مبارك استخف شعبه... فأهانوه
«لا يهمني ماذا سيقول عني التاريخ»... عبارة ترددت مرات عدة على لسان مبارك في جلسات خاصة وعلنية، ولعلها العبارة الأبلغ التي تصف مآل الأمور في مصر وحالها ليس خلال أيام الغضب الأخيرة فحسب بل قبل ثلاثين عاما أيضا، كما أنها تعبر بجلاء لا تخطئه العين عن ذهنية القائد وتركيبته الفكرية والنفسية في إدارة الصراعات.ففي خضم ثورة واحتجاجات وإضرابات متصاعدة، ينادي فيها الشارع المصري وحشود المحتجين الذين يمثلون قطاعات عمرية وفئوية وتيارات سياسية وفكرية متباينة الأطياف بمطالبات سياسية تتأرجح بين إصلاحات دستورية وسياسية وتشريعية وضمانات اجتماعية واقتصادية، برهن مبارك على أنه يؤمن إيمانا خالصا بتلك المقولة الغريبة، كما أنه كشف عن عقلية عسكرية نرجسية جامدة يتعاطى مع «أزمة سياسية» بحتة بفكر عسكري عنيد وقاسٍ، حيث يتصدى ويتمترس ويناور أمام «عدو» يريد الفتك به، حسب تصوره، رغم أن نداءات «ثورة النيل» ظل سقف مطالباتها مقتصرا، في أغلب الأحيان، على «الرحيل». ولم تعلُ نبرة المطالبات التي رددها المحتجون إلى أبعد من «الرحيل» إلا بعدما تواترت تقارير إعلامية غربية قالت فيها مصادر إن ثروة عائلة مبارك تراوحت بين 40 و70 مليار دولار، وهو الأمر الذي كشف عن مرحلة جديدة في «الصراع» بين الرئيس والشارع المصري الذي استشعر من جانبه أن «غطاء» الرعاية في الخارج بدأ ينحسر كاشفا عن قمة «جبل الفساد»، الذي طالما زخرت به حكايات المصريين اليومية على مدى يزيد على ثلاثة عقود.فما نشهده الآن من فوران يعتري الشارع المصري، ليس وليد اللحظة أو الأيام القليلة الماضية، بل يعكس تفاصيل صراع مكتوم استمرت تفاصيله وأحداثه على مر عقود في صدور الكثير من المصريين الذين طال تهميشهم وإهانتهم وسحقهم وإبعادهم عن الحياة السياسية، التي كان يتعمد مبارك إدارتها وفق مفهوم «الصناديق السوداء» التي تحتويها «الطائرات» معشوقة الرئيس ومهنته الأثيرة.فقد حرص مبارك منذ استلامه الحكم على تبني مفهوم «الصندوق الأسود»، إذ ليس لأي مخلوق الحق في المشاركة أو الاطلاع على تفاصيل صناعة القرار- بشتى مستوياته العسكرية والقومية والاستراتيجية والسياسية والاقتصادية- الذي يتخذ داخل دائرة محدودة ووفق معادلات لا يعلمها سوى الرئيس، ومن يحيطون به من «الكهنة» المقربين في معابد صناعة القرار. ولضمان «استجابة» الجموع، أو بالأحرى «تمرير» ما يصدر من «قرارات باطنية» كان من الضروري فرض «طوق من الوصاية» على مفاصل المجتمع المدني والسياسي، حيث شرعت السلطة منذ منتصف الثمانينيات في جملة من الإجراءات الاستبدادية المقيدة للحريات؛ و»شراء» ولاءات بعض أحزاب المعارضة وصناعة بعضها الآخر من قبيل تجميل الصورة الحزبية السياسية؛ محاصرة النقابات المهنية وتفريغها من مضمونها، وتأصيل حظر العمل السياسي في الجامعات، وإطلاق يد الأمن في مؤسسات الدولة في مستوياتها المختلفة.وعلاوة على ذلك توسع نظام مبارك في خلطه المقيت بين «الاستقرار» و»التيبس»، فعمد الإبقاء على القيادات العليا في مؤسسات الدولة المختلفة الصناعية والخدمية والسياسية والإعلامية لعشرات السنوات إلى حد أن كثيرين من تلك القيادات الموالية تحولت إلى آلهة مصغرة في مؤسساتها؛ مارست نفس الاستبداد والسلطوية على قطاعات كبيرة من العاملين فيها بمختلف المستويات، كما أنها أصابت أجيالا عريضة بالإحباط نظرا لجمود حركة الترقيات في الدولة.ورغم مواصلته فكر الاقتصاد الرأسمالي المتحرر أو بمعنى أصح «المنفلت» بإشراك القطاع الخاص ورجال الأعمال في الخطة الاستثمارية للدولة بنسبة زادت على 75%، فإنه لم يتخل عن ميله وهواه الشخصي في الاستمرار في عسكرة و»أمننة» الكثير من مؤسسات الدولة الحيوية في محافظاتها ومراكز الحكم المحلي فيها.واعترافا بوجود مناخ من الحرية عمد خلاله النظام على تأصيل فكرة «حرية الصياح» بين المعارضين في الغرف المغلقة أو داخل الأسوار أو على صفحات الجرائد والفضائيات، لكنه كان يقظا بألا تتحول تلك الصيحات إلى «حالة الفعل» التي عادة ما واجهتها أجهزة الأمن ورجال الشرطة بعصا أمنية غليظة، وممارسات قاسية بلغت حد التعذيب، فكان نصيب المعارضين من خلال السنوات الثلاثين الماضية أن قوبلوا بإجراءات عقابية قاسية وملاحقة أمنية متواصلة، واعتقالات ممهورة بخاتم قانون الطوارئ، هذا فضلا عن تعمد إهانتهم والحط من قدرهم وإخفائهم. ولم يكن مفكرو مصر ومثقفوها بمنأى عن تلك الممارسات القمعية التي قلصت من قدرتهم على التواصل مع جموع الجماهير، فقد حرصت سياسات مبارك على استبعاد الأصوات المعارضة وذوي الآراء المغايرة من المشهد الثقافي والإعلامي، وصدرت التعليمات الضمنية والأمنية ضد جميع من يعزف «نغمة أخرى» لا يرغبها النظام باستبعادهم وتهميشهم وسد الطريق أمام أفكارهم ورؤاهم حتى لا تلامس عقول الشباب والأجيال المتلاحقة في مصر.هذا بخلاف «جزرات» النظام التي نجح من خلالها في استقطاب بعض المثقفين والمفكرين المصريين الذين حولوا دفتهم الفكرية والسياسية سيراً على وقع ما يمليه عليهم نظام مبارك، وهو ما عبر عنه وزير الثقافة المصري السابق فاروق حسني بمقولة أخاذة ومعبرة عن مجمل السياسات، حين صرح في جلسة علنية أنه نجح في إدخال المثقفين «حظيرة الحكومة». بالفعل كانت «حظيرة مبارك» هي أهم ملمح يعكس سياساته التي طبقها على مدار ثلاثة عقود لشراء الولاءات وتعضيد أركان النظام؛ سواء على المستوى الثقافي والفكري والحزبي والسياسي والعسكري والاستراتيجي.وقد أدت تلك السياسات الممنهجة والمطبقة ببراعة منتهية النظير إلى تداعيات لن تتمكن أضابير أكبر مكتبات العالم من حصر ما اعتراها من آثار ومآسٍ طاولت الشعب المصري خلال السنوات الماضية ودراستها وبحثها، فقد عانى أغلب الشعب المصري حصاراً وتهميشا، وإحباطا، وفقرا، وتعذيبا، ومرضا، ومهانة لم يتعرض لمثلها إلا في «حظيرة مبارك» وعهده الذي تفشى فيه الفساد إلى حد أنه يمكنك أن تعثر عليه تحت كل حجر تقلبه في شوارع مصر.لم تنته تلك الممارسات والإهانات لشعب مصر وتاريخه ورصيده الحضاري المديد، ولم تنقشع «الغمة» إلا بعدما ثار النيل وشبابه وأبناؤه في ثورة اندلعت شرارتها في 25 يناير، وتواصلت مخضبة بدمائهم الطاهرة تدعمها دموع ساخنة وتقطرها قلوب العائلات والأهالي والعجائز في كل قرى مصر ونجوعها ومدنها ممن يتحرقون شوقا إلى حياة كريمة ومستقبل أفضل لأبنائهم وأجيالهم. وعلى مدى ثمانية عشر يوما سالت دماء شباب مصر، وتواصلت احتجاجات سلمية راقية لتصل الثورة إلى نقطة مضيئة في تاريخها وتاريخ مصر، وتحديدا في يوم الخلاص11 فبراير يوم جني الثورة لثمارها، يوم الأمل والتطلع إلى غد أفضل لأجيال لشعب المصري وشبابه وأبنائه الذين استخف بهم الفرعون فأهانوه! كتاب الجريدة يردون على تعليقات القراءيمكنك متابعة الكاتب عبر الـ RSS عن طريق الرابط على الجانب الايمن أعلى المقالات السابقة