الأماني)، في الموسم الغنائي 1936 –1937.أغنية “أشرقت شمس التهاني”، بمناسبة زفاف الملك فاروق والملكة فريدة، في الموسم الغنائي 1938-1937.أغنية “يا أغاني السماء”، بمناسبة ولادة الأميرة فريال، في الموسم الغنائي 1939-1938.أغنية “ارفعي يا مصر أعلام السرور”، بمناسبة مرور عام على زواج فاروق وفريدة، في الموسم الغنائي نفسه.أغنية “يا بدر لما جبينك لاح”، بمناسبة مرور عامين على زواج الملك فاروق والملكة فريدة، في الموسم الغنائي 1940-1939.أغنية “أميرة الوادي” (زهرة هلت على فجر الحياة) بمناسبة ولادة الأميرة فادية، في الموسم الغنائي 1943-1942.“قصيدة الملك “ (أيقظي يا طير نعسان الورود)، بمناسبة ذكرى ميلاد الملك فاروق، في الموسم الغنائي 1946-1945.أغنية “الزفة” (مبروك على سموك وسموه)، بمناسبة زفاف الأميرة فوزية والأمير شاهبور في قصر القبة، في الموسم الغنائي 1947-1946.نيشان الكمالوذلك، إضافة إلى أغنية أم كلثوم الشهيرة “حبيبي يسعد أوقاته”، التي غنت أم كلثوم المقطع الأخير منها “حبيبي زي القمر”، عندما دخل الملك فاروق لحضور الحفلة المقامة في النادي الأهلي يوم 24 سبتمبر/أيلول1944، لينعم عليها بنيشان الكمال المصري، الذي يمنح حاملته لقب “صاحبة العصمة”. وفي تسجيل هذه الحفلة يتضح أن أم كلثوم قفلتها بعبارةوالليلة عيدعالدنيا سعيدعز وتمجيدلك يا مليكيوهو، التسجيل الذي طبعته شركة اسطوانات “صوت القاهرة” على اسطوانة مطولة بعد ذلك، حذفت فيه الإشارة إلى الملك، بطريقة القص واللصق (مونتاج) واستبدلت بها عبارة “وانت حبيبي” مستعارة من قفلات المقاطع السابقة، وذلك بشكل واضح يلاحظه المستمع، لأن عملية التبديل جاءت على حساب دقة الإيقاع وتواصله المنطقي. وللأمانة التاريخية هنا، لا بد من القول أن أم كلثوم كانت قد غنت “حبيبي يسعد أوقاته” قبل حفلة النادي الأهلي المذكورة أربع مرات، الأمر الذي يستوجب الاستماع إلى التسجيلات الأربع السابقة (أو أحدها على الأقل) للتأكد مما إذا كانت العبارة الأخيرة في قصيدة بيرم الأصلية هي “وانت حبيبي” أو “لك يا مليكي”، هذا إذا كانت التسجيلات الأربعة الأولى ما زالت موجودة في محفوظات إذاعة القاهرة.خلاصة ذلك، أن علاقة أم كلثوم بالقصر الملكي والحاشية الملكية كانت وثيقة لدرجة يمكن تلمسها في قائمة الأغنيات الملكية المدونة أعلاه، ومناسباتها التي تشمل عددا من أفراد ومناسبات تلك الأسرة. وقد توجت هذه العلاقة بمنح الملك فاروق نيشان الكمال لأم كلثوم مع لقب “صاحبة العصمة”، هذا إضافة إلى ما قيل عن العلاقة العاطفية التي ربطت بين أم كلثوم وخال الملك فاروق شريف باشا صبري، التي لم تسمح الفروقات الاجتماعية بأن تفضي إلى الزواج. غير أنه من الظلم لأم كلثوم وتاريخها تضخيم هذه العلاقة إلى درجة حصر حياة أم كلثوم الاجتماعية والعامة بها.فبالإضافة إلى أن أم كلثوم قد وضعت شهرتها الفنية في خضم مشاريع النهضة الفنية والثقافية والاقتصادية العامة في مصر، كما لاحظنا في علاقتها بطلعت باشا حرب وستوديو مصر والنهضة السينمائية التي انطلقت من ذلك الاستوديو، فوقائع حياة أم كلثوم تؤكد أن المكونات والطبائع الإنسانية لشخصيتها الريفية لم تفارقها، حتى وهي في قمة سلم الارتقاء الاجتماعي في القاهرة، حتى أن العمل الأدبي الجميل الذي وضعه الكاتب اللبناني سليم تركية باللغة الفرنسية في العام 1994 بعنوان “ oum” ثم ترجم إلى العربية بعنوان “كان صرحا من خيال” يغطي هذه الازدواجية في شخصية أم كلثوم (بين الريف والمدينة) التي رافقتها طيلة حياتها، وانعكست على الكثير من تصرفاتها ومن علاقاتها بعائلتها الصغيرة والكبيرة، وبأهل قريتها والقريبين منها في القاهرة، برواية عن أن دارتها الأنيقة في الزمالك بالقاهرة (شارع أبو الفدا)، كانت تضم جناحا ريفيا بتصميمه وأثاثه، كانت أم كلثوم تهرع إليه كلما شعرت بضيق أو باشتياق إلى أجوائها الريفية (46). وسواء كان هذا الوصف خياليا أم مطابقا لواقع دارة أم كلثوم التي هدمت الآن وتركت مكانها لعمارة عصرية شاهقة، فمما لا شك فيه أن تصرفات أم كلثوم في القاهرة ظلت، مثلها مثل كثير من نجوم المجتمع القاهري ذوي الأصول الريفية، مشوية بمسحة من القيم الريفية وسلوك أهل الريف.ولعل هذه الازدواجية الريفية – المدنية، هي التي عصمت أم كلثوم، عند وصولها إلى قمة الهرم الاجتماعي في العاصمة، وانخراطها في علاقة مميزة مع الملك والأسرة المالكة، من أن تفقد ملامح الشخصية العامة المرتبطة بكل الطبقات الاجتماعية لشعبها، وبالأحاسيس الوطنية والدينية والاجتماعية والعاطفية لهذه الطبقات. وقد كان لهذا الواقع آثاره الواضحة، ليس فقط في السلوك الشخصي لأم كلثوم، بل في نتاجها الفني وخياراتها الفنية، خاصة في مجال الأعمال ذات الطابع الوطني، أو الديني، أو ذلك النمط الفريد من بعض قصائدها وأغنياتها التي كانت مزيجا فريدا من العاطفة الوطنية والعاطفة الدينية.ومن المؤكد أن ظهور رياض السنباطي في حياة أم كلثوم، الشخصية والفنية، كان له أكبر الأثر في حياتها، لأن علاقتها برياض السنباطي لم تثمر فقط التحول الفني الأساسي في حياتها، بل طبعت بطابعها كل ما قدمته أم كلثوم من أعمال فنية حتى نهاية حياتها، بما في ذلك تعاونها الفني مع ملحن عملاق من وزن محمد عبد الوهاب، أو ملحنين شباب مثل بليغ حمدي والموجي والطويل ومكاوي. فكل هؤلاء لم يكونوا يتعاملون مع أم كلثوم وحدها، بل مع الصيغة الفنية الكلثومية- السنباطية التي لازمتها حتى نهاية حياتها.وإذا كانت التفاصيل الفنية الكاملة لهذه الظاهرة متروكة للقسم الثاني من الكتاب، فلا بد هنا من الإشارة إلى أنه كان للقواسم المشتركة الكثيرة بين الشخصية الإنسانية لكل من رياض السنباطي وأم كلثوم، أثر كبير في خصوصية العلاقة الفنية المميزة التي نشأت بينهما، وجعلت منهما ثنائيا لا تنفصم عراه، برغم إشكالات عابرة في العلاقة الشخصية. ولعل أهم ما يستحق التوقف عنده بين تلك القواسم المشتركة هو عمق العاطفة الدينية لدى رياض السنباطي، التي تقارب حدود النزعة التصوفية، وعمق عاطفته الوطنية وبساطتها (تماما على طريقة المواطن المصري العربي العادي أبن الشارع) بعيدا عن أي حسابات للعلاقة بالسلطة وحسابات الظهور الاجتماعي، التي كان السنباطي متزمتا في الابتعاد عنها، بدرجة تجاوز فيها حتى أم كلثوم (خاصة في مجال العلاقة بالسلطة السياسية في بلده).القطيعةولا ننسى طبعا، أن علاقة أم كلثوم بالسنباطي بدأت تاريخيا منذ منتصف الثلاثينيات مع فيلميها الأولين وداد ونشيد الأمل. غير أن حجم التعاون الفني بينه وبين أم كلثوم، بقي في زخمه في الدرجة الثالثة بعد القصبجي وزكريا أحمد، إلى أن جاءت لحظة القطيعة الكبرى بين أم كلثوم والقصبجي في النصف الأول من عقد الأربعينيات، مع فيلم عايدة.وقبل الخوض في أثر ولادة المرحلة السنباطية في حياة أم كلثوم، على مسيرتها الشخصية والفنية، يجدر بنا استكمال الحديث عن منعطف القطيعة مع القصبجي، لتسجيل ملاحظة القسوة التي رافقت تلك القطيعة من بدايتها إلى نهايتها، إذ لا بد من التذكير بأن عنصرا آخر دخل في تحديد الملامح الإنسانية لهذه القطيعة إضافة إلى العنصر الفني (بل ربما قبله) هو أن سرا ما في علاقة أم كلثوم بالقصبجي، كان يجعلها ذات سطوة عليه، خاصة عندما استوت على عرش الغناء وقمة الصعود الاجتماعي مع نهاية عقد الثلاثينيات، وبداية عقد الأربعينيات. وقد تجلت هذه السطوة في التفاصيل الصغيرة للعلاقة بينهما في العقد الأول من سنوات القطيعة، وهي تفاصيل فيها الكثير من القسوة الإنسانية عندما نعيد استعراضها في لوحة واحدة، فقد تحول القصبجي من موقع أستاذها، وملحنها العبقري والرئيسي لعقد ونصف من الزمن، وقائد فرقتها الموسيقية عندما تحولت من الإنشاد الديني إلى احتراف الغناء، وأحد المسؤولين الرئيسيين عن تدريب وتهذيب وتشذيب حنجرتها طيلة عقد كامل حتى تستكمل عملية بلورة مواهبها الخام (على عظمة تلك المواهب)، فلم ينزل القصبجي فقط عن كل هذه المواقع الأساسية في حياة أم كلثوم، ليتحول إلى مجرد عازف عود في فرقتها، وإلى ملحن يقف كالمبتدئين على بابها (بعد القطيعة) يعرض عليها ألحانا عديدة فترفضها، بينما هي تسعى لملحنين مبتدئين (مثل بليغ حمدي عندما غنت له “انت فين والحب فين”) ظلوا حتى عندما بلغوا قمة أمجادهم الفنية يعتبرون القصبجي أحد أساتذتهم الكبار الذين لا يتكررون.ولو نحن افترضنا أنه كان للقصبجي نصيب من المسؤولية في كل هذه التحولات السلبية، لأنه بالغ في اندفاعه لتغريب أسلوبه التلحيني في المقطع الأوبرالي من فيلم عايدة، وربما كان حجم مسؤولية القصبجي أكبر إذا افترضنا أن نقاشا طويلا كان يدور بينه وبين أم كلثوم للتخفيف من جموح التغريب، والعودة إلى المعادلة الرائعة التي وصل إليها في آخر لحنين عظيمين لأم كلثوم (ما دام تحب، ورق الحبيب)، وأن القصبجي ركب رأسه ولم يقبل أي مساومة بشأن تجاربه الموسيقية التجديدية، ولنضف إلى كل ذلك أن حالة من النضوب الفني قد أصابت القصبجي، وهو افتراض محتمل، أصاب كثيرا من عباقرة الفن في كل زمان ومكان (مثل رامبو عبقري الشعر الفرنسي، وروسيني عبقري الموسيقى الايطالي)، ولكن كل ذلك لا يبرر بأي شكل من الأشكال تصرف أم كلثوم مع القصبجي عندما قرر الترشح لرئاسة نقابة الموسيقيين، فمنعته من ذلك لترشح نفسها. لا شك بأن دوافع كثيرة كانت وراء اندفاع أم كلثوم هذا، منها أنها حققت إنجازات كبرى في الأمجاد الفنية وفي الارتقاء الاجتماعي، فأرادت أن تحصل على المنصب الأعلى الذي يمكن أن يشغله أي عامل في حقل الموسيقى والغناء. ومنها أن منافسها في كل هذه المجالات كان محمد عبد الوهاب، وأنها أرادت أن تسجل عليه فوزا معنويا كبيرا في منصب رئاسة نقابة الموسيقيين. غير أن أم كلثوم لم تكن بحاجة إلى مثل هذا المنصب، ومستقبلها الفني ما زال مشرع الأبواب أمامها في ذلك الوقت، بينما كان القصبجي، خاصة بعد القطيعة، في وضع نفسي وفني وإنساني لا يحسد عليه، وكان من المتوقع أن تبادر أم كلثوم (على عكس ما فعلت) إلى التنازل له عن مقعد النقيب، تتويجا لجهوده الطويلة ولمقامه الفني الرفيع، ولأفضاله الشخصية عليها وهي في بداياتها الفنية. وحتى لو قسنا الأمور بمعيار التنافس الجاد بينها وبين عبد الوهاب، فقد كان دعمها للقصبجي في انتخابات النقابة وفوزه على عبد الوهاب، سيسجل لها نصرا معنويا على عبد الوهاب، أكبر مما يعنيه فوزها الشخصي بالمنصب، لأن فوز القصبجي سيكون مسجلا باسمها، فهو أحد ملحنيها.لقد شغلت بالي طويلا الدراما الإنسانية الثقافية المتمثلة في علاقة القصبجي بأم كلثوم بين مرحلتي ما قبل 1944 وما بعد ذلك، وأثارت فضولي في محاولة اكتشاف المغزى الفني والثقافي وراءها، إضافة إلى المغزى الإنساني. فحاولت الحصول على تفسير مقنع لما حدث في هذا المجال من صديق عمر محمد القصبجي وصاحب أفضل كتاب صادر عن هذا العبقري الذي مات مجرد عازف عود في ظل أم كلثوم وهو المؤرخ الراحل محمود كامل، فقدم جوابين واضحين مقنعين الأول فني والثاني إنساني.في المجال الفني كنت دائما أعتقد أن انخراط القصبجي في تزويد حنجرتي أسمهان وليلى مراد (خاصة أسمهان) بالحان تجديدية باذخة الجمال والقوة (مثل ليت للبراق عينا، وأسقنيها بأبي أنت وأمي، ويا طيور) قد أثار حفيظة أم كلثوم، بعد العشرة الفنية الطويلة بينها وبين القصبجي. وكان هذا التفسير يكتسب عندي قيمة مؤكدة كلما فكرت بأن صوتا نسائيا واحدا قد وصل إلى مستوى المنافسة الجادة مع أم كلثوم هو صوت أسمهان. فأكد لي الأستاذ محمود كامل صحة هذا الاستنتاج، وذكره كسبب رئيسي في تدهور العلاقات الفنية بين أم كلثوم ومحمد القصبجي، وذلك ليس على سبيل الاستنتاج فقط، بل على سبيل المعلومات التي استقاها محمود كامل من حواره الطويل مع القصبجي بهذا الشأن. ثم سمعت بعد ذلك حكايات من كواليس فيلم «غرام وانتقام» تدعم أيضا صحة هذا الاستنتاج وهذه المعلومات، خاصة أن رياض السنباطي أيضا قد ساهم مع القصبجي في تزويد أسمهان بلحنين خالدين من ألحانه (أيها النائم، ونشيد الأسرة العلوية، الذي اختفى عن الأسماع بعد ثورة 1952).أما السبب الإنساني فقد أبداه الأستاذ محمود كامل عندما سئل عن السبب الذي يعتقد أنه دفع القصبجي، بعد القطيعة، إلى القبول بذلك الموقع المتواضع كعازف عود (حتى ولو في فرقة أم كلثوم) وهو واحد من عباقرة الموسيقى العربية في القرن العشرين. فقال الأستاذ محمود بالحرف الواحد: «لقد طرحت هذا السؤال بحرفيته على محمد القصبجي في لحظات حرجة من علاقته بأم كلثوم، فرد بالحرف الواحد: «يا محمود، أنا أمنية عمري إني أموت وأنا بعزف العود وراها» (47).أعتقد أن في هذه العبارة تعبيرا كامل البعد الإنساني في مأساة العلاقة الغريبة بين القصبجي وأم كلثوم، في العقدين الأخيرين من حياته، وقد بقي فعلا يعزف العود وراءها حتى أواخر أيام حياته. أما في محاولة تفسير مكنونات هذه العبارة، هل هو حب من طرف واحد يجعل العاشق يقبل الظلم أو القسوة من معشوقه، أو أنها سطوة الشخصية الساحرة والمسيطرة لأم كلثوم، لجمت لدى القصبجي كل محركات التمرد ؟ لو صح هذان الاحتمالان، أو الثاني منهما على الأقل، فسيكون فيه تفسير لما يقال عن أن عبقرية القصبجي اللحنية قد نضبت بعد رق الحبيب، فالنضوب الفني هو في الغالب حالة نفسية عند الفنان، سببها عند القصبجي بالذات، أن صاحبة الكلمة العليا في العلاقة (أم كلثوم) قررت (بعد صدمة عايدة) أن لا تغني من ألحانه، فكانت النتيجة الطبيعية جفاف منبع هذه الألحان المحتملة.هذه السطور في محاولة تفسير جفاف العلاقة الفنية بين أم كلثوم والقصبجي، مفيدة أيضا في فهم مقدمات المرحلة الذهبية في العلاقة بين أم كلثوم وزكريا أحمد ( من 1941 إلى 1947 على الأرجح) وهي المرحلة التي أطلقت عبقرية زكريا أحمد من أعماقها في سلسلة مونولوجاته المسرحية الذهبية من «الأمل» حتى «حلم»، مرورا بأنا في انتظارك والآهات والأولة في الغرام وأهل الهوى وحبيبي يسعد أوقاته وسواها من تلك التي اختفت تسجيلاتها، ومقدمات تفجر الأعماق الفنية لرياض السنباطي في سلسلة مونولوجاته المسرحية المطولة وسلسلة قصائده الصوفية الطابع وألحانه الوطنية الشامخة لأم كلثوم، حتى آخر يوم في حياتها (ملاحظة:أخر حفلة لأم كلثوم في 4 يناير/كانون الثاني 1973 تضمنت «القلب يعشق كل جميل، للمرة الرابعة).فإذا بدأنا بزكريا أحمد، فأن اعتماد أم كلثوم له كملحن أساسي لأغنياتها المسرحية (بعد مرحلة الأدوار والطقاطيق الرائعة المسجلة على اسطوانات) لم تفجر فقط كل المخزون العبقري لهذا الملحن ذي الشخصية المميزة في التمسك بأصولية المضمون التراثي للنهضة الموسيقية – الغنائية العربية كما وصلته من القرن التاسع عشر، ومن تراث الإنشاد الديني الإسلامي، ولكنه ضم إلى “بلاط أم كلثوم” أو إلى فريق عملها التاريخي شاعرية بيرم التونسي، الذي كان معظم زجله خارج إطار أغنيات أم كلثوم، مركزا في المجالين الاجتماعي والسياسي، فأنجز في تعامله مع أم كلثوم نمطا من الشعر العاطفي والوجداني لم يكن له مثيل في العامية المصرية، مما أثر في كل شعراء العامية من الجيل التالي لبيرم وعلى رأسهم صلاح جاهين.عند هذه المرحلة من حياة أم كلثوم، ومع انخراط رياض السنباطي النشيط في فريق الملحنين الكلثوميين، الذي أصبح فريقا ثلاثيا، وصل شغف الجماهير بحفلاتها الشهرية إلى ذروة عالية، وبدأت تتشكل داخل جماهيرية أم كلثوم “حزبية” داخلية، على طريقة الانقسام ذي الطابع “الفني الحزبي” بين محبذي أم كلثوم ومحبذي عبد الوهاب. فقد بدأت تتكون داخل الكتلة الجماهيرية العاشقة لغناء أم كلثوم وحفلاتها الشهرية، تيارات فنية متنافسة بطريقة لا تعمل إلا باتجاه تدعيم أمجاد أم كلثوم وزيادة مساحتها: فريق ما زال يعقد اللواء لمحمد القصبجي، ويعتبر رق الحبيب ذروة أغنياتها المسرحية الطويلة، وفريق يفضل الاستماع إليها في إبداعات زكريا المطوّلة ( حتى ظل زكريا أحمد إلى آخر عمره يروي أن أعظم تقدير ناله في حياته، كان عندما سمع رجلين يتناقشان في فن أم كلثوم في مقهى عام، فقال أحدهما، دون أن يعرف أن زكريا أحمد يجلس بجواره، أنه لايحب سماع “الست” إلا في ألحان زكريا أحمد)، وفريق بدأ يدمن على النكهة الجديدة لمونولوجات السنباطي المطولة، وقصائده الشامخة، التي بدأت مع “سلوا كؤوس الطلا” ثم أحدثت منعطفا هاما في جماهيرية أم كلثوم مع قصيدة “سلوا قلبي”، التي جمعت الغزل الرفيع، إلى التواجد الصوتي العميق في مدح الرسول، إلى العاطفة الوطنية – السياسية المشبوبة، كل ذلك في بنيان لحني مدهش، بقي علامة سامقة في قلعة رياض السنباطي اللحنية.وبما أن قصيدة سلوا قلبي امتدت في ديوان أحمد شوقي على واحد وسبعين بيتا من الشعر، فقد كان طبيعيا أن تعمد أم كلثوم، كعادتها مع قصائد شوقي بالذات (عدا سلوا كؤوس الطلا التي كتبت خصيصا لها) إلى فريق عمل عضوه الدائم شاعرها المفضل أحمد رامي، يختار لها الأبيات المطلوب تلحينها. لذلك، يبدو التعمد واضحا في اختيار تلك الأبيات التي تشكل الصيغة التي أشرنا إليها، الجامعة بين الغزل الرفيع في مطلع القصيدة، والتوله في حب الرسول ومدحه في معظم مقاطع القصيدة، وعاطفة الحماسة الوطنية المتأججة في البيتين الشهيرين:وعلمنا بناء المجد حتى أخذنا إمرة الأرض اغتصاباوما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلاباوالثابت بالنسبة لهذه القصيدة، أن أم كلثوم ظلت ترددها في حفلاتها الشهرية بين 1946 و1948، غنتها للمرة الأولى يوم الخميس 7 فبراير/شباط 1946، وللمرة الثالثة عشر يوم الخميس أول إبريل /نيسان 1948( قبل شهر ونصف من اكتمال نكبة فلسطين)، كما سجلتها على اسطوانات كايروفون، ومن المؤكد أن كلا التسجيليين (التسجيل الحي، وتسجيل الاسطوانات) كان يتردد عبر أثير إذاعة القاهرة فيما بين الحفلات.نلاحظ هنا أن هذه الفترة فيما بين مطلع 1946 ومنتصف 1948، كانت فترة تغلي بالأحداث ضد سياسة بريطانيا العظمى، سواء في مصر أو في جوارها الشمالي: فلسطين. ففي مصر كان النضال الوطني ضد الإنجليز قد وصل إلى حالة من الغليان الشعبي والطلابي (بشكل خاص) لوضع حد للاحتلال البريطاني العسكري لمصر، الذي تم تثبيته بمعاهدة فرضت على مصر في العام 1936. أما في فلسطين، فقد كانت تلك السنوات الثلاث ذروة النشاط الصهيوني المحموم لإقامة دولة إسرائيل على أرض فلسطين، بمساعدة ودعم وتواطؤ من السلطات البريطانية ذاتها الحاكمة في فلسطين. لذلك يمكننا أن تتخيل الأثر السياسي المباشر الذي كان يحدثه البيتان المذكوران في قصيدة سلوا قلبي، خاصة عند البيت الثاني وما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلاباوالواضح، خاصة لمن يستمع إلى التسجيلات القديمة في القصيدة، أن البيتين المذكورين يشكلان أعلى ذروة انفعالية في القصيدة كلها، وعلى المستوى نفسه، على صعيد الشعر واللحن والغناء. حتى يمكننا الاستنتاج بأن الأثر الانفعالي الذي نسمعه بوضوح تام في الانفعال الجماهيري عند غناء أم كلثوم لهذين البيتين (واستعادتهما أكثر مرة) لم يكن سوى نموذج مركز عن حالة الانفعال الذي كانت إذاعة هذه القصيدة تحدثه في الجماهير العربية في مصر خاصة، وفلسطين وسائر الأقطار العربية التي كانت تعيش ظروفا سياسية متشابهة بل متداخلة. إلياس سحاب